Masukالفخانطفأت الأنوار.وفي اللحظة نفسها، تحرك سليم أمام ديما.لم تفكر.لم تسأله.فقط أمسكت طرف سترته بقوة.كان الظلام كثيفًا إلى درجة أنها لم تعد ترى سوى ظله.أما الطفل الغريب، فظل يبكي في الغرفة.قالت ديما بصوت مرتجف:"أمير... مالك فين؟!"جاء صوته من مكان مجهول.هادئًا.باردًا."أخيرًا سألتي السؤال الصح."صرخت:"فين ابني؟!"لم يجب.تحرك سليم ببطء.وقال بصوت منخفض:"ديما، متتحركيش."قال أمير ضاحكًا:"لسه بتديها أوامر يا سليم؟"اشتدت أصابع ديما حول سترته.لم يعجبها أنها ارتاحت لمجرد وجوده أمامها.لكنها لم تستطع أن تنكر ذلك.كانت خائفة.وخلف سليم، شعرت ولو للحظة أن هناك جدارًا بينها وبين العالم.قال سليم:"الولد ده مين؟"جاء صوت أمير:"ده مش مهم."قال سليم بحدة:"بالنسبة لي مهم."ساد صمت قصير.ثم قال أمير:"لسه زي ما أنت."قال سليم:"إنت اللي ما اتغيرتش."تجمدت ديما.كانت هناك أشياء بينهما.أشياء أكبر مما قاله لها أي منهما.قال أمير:"بالعكس."ثم سمعوا خطوات.خطوات بطيئة.تقترب.ظهر ضوء خافت في نهاية الممر.ثم ظهر أمير.وقف بعيدًا عنهم.وكان وجهه يحمل تلك الابتسامة التي جعلت جسد ديما كله
أين مالك؟سقط الهاتف من يد ديما.لم تسمع صوت ارتطامه بالأرض.كل ما سمعته كان جملة واحدة تتكرر داخل رأسها.أمير أخد مالك من المدرسة.تراجعت خطوة.ثم أخرى.حتى اصطدمت بظهر الكرسي."لأ."خرجت الكلمة هامسة.نظرت إلى سليم."لأ."كان ما يزال ممسكًا بهاتفه، ووجهه تغير تمامًا.قال بسرعة:"ياسر، المدرسة قالت إيه بالظبط؟"جاء صوت ياسر متوترًا من الهاتف."قالوا إن أمير راح بنفسه."وضعت ديما يدها على فمها.قال سليم:"ومين سمح له ياخده؟""هو أبوه يا سليم، والإدارة قالت إن مالك كان معاه قبل كده في مناسبات، فمحدش شك."صرخت ديما:"ابني!"التفت إليها سليم فورًا.لكنها لم تكن تراه.كانت تنظر أمامها، وعيناها غارقتان في الرعب."هو أخده."قالت مرة ثانية، وكأن عقلها لم يستوعب."هو أخده."اقترب منها سليم."ديما، بصيلي."لم تنظر."ديما."رفع صوته قليلًا.فرفعت عينيها إليه.كانت تبكي الآن."أنا لازم أروح له."قال:"هنروح.""فين؟"توقف.وهنا انفجر خوفها."فين يا سليم؟! هو أخده فين؟"لم يجب.لأنه لا يعرف.وهذا كان أسوأ شيء.أمسك سليم بهاتفه مرة أخرى."ياسر، بلغ الشرطة."تجمدت ديما.نظرت إليه."شرطة؟"قال دون أن
الحقيقة التي أخفاها الجميعلم تستطع ديما أن ترد.ظلت ممسكة بالهاتف، وعيناها معلقتان بسليم.كان والدها يقول:"أنا جاي لك... جاي أقول لك الحقيقة اللي كان لازم تعرفيها من زمان."ابتلعت ريقها."حقيقة إيه يا بابا؟"ساد صمت على الطرف الآخر.صمت طويل.ثم قال:"لما أوصل."اشتعل غضبها فجأة."لأ."توقف والدها.قالت بصوت مرتفع:"لأ يا بابا. مش هتقفل وتقولي لما أوصل."نظر إليها سليم بصمت.أكملت:"أنا تعبت من كلمة بعدين."صمت والدها."ديما...""كل الناس حواليا عارفة حاجات عن حياتي وأنا مش عارفاها! أمير عنده أسرار، وسليم عنده أسرار، وإنت عندك أسرار!"أغمضت عينيها.وصوتها انكسر."وأنا الوحيدة اللي بدفع تمن كل حاجة."قال والدها بصوت منخفض:"أنا عارف."فتحت عينيها."لا."قالت بقسوة:"لو كنت عارف، ماكنتش سيبتني كل السنين دي."ساد صمت مؤلم.ثم جاء صوته:"أنا غلطت."توقفت ديما.لم تتوقعها.طوال حياتها، كان والدها شخصًا قويًا في نظرها.لم تسمعه كثيرًا يعترف بأنه أخطأ.قال:"أنا غلطت لما افتكرت إن سكوتي هيحميكي."شعرت ديما بقلبها ينقبض."من إيه؟"قال:"من أمير."تجمدت.نظرت إلى سليم.لكن سليم لم يتحرك.كان
