Share

2

Author: Emma nova
last update publish date: 2026-11-01 03:25:35

بالنسبة ليوسف، كانت عالية تمثل الفتاة المدللة التي نشأت في رفاهية مفرطة. أما بالنسبة لعالية، فكان يوسف مجرد شاب مغرور، نسخة مصغرة من والده الذي طالما اعتبرته متعجرفًا.

رغم ذلك، كانت الأقدار تنسج خيوطها بخفاء. الاجتماعات العائلية، السهرات المترفة، والمناسبات التي جمعتهم دون رغبتهم، كانت تضعهما في مواجهة غير مباشرة، تثير تساؤلات غير منطوقة.

من الخارج، كان يوسف وعالية يبدوان كأكثر الأطفال حظًا. ثراء، قصور فخمة، خدم يلبّون كل رغباتهم، وسيارات فاخرة. كان الجميع يحسدهم على ما يملكون، لكن خلف هذه الصورة المثالية، كانت حياتهم تحمل أعباءً لا يمكن أن يراها أحد ، أعبائ دمرهتم من الداخل .

نشأ يوسف في منزل يغلي بالصراعات. كان يسمع صوت والديه يتشاجران كل ليلة تقريبًا، صراخ والدته وبردود والده الغاضبة كانت تعصف بالبيت. سيد الكرملي، بسلطته وغروره، لم يكن يتحمل أي خلاف مع زوجته، وكان يعاقب يوسف كلما اشتعلت بينهما مشكلة. كأن الطفل الصغير كان المتنفس الوحيد لغضبه من زوجته .

"لماذا لا تفعل شيئًا صحيحًا؟!" كانت الجملة التي يسمعها يوسف مرارًا، يتبعها صفعة أو عقاب قاسٍ. لكنه كان يتحمل، معتقدًا أن والدته ستكون ملاذه. في أحد المرات استيقظ يوسف على كابوس جديد عندما هربت والدته وتركته طفل صغير مع والده .

في البداية، لم يفهم ما حدث. لماذا غابت والدته فجأة؟ ولماذا لم تأخذه معها؟ بعد أيام من الانتظار، وصلت أوراق الطلاق، وكأنها إعلان رسمي بانتهاء حياة يوسف كما عرفها.

حاول الاتصال بها مرارًا، وكانت تتوسّل إليه أن يعيد إليها إبنها. لكنه بعدها أفلتت الحبل الذي كان يخنقها بها طلقها، لم تستطع النظر إلى الوراء. "لن أعود"، كانت كلماتها الحاسمة، تاركة يوسف يواجه مصيره وحده.

زاد سيد الكرملي قسوته بعد رحيلها، واعتبر ابنه السبب وراء كل شيء. يوسف كان يتحمل بصمت، يخفي آثار الضرب على جسده، ويبتسم بخفوت أمام العالم، لكنه بداخله كان يغلي، يكره الجميع، خصوصًا والدته التي كان يجب ان تكون أقرب شخص له ثم تخلت عنه.

في المنزل المجاور، لم تكن حياة عالية أفضل حالًا. صحيح أن والديها لم يتشاجرا أمامها، لكنهما لم يكونا موجودين لترهما في حياتها من الأساس. كانت تقضي معظم أوقاتها وحيدة في القصر الكبير، تتنقل بين غرف دون أن تجد أحدًا يملأ فراغها.

في أحد الأعياد، حين كان الجميع يحتفلون، أرادت أن تدخل غرفة والديها لتبحث عن هدية مخبأة. لكنها سمعت أصوات ضحكات متعالية. كانت تلك ضحكة والدها، لكنه لم يكن وحده. تسللت نحو الباب، وبحذر فتحت فتحة صغيرة. رأت والدها يجلس على السرير مع امرأة غريبة، يضحك ويهمس لها بكلمات لم تسمع والدها يقولها سابقا.

كان المشهد صادمًا. شعرت بالاشمئزاز والخوف. هل تخبر والدتها؟ هل تصمت؟ ظلت في دوامة التفكير لأيام، حتى جاءتها الصدمة الثانية.

بينما كانت تتجول في الحديقة، رأت والدتها جالسة في سيارة مع رجل آخر. كانا يتبادلان الحديث ثم القبلة، كأن العالم من حولهما غير موجود ، والدها كانا يمثلان على جميع ، وهي فقط أحد الاشخاص الذين يكملون مسرحيتهم بها ، ربما أصبح بعض الفهم لما والدها ليس بالمنزل معها وهي وحيدة لان كل منهما لديه حياته الخاصة والمهمة له اما هي فقط زينة اما الناس

عادت عالية إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها، مصدومة. كل شيء كان مزيفًا. الثراء، الرفاهية، الابتسامات العائلية، كلها مجرد قناع يخفي خيانة متبادلة وبرودًا عاطفيًا لا حدود له.

