LOGINكان الكوب الذي أمام ريم قد برد منذ زمن حين رنّ جرس الباب.نظر سامر إلى الساعة المعلقة فوق الثلاجة. التاسعة وعشر دقائق."لا أحد ننتظره." تمتم، ونهض.بقيت ريم جالسة، تسمع صوت الباب يُفتح، ثم صمتًا قصيرًا، ثم صوت امرأة مسنّة تعتذر عن الإزعاج. عرفت الصوت قبل أن ترى صاحبته.دخلت أم كريم إلى المطبخ ببطء، تتكئ على عصا لم تكن معها حين رأتها ريم آخر مرة، وفي يدها الأخرى ظرف أبيض عادي."سامحيني يا ريم. لم أجد وقتًا مناسبًا لهذا الأمر، وخفت أن أتراجع إن أجّلته إلى الصباح."نهضت ريم وسحبت لها كرسيًا. "اجلسي يا خالة. هل كريم بخير؟""هو في البيت منذ أمس. يمشي في الغرفة ويشتكي من الحمية." قالت المرأة، وفي صوتها شيء يشبه الابتسامة وليس ابتسامة. "الطبيب قال إن قلبه أقوى مما ظننا. وأنا لا أصدق الأطباء كثيرًا."وضع سامر أمامها كوب ماء، ووقف عند الثلاجة دون أن يقترب أكثر."كيف حال المنزل؟" سألت المرأة بعد لحظة، لتكسر الصمت. "سمعت أن جنى بدأت تقرأ وحدها.""تقرأ كل ما تقع عليه عيناها، حتى علب الحبوب." قالت ريم."كريم كان يفعل ذلك أيضًا. كان يقرأ ما كُتب على علبة الملح." ابتسمت أم كريم، ثم أطفأت ابتسامتها ب
في تشرين الأول، حان وقت القرار الذي أجّلته ريم منذ الصيف.جلست مع فادي في مكتبها، والملف بينهما."فادي، وعدتُك بمراجعة بعد ستة أشهر من تعيينك نائبًا. مرّ عام.""أعرف.""وأنا أعتقد أن الوقت حان لشيء أكبر من المراجعة."نظر إليها بحذر. "تفضلي.""أريد أن أرشّحك لمنصبي."توقف فادي تمامًا."ريم، أنتِ لم تكملي عامين في هذا المنصب.""أعرف.""ولم يحدث في هذه الشركة أن قدّم مدير استقالته من منصب ناجح ليرشّح غيره.""أعرف هذا أيضًا." قالت. "ولهذا سيكون صعبًا إقناع المجلس، لا إقناعك أنت.""ولماذا تفعلين هذا؟"فكرت ريم في السؤال، لأنها كانت تسأله نفسها منذ أسابيع."لأن القسم يعمل الآن." قالت. "لا يعمل بي، يعمل بذاته. وأنت من صممت نصف الإجراءات التي تجعله كذلك.""وأنتِ إلى أين؟""لا أعرف بعد." قالت بصدق. "وهذا جزء من السبب."استغرق الأمر ثلاثة أسابيع من الاجتماعات.جلست ريم مع وليد ثلاث مرات، وشرحت الفكرة كاملة: نموذج جديد يسمح بانتقال المديرين كل سنتين إلى ثلاث، بدل أن يبقوا في مناصبهم حتى الترقية أو الاستقالة."ريم، هذا يعني أنك تطلبين من الشركة أن تغيّر ثقافتها بأكملها بناءً على تجربتك الشخصية."
قادت ريم ثلاث ساعات في طريق العودة.لم تشغّل الراديو، ولم تتصل بأحد، ولم تتوقف إلا مرة واحدة لتشتري ماءً.كانت تنتظر أن تشعر بشيء: غضب، أو انكسار، أو حتى بكاء في مكان ما على الطريق.لم يأتِ شيء.وحين وصلت إلى مشارف مدينتها في الثامنة مساءً، أدركت أخيرًا ما تشعر به.كانت مرهقة. لا أكثر ولا أقل.وجدت سامر في المطبخ."الأطفال؟""نائمان. جنى قاومت ساعة كاملة لأنها أرادت انتظارك."جلست على الكرسي، وخلعت حذاءها، ولم تخلع معطفها."سامر، أنا لن أستطيع أن أحكي كل شيء الليلة.""لا أحد يطلب.""لكنني سأقول لك جملة واحدة، لأنني إن لم أقلها الآن فسأحملها إلى الفراش.""قولي."نظرت إليه."كريم عرف أنني بريئة بعد أربعة أشهر من الطلاق. لا بعد ثلاث سنوات."توقف سامر عن الحركة تمامًا.جلس أمامها، ولم يقل شيئًا لفترة.ثم قال: "ريم، أنا سأقول شيئًا وأنا أعرف أنه لن يعجبك.""قل.""لو كنت مكانه، ولو فعلت ما فعله، لما استطعت أن أنظر في وجهي مرة أخرى."جلست ريم صامتة."سامر، أنا لم أشعر بشيء في الطريق.""ماذا تعنين؟""قدت ثلاث ساعات، وكنت أنتظر أن أغضب أو أبكي أو أصرخ في السيارة." قالت. "ولم يأتِ شيء. وصلت متع
