Masuk395كانت سارة تقود سيارتها بسرعة واضحة، بينما كانت أصابعها تقبض على عجلة القيادة بعنف، والغضب يزداد داخلها كلما تذكرت ما عرفته قبل دقائق. لم تكن تستطيع استيعاب أن سيلا هي من دفعتها من أعلى السلم، وأن سقوطها لم يتسبب في فقدان جنينها فحسب، بل حرمها من طفل كانت تنتظره منذ أشهر... كانت تسجيلات كاميرات المراقبة قد اختفت في البداية، وكأن أحدا تعمد محوها حتى لا تترك الحادثة أي دليل، لكن سارة لم تتوقف عند ذلك. احتاجت إلى وقت طويل، وبعض المحاولات التي كادت تجعلها تفقد الأمل، حتى تمكنت في النهاية من استعادة التسجيلات المحذوفة، ورأت فيها ما أكد شكوكها... سيلا هي من دفعتها.والأسوأ من ذلك أنها عرفت مكانها... كانت موجودة الأن في شركة داميان... ضغطت سارة على دواسة الوقود أكثر، حتى توقفت السيارة أمام الشركة بعد دقائق، ثم نزلت منها وأغلقت الباب خلفها بعنف، قبل أن تدخل إلى المبنى بخطوات سريعة لم يحاول أحد إيقافها أمامها. صعدت مباشرة إلى مكتب داميان، وما إن وصلت إلى الباب حتى فتحته دون أن تطرق، لتتوقف عيناها فورا عند سيلا الجالسة أمام المكتب. لم تمنحها فرصة حتى لرفع رأسها. اقتربت منها سارة بغضب، ثم رفع
394ظل ليث يحدق في الأوراق لثوانٍ طويلة، بينما كنت أراقب ملامحه بحذر، محاوِلة أن أعرف إن كان قد أدرك حقيقة ما كُتب فيها أم أن الصدمة جعلته عاجزا عن استيعاب الكلمات، إلا أنه لم يسأل الطبيبة عن شيء، ولم يظهر أمامها أي انفعال، بل رفع عينيه إليها بهدوء وقال:ــ حسنا، اتركي الأوراق هنا، وسأوقع عليها.ابتسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة، ثم وضعت الأوراق والقلم على الطاولة القريبة من السرير: ــ بالطبع، لكن اقرأها جيدا قبل أن توقع.ــ سأفعل.أومأت له، ثم التفتت إليّ للحظة، قبل أن تقول:ــ أتمنى أن تكون قد أصبحت أفضل الآن يا سيد ليث.ــ شكرا لك.غادرت الطبيبة الغرفة بعد ذلك، وأُغلق الباب خلفها بهدوء، فشعرت بأن الهواء في المكان أصبح أثقل فجأة، بينما بقي ليث صامتا للحظات، وعيناه معلقتان بالباب الذي خرجت منه... كنت أنتظر أن يلتفت إليّ، وأن يسألني عما قرأه، وربما كنت أتمنى في تلك اللحظة أن يفعل أي شيء سوى ذلك الهدوء الذي لم أستطع فهمه، لكنه فاجأني عندما التفت إلى ليان وكايل، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وكأن شيئا لم يحدث: ــ ليان، كايل.التفت الاثنان إليه في الوقت نفسه: ــ نعم؟قالها كايل بحماس، بين
393ما إن وصلت إلى الباب وفتحته حتى توقفت في مكاني، فقد وجدت ليان وكايل أمامي مباشرة، لكنهما لم يكونا في حالة تسمح لأيٍّ منهما بالاقتراب من الغرفة، إذ كان كل واحد منهما يمسك بشعر الآخر بيد، بينما يحاول دفعه باليد الأخرى، وكأنهما نسيا تمامًا أن هذا المكان مستشفى وليس ساحة لمعركة شخصية بينهما: ــ اترك شعري يا كايلــ اتركي شعري أولاــ أنت الذي بدأتــ لأنك أخذت وردتيــ كانت وردتي أناــ كانت على الأرض، ومن يجدها أولًا تصبح لهتوقفت للحظة وأنا