رغم كل تلك الفوضى في حياتهما، كان يوسف وعالية يضطران إلى حضور التجمعات العائلية. في إحدى تلك الليالي، اجتمعت العائلتان في قصر الكرملي لان سيد كرملي كان دائما لديه عشيقة امام إبنه تتبدل بعد كل أشهر ، كما لو أن كل شيء مثالي. الرجال كانوا يتحدثون عن الأعمال والنفوذ، والنساء يتبادلن الحديث عن الموضة والسفر.

كان يوسف يجلس في زاوية الصالة، يتأمل وجه والده الصارم وابتسامته المصطنعة. كان يعرف أن هذا الوجه الذي يراه الجميع ليس سوى قناع يخفي خلفه رجلًا يعاني من الغضب.

على الجانب الآخر، جلست عالية صامتة بجوار والدتها التي كانت تتحدث بسلاسة مع سيد الكرملي. نظرت إليها بإمعان، ثم إلى والدها الذي كان منشغلًا بالحديث مع إحدى السيدات. لم تكن تفهم كيف يمكن لكل هذا التظاهر أن يستمر، كيف يمكنهم التصرف وكأن شيئًا لم يحدث؟

كانت أعين يوسف وعالية تلتقيان بين الحين والآخر مع انهما طفلين كانا يفهم ان كل شيئ، لكنهما لم يتبادلا كلمة. لم يكن هناك حاجة لذلك كان الصمت كافيًا ليحمل كل ما في داخلهما من وجع وأسرار دفينة.

في المدرسة الإعدادية، كان الجميع يكتشفون أنفسهم وميولهم، وكان كل طالب يغوص في هوايته الخاصة، لكن عالية كانت تختلف. كانت تفضل العزلة، وتغلق على نفسها في صالة الرسم، حيث تجد نفسها في عوالم أخرى، تلك التي لا يراها الناس. كانت تمسك بالألوان وتمزجها ونرسم خيوط ، لكن لوحاتها دائمًا ما كانت تزينها ألوان داكنة، خاصة اللون الأسود الذي كان يغطي خلفيات معظم رسوماتها، مما جعلها تشعر وكأنها تفرغ كل ما في قلبها على تلك اللوحات.

كانت تحاول الهروب من عالمها المزيف الذي كان مليئًا بالخداع، إلى مكانٍ يمكنها فيه أن تكون هي نفسها. لكن في كل مرة كانت تتعمق في هذا العالم، كان هناك شخص ما يقطع عليها هذا الهدوء.

دخل أحد الأساتذة فجأة إلى صالة الرسم، محاولًا جذب انتباه عاليه لانها كانت وحدها في صالة وهو يحاول إقفالها اقترب منها، وأخذ يناديها بصوت مرتفع:

ـ "عالية، ماذا تفعل

ين مجددًا هنا؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سام... لكن جميل   7

    رصدته أخيرًا مع زوجين كان يتبادل معهما الحديث والضحك. اقتربت بخطوات مترددة، وحين لمحها والدها، أشار إليها بابتسامة عريضة وقال للزوجين:ـ هذه ابنتي عالية. لا أعرف حقًا كيف كبرت بهذه السرعة! تبدين جميلة يا ابنتي.شعرت عالية بالخجل واحمر وجهها، لكنها ابتسمت بخفة وقالت بصوت خافت:ـ هل يمكنني أن أتكلم معك يا أبي؟نظر إليها والدها نظرة سريعة، ثم عاد إلى حديثه مع الزوجين وقال:ـ عندما تنتهي الحفلة يا ابنتي، سنتحدث.ثم التفت إلى أصدقائه بابتسامة وقال ممازحًا:ـ من الواضح أنها تريد مني شراء أدوات رسم جديدة. ابنتي دائمًا مشغولة بالرسم!أخرج بطاقته الائتمانية من جيبه ومدها إليها قائلًا:ـ خذيها واشتري ما تحتاجين، يا عزيزتي.تناولت البطاقة منه دون أن تقول شيئًا، ثم غادرت الصالة بخطوات ثقيلة. شعرت بشيء من الإحباط، لكنها أخفت ذلك خلف وجهها الهادئ، متجهة إلى غرفتها لتجد بعض الراحة بعيدًا عن صخب الحفل.بعدما غادرت عالية الحفل ببطء، كانت خطواتها ثقيلة كأنها تحمل جبلًا من الحزن. وقبل أن تصل إلى غرفتها، توقفت عند باب الحمام. كانت تعابير وجهها مليئة بالتوتر والقلق. نظرت إلى العلبة الصغيرة المعلقة على الح