وصل الاتصال في أيلول، بعد الحفل بشهرين.كانت ريم في السيارة، عائدة من العمل، حين ظهر رقم لا تعرفه."ألو؟""السيدة ريم؟ اسمي ليلى. أنا زوجة كريم."توقفت ريم عن الحديث للحظة، ثم أشارت بالسيارة إلى جانب الطريق."أهلاً ليلى. هل كل شيء بخير؟""لا." قالت المرأة. "كريم في المستشفى منذ أربعة أيام."الحكاية كانت بسيطة وقاسية معًا.أزمة قلبية في السابعة والأربعين، في مكتبه، في الحادية عشرة صباحًا. أنقذه موظف كان معه في الغرفة، واتصل بالإسعاف في الدقيقة الأولى."الأطباء يقولون إنه سينجو." قالت ليلى. "لكنه لن يعود كما كان. قسطرة، وأدوية مدى الحياة، وعمل أقل بكثير.""وكيف حاله الآن؟""مستقر، ويتكلم، ويسأل عن كل شيء إلا صحته." قالت. "وهذا سبب اتصالي.""لا أفهم."صمتت ليلى لحظة."سيدة ريم، أنا أعرف قصتكما. كريم أخبرني بكل شيء قبل أن نتزوج، ولم يخفِ عني حرفًا." قالت. "وأنا لست هنا لأفتح شيئًا قديمًا.""أعرف.""لكنه في اليوم الثاني، وهو تحت تأثير الأدوية، قال جملة لم أفهمها." قالت. "وهو لا يذكر أنه قالها.""ما هي؟""قال: أخبروها أنني لم أستطع أن أخبرها."جلست ريم في سيارتها على جانب الطريق عشرين دقيقة
وُقّع اتفاق لبنى ووائل بعد ثلاثة أسابيع.يومان في الشهر، وثلاث مكالمات أسبوعية، ومراجعة الترتيب بعد ستة أشهر. صاغته هدى في صفحتين، ولم يكن فيه أي شرط جزائي، لأن الطرفين رفضا ذلك."هذه أول مرة أكتب فيها اتفاقًا يرفض الطرفان وضع عقوبات فيه." قالت هدى بعد التوقيع. "وأنا لا أعرف إن كان هذا مطمئنًا أم مقلقًا.""وما رأيك المهني؟" سألت ريم."مهنيًا، الاتفاق ضعيف." قالت. "إنسانيًا، هو أفضل شيء رأيته منذ سنوات."عادت لبنى إلى الدورة الرابعة كمشاركة، لا كحالة.وفي الجلسة الخامسة، تلك التي كانت ريهام قد وصفتها بأنها "تقول للأمهات إن البرنامج ليس لهن"، حدث شيء لم يخطط له أحد.كانت الجلسة عن العمل والاستقلال المادي.رفعت امرأة يدها وقالت: "أنا عندي ثلاثة أطفال ولا أحد يرعاهم، فكيف أبحث عن عمل؟"وقبل أن تجيب ريهام، تكلمت لبنى."هل يمكنني؟"أومأت ريهام."أنا عملت في مطعم أربع ساعات مساءً، ثم في مكتبة ست ساعات صباحًا." قالت لبنى. "وأنا لم يكن عندي أطفال معي، وكان الأمر صعبًا جدًا. فلا أستطيع أن أقول لك إنه ممكن."صمتت القاعة."لكنني أستطيع أن أقول لك شيئًا آخر: أنا أضعت ثمانية أسابيع في هذه القاعة صا
مرّت أربعة أشهر.عاد إيقاع الحياة إلى ما كان عليه تقريبًا: قسم العمليات يعمل بمعدل استقالات سبعة بالمئة، ومشروع سامر بثلاثة موظفين، والبرنامج في دورته الثالثة، وقائمة المحامين وصلت إلى تسعة عشر اسمًا بعد تعديل الشروط.سبع نساء استفدن من القائمة في تلك الأشهر.اثنتان ربحتا الطعن. وواحدة خسرت. وأربع ما زالت ملفاتهن مفتوحة.ولم تصل أي رسالة أخرى من لبنى.كانت ريم قد تعلمت شيئًا في تلك الأشهر: أن تحمل السؤال دون أن تلاحقه.في البداية كانت تفتح البريد العام للمركز كل صباح.ثم صارت مرتين أسبوعيًا.ثم توقفت عن العدّ.لم يكن نسيانًا، بل شيئًا آخر: أنها وضعت الأمر في مكان تستطيع أن تعيش بجانبه.في أحد أيام نيسان، وبينما كانت في اجتماع طويل، وصلتها رسالة من ريهام."سيدتي، حين تنتهين، اتصلي بي. ليس طارئًا. لكن اتصلي."خرجت من الاجتماع بعد أربعين دقيقة، واتصلت من الممر."ريهام؟""سيدتي، هي هنا."توقفت ريم في مكانها."من؟""لبنى. جاءت قبل ساعة ونصف. جالسة في القاعة الصغيرة الآن."قادت ريم إلى المركز في اثنتين وعشرين دقيقة.وقفت عند باب القاعة الصغيرة، وأخذت نفسًا قبل أن تدخل.كانت امرأة تجلس على ا