.لا تثقي بهظل الهاتف في يد ديما.الشاشة سوداء.لكن كلمات والدها لم تختفِ."سليم أخطر عليكِ من أمير."رفعت عينيها ببطء.كان سليم يقف أمامها.لم يكن يعرف ما الذي قاله والدها.لكن وجهها كان كافيًا ليجعله يفهم أن المكالمة لم تكن عادية.قال بهدوء:"قال لكِ إيه؟"لم تجب.كرر سؤاله."ديما؟"نظرت إليه.وللمرة الأولى منذ عرفته، شعرت بأنها لا تعرف ماذا ترى أمامها.الرجل الذي وقف معها.الذي أخرجها من كل مشكلة.الذي صدقها عندما لم تصدق نفسها.الذي لم يضغط عليها يومًا لتقول ما لا تريد قوله.ثم تذكرت كلام والدها.لا تثقي به.قال سليم بصوت أخفض:"أبوكي قال لكِ إيه؟"ابتلعت ريقها."قال لي أخرج من عندك."تغير وجهه.لكن ليس بالصدمة.بل بشيء يشبه التوقع.لاحظت ديما ذلك."إنت كنت متوقع."لم يجب.اقتربت منه."كنت متوقع إنه هيقول كده."تنفس ببطء."أيوه."اتسعت عيناها."ليه؟"ظل صامتًا لثوانٍ.ثم قال:"لأن في حاجة بيني وبين أبوكي من الماضي."ارتفع صوتها."أنا عارفة إن في حاجة!"توقفت أنفاسها لحظة.ثم أكملت:"كل الناس بتعرف حاجة وأنا الوحيدة اللي واقفة في النص مش فاهمة حاجة."قال:"ديما—""لأ."رفعت يدها ت
حين طلبت الحريةلم تكن كلمة الطلاق سهلة.حتى بعد أن خرجت من فم ديما، ظلت للحظات تنظر إلى سليم وكأنها تنتظر أن يخبرها بأنها تسرعت.أن يخيفها.أن يسألها كيف ستعيش.ماذا سيقول الناس؟ماذا سيحدث لمالك؟لكن سليم لم يفعل شيئًا من ذلك.فتح الملف أمامه بهدوء.وقال:"من اللحظة دي، كل خطوة هنعملها هتبقى محسوبة."شعرت ديما بشيء يضغط على صدرها."يعني خلاص؟"رفع عينيه إليها."خلاص إيه؟"ابتلعت ريقها."خلاص... مفيش رجوع."ساد الصمت.ثم قال سليم:"إنتِ عايزة ترجعي؟"هزت رأسها بسرعة."لأ.""يبقى مفيش رجوع."بدأ سليم يشرح لها الإجراءات.لكن ديما لم تكن تسمع كل الكلمات.كانت تسمع أشياء متفرقة.دعوى طلاق.إثبات الضرر.تقارير طبية.الشهود.قضية الاختلاس.ثم...الحضانة.توقفت."مالك."رفع سليم رأسه."مالك إيه؟""هو هيعمل أي حاجة عشان ياخده مني."صمت سليم للحظة.ثم قال:"وعشان كده مش هندي أمير فرصة."اقتربت منه."بس هو بالفعل بدأ."وأشارت إلى الورقة التي حاول الرجل إجبارها على توقيعها."هو عايز يثبت إني أم مش مسؤولة."قال سليم:"وده اللي هنرد عليه."ثم أغلق الملف."هنجمع كل حاجة تثبت إنك أنتِ اللي كنتِ مسؤ
لن أوقّعتجمدت ديما في مكانها.كانت الورقة أمامها.وعنوانها وحده جعل الدم ينسحب من وجهها.طلب عاجل لنقل حضانة مالك إلى والده مؤقتًا.رفعت عينيها إلى الرجل."إنت عايز مني إيه؟"أشار إلى الورقة."توقعي."جاء صوت سليم من الهاتف، مرتفعًا هذه المرة:"ديما، ما توقعيش على أي حاجة!"ارتجفت أصابعها.الرجل مد يده نحو الهاتف."اقفلي المكالمة."تراجعت خطوة."لأ."ابتسم ببرود."أنا مش جاي أتخانق معاكي."نظرت إلى الورقة."أمال جاي ليه؟""عشان أديكي فرصة."ضحكت بمرارة."أمير بقى بيدي فرص؟"تغيرت ملامحه قليلًا.ثم قال:"الأستاذ أمير بيقول إن مصلحة مالك أهم من أي حاجة."اشتعل شيء داخلها."مصلحة مالك؟"اقتربت منه."أمير عمره ما كان يعرف يعني إيه مصلحة مالك."قال الرجل:"مش مهم رأيك.""لا، مهم."رفعت الورقة أمامه."لأن دي مش ورقة حضانة."سكت الرجل.كانت ديما تنظر إلى التفاصيل.ثم قالت:"دي ورقة تنازل."جاء صوت سليم عبر الهاتف:"صح."نظرت إلى الهاتف.صوته كان هادئًا، لكنه يحمل غضبًا واضحًا.قال:"ديما، اقري العنوان اللي تحت."قلبت الورقة.وبدأت تقرأ.اتسعت عيناها.كان هناك بند صغير.إقرار بعدم أحقية الأم