  • سام... لكن جميل   6

    شعرت عالية بأن السؤال أثار قلقها، لكنها أجابت بحذر :ـ لا .. يوسف يظل صامتًا دائمًا لا نتحدث كثيرًا.أخذت المديرة نفسًا عميقًا، وكأنها تفكر في الأمر، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا:ـ حسنًا، يمكنك الذهاب الآن. لكن تذكري، لا أريد أن أراك تتغيبين مرة أخرى.أومأت عالية مرة أخرى وخرجت من المكتب بسرعة، تشعر بضغط شديد بعد تلك المحادثة.عالية عادت إلى المنزل بخطوات بطيئة، تحمل بداخلها توترًا لا ينفك يرافقها منذ خروجها من مكتب المديرة. دخلت المنزل ووجدته هادئًا بشكل غير طبيعي. الخادمة كانت منشغلة في المطبخ، ولم يكن أي من والديها. وضعت حقيبتها جانبًا وجلست على الأريكة، تحاول استيعاب ما حدث.أخذت نفسًا عميقًا، لكنها لم تستطع التخلص من شعور الانزعاج. كلمات المديرة ظلت تتردد في ذهنها، خاصة سؤالها عن عائلة الكرملي. لماذا كانت المديرة مهتمة بمعرفة تفاصيل عن يوسف؟ ولماذا شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي يدور في الكواليس؟بعد دقائق، قررت الصعود إلى غرفتها لتفكر بوضوح. أغلقت الباب خلفها وأخرجت دفتر الرسم الخاص بها. جلست على سريرها وبدأت ترسم خطوطًا عشوائية، كما لو كانت تحاول أن تفرغ ما بداخلها على الورق. لكنها

  • سام... لكن جميل   5

    ثم أضافت، وهي تحاول تهدئة الموقف بشكل دبلوماسي:ـ "ولكنني أعتذر إن كنت قد أزعجتك، لا نريد أن يكون أي من الطلاب في وضع مزعج أو يشعر بأي ظلم. سنحاول إيجاد حل مناسب."كانت كلمات المديرة مثل إغلاق باب القضية مؤقتًا، لكنها في نفس الوقت تواصل معركتها الداخلية لفهم ما يحدث مع يوسف وسلوكه العدواني. مع ذلك، كان واضحًا أن الوضع برمته قد أصبح أكثر تعقيدًا من أن تحله كلمة واحدة.بينما كان سيد الكرملي يستعد للرحيل، اكتفت المديرة بالصمت، رغم أنه لم يكن الحل الأمثل بالنسبة لها، لكنه كان الحل المؤقت لتجنب الصراع المباشر معه.عند خروج سيد الكرملي من مكتب المديرة ، رمق عالية بنظرة ساخرة وقال بصوت مليء بالاستهزاء:ـ مرحبًا أيتها الشقية، كنت أظن أن ابني الوحيد الذي يمر بمراهقة سيئة.أجابت عالية بلطف مصطنع وهي تخفض رأسها قليلاً:ـ مرحبًا سيد الكرملي.لم يعطها المزيد من الاهتمام، بل دهب بخطوات سريعة. بعد لحظات، خرج ومعه يوسف الذي تبع والده بصمت. صعدا إلى السيارة، وأطلق سيد الكرملي صوت الموسيقى عاليًا بينما السيارة تنطلق بسرعة، تاركًا خلفه أجواء من التوتر التي لم تفارق عالية.حاولت عالية تجاهل ما حدث، لكنها

  • سام... لكن جميل   4

    في تلك اللحظة، فتح الباب فجأة، ليظهر والد يوسف في المدخل. كان يبدو غاضبًا للغاية، وقد أتى ليأخذ ابنه. نظر إلى يوسف بقلق، ثم توجه بنظره إلى عالية وإبتسم بسخرية على موقفها . كان الجو متوترًا أكثر من أي وقت مضى، كما لو أن الأمور تتراكم بسرعة أكبر من أن تتحملها قلوبهم المرهقة.المديرة كانت تنتظر خلف مكتبها، تحاول استيعاب كل ما يحدث وتفادي تفاقم الأمور بين الطلاب. كان واضحًا أن كل واحد منهم يحمل عبئًا خاصًا به، دخل كل من يوسف ووالده، سيد الكرملي، إلى مكتب المديرة. كان سيد الكرملي، كعادته، يتصرف بغرور ونرجسية، وكأن كل شيء في هذا العالم يدور حوله وحول سمعته العائلية. كان وجهه عابسًا، وعيناه مليئتان بالاستفزاز والتعالي.فور دخولهم، تحدث بصوت عميق متهدج، كما لو أنه لا يقبل أي شكل من أشكال التفسير أو الاعتذار:ـ " ماذا حدث هنا ؟ "نظر إلى ابنه يوسف، الذي كان يلتزم الصمت، وأردف بلهجة استعلائية:ـ "انظر إلى حالك، تبدو كأنك متسول! هل هذا هو الشكل الذي تريده أن تظهر به؟"تجمدت المديرة في مكانها من كلام الاب لإبنه ، وأعطت سيد الكرملي نظرة مستغربة من طريقة كلامه. ثم قالت بحذر:ـ "أنا على علم بأن ابنك

  • سام... لكن جميل   3

    على الجانب الآخر، جلست عالية صامتة بجوار والدتها التي كانت تتحدث بسلاسة مع سيد الكرملي. نظرت إليها بإمعان، ثم إلى والدها الذي كان منشغلًا بالحديث مع إحدى السيدات. لم تكن تفهم كيف يمكن لكل هذا التظاهر أن يستمر، كيف يمكنهم التصرف وكأن شيئًا لم يحدث؟كانت أعين يوسف وعالية تلتقيان بين الحين والآخر مع انهما طفلين كانا يفهم ان كل شيئ، لكنهما لم يتبادلا كلمة. لم يكن هناك حاجة لذلك كان الصمت كافيًا ليحمل كل ما في داخلهما من وجع وأسرار دفينة.في المدرسة الإعدادية، كان الجميع يكتشفون أنفسهم وميولهم، وكان كل طالب يغوص في هوايته الخاصة، لكن عالية كانت تختلف. كانت تفضل العزلة، وتغلق على نفسها في صالة الرسم، حيث تجد نفسها في عوالم أخرى، تلك التي لا يراها الناس. كانت تمسك بالألوان وتمزجها ونرسم خيوط ، لكن لوحاتها دائمًا ما كانت تزينها ألوان داكنة، خاصة اللون الأسود الذي كان يغطي خلفيات معظم رسوماتها، مما جعلها تشعر وكأنها تفرغ كل ما في قلبها على تلك اللوحات.كانت تحاول الهروب من عالمها المزيف الذي كان مليئًا بالخداع، إلى مكانٍ يمكنها فيه أن تكون هي نفسها. لكن في كل مرة كانت تتعمق في هذا العالم، كان

  • سام... لكن جميل   2

    بالنسبة ليوسف، كانت عالية تمثل الفتاة المدللة التي نشأت في رفاهية مفرطة. أما بالنسبة لعالية، فكان يوسف مجرد شاب مغرور، نسخة مصغرة من والده الذي طالما اعتبرته متعجرفًا.رغم ذلك، كانت الأقدار تنسج خيوطها بخفاء. الاجتماعات العائلية، السهرات المترفة، والمناسبات التي جمعتهم دون رغبتهم، كانت تضعهما في مواجهة غير مباشرة، تثير تساؤلات غير منطوقة.من الخارج، كان يوسف وعالية يبدوان كأكثر الأطفال حظًا. ثراء، قصور فخمة، خدم يلبّون كل رغباتهم، وسيارات فاخرة. كان الجميع يحسدهم على ما يملكون، لكن خلف هذه الصورة المثالية، كانت حياتهم تحمل أعباءً لا يمكن أن يراها أحد ، أعبائ دمرهتم من الداخل .نشأ يوسف في منزل يغلي بالصراعات. كان يسمع صوت والديه يتشاجران كل ليلة تقريبًا، صراخ والدته وبردود والده الغاضبة كانت تعصف بالبيت. سيد الكرملي، بسلطته وغروره، لم يكن يتحمل أي خلاف مع زوجته، وكان يعاقب يوسف كلما اشتعلت بينهما مشكلة. كأن الطفل الصغير كان المتنفس الوحيد لغضبه من زوجته ."لماذا لا تفعل شيئًا صحيحًا؟!" كانت الجملة التي يسمعها يوسف مرارًا، يتبعها صفعة أو عقاب قاسٍ. لكنه كان يتحمل، معتقدًا أن والدته ستك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status