أنظر إليهما، غير قادرة على استيعاب كيف تحولت وردة صغيرة إلى سبب لحرب كاملة، بينما كان كل واحد منهما يشد شعر الآخر أكثر كلما ارتفع صوت الثاني، حتى إن ليان حاولت دفع كايل بعيدا، لكنه تمسك بها كي لا يسقط، فانزلقت قدمها وسحبته معها، ولم تمضِ سوى لحظات حتى سقط الاثنان على الأرض معا.. رفعت يدي إلى فمي وأنا أحاول كتم ضحكتي، لكنهما لم يهتما حتى بسقوطهما، فقد أسرعت ليان إلى دفع كايل بعيدا عنها وهي تقول بغضب:ــ ابتعد عنيــ أنتِ التي سحبتِنيــ لأنك كنت تمسك شعريــ وأنتِ كنت تمسكين شعريــ لأنك بدأت أولاــ لا، أنتِنظرت إليهما بدهشة، ثم قلت وأنا أحاول
392ما إن انتهت صوفيا من كلامها حتى عادت لاحتضان ليث مرة أخرى، وكأنها لم تكتفِ باللحظات السابقة، لكنني هذه المرة لم أستطع أن أظل جالسة أراقبهما، خصوصا أنني كنت أرى التعب واضحا على وجهه، فاقتربت منها وأبعدتها عنه بهدوء قبل أن أقول وأنا أنظر إليها بجدية:ــ صوفيا، ليث ما زال مريضا ومصابا، لا يمكنك أن تضغطي عليه بهذا الشكل.وهنا التفتت إليّ صوفيا ببطء، ظلت تنظر إليّ للحظات وكأنها لم تتوقع أن أتدخل، ثم انتقلت عيناها إلى يدي التي أبعدتها عنها، وعادت لترفعهما نحوي وهي تقول بنبرة غاضبة:ــ وأنتِ... ما زلتِ هنا لماذا؟ اذهبي يا ملاك، لم يعد لكِ مكان هنا.وللحظه شعرت بوخزة في صدري، لكنني لم أجد فرصة حتى للرد عليها، لأن ليث تدخل في اللحظة نفسها بصوته المتعب، قائلا:ــ صوفيا، اهدئي.التفتت إليه بسرعة، وكأنها كانت تنتظر منه أن يقف إلى جانبها، وقالت بانفعال:ــ لكنها...قاطعها ليث بهدوء وهو ينظر إليها:ــ ألم تنسي اتفاقنا؟وما إن قالها حتى تغير وجه صوفيا، وكأن كلماته أعادتها إلى شيء كانت تحاول تجاهله، بينما بقيت أنا أنظر إليهما بحيرة، غير قادرة على فهم ما الذي يعنيه بالاتفاق، ولم أستطع أن أسأل لأن
391لم أستطع أن أترك ليث منذ أن استيقظ بالأمس، فبعد أن فحصه الطبيب واطمأن إلى استقرار حالته، أخبرني أن استيقاظه بعد هذه الفترة الطويلة أمر مطمئن، لكنه لا يعني أن جسده أصبح قادرا على تحمل أي مجهود، ولذلك طلب منه أن يبقى هادئا وألا يتحدث كثيرا، خصوصا أن جسده ما زال في حاجة إلى وقت حتى يستعيد قوته بالكامل... ولم يمض وقت طويل على مغادرة الطبيب حتى عاد الإرهاق يسيطر على ليث من جديد، فأغمض عينيه واستسلم للنوم دون أن يقول شئ، ظللت إلى جواره أراقب تنفسه وأتأكد بين لحظة وأخرى من أنه بخير، وكأنني لم أعد أملك القدرة على إبعاد عيني عنه بعد كل ما مررت به طوال الأيام الماضية. لم أفكر حتى في العودة إلى المنزل، ولم أحتاج إلى أن يقنعني أحد بالبقاء، فقد كان مجرد وجودي إلى جواره يمنحني شعورا بالأمان لم أكن أعرف أنني أحتاج إليه بهذا القدر، ولهذا اكتفيت بالجلوس على الأريكة الموجودة في الغرفة، أراقبه بين الحين والآخر، حتى غلبني النعاس دون أن أشعر... لم يكن نومي عميقا، فقد بقي جزء مني مستيقظا طوال الوقت، وكأنني كنت أخشى أن أغفو تماما فأفقد أي تغيير قد يحدث له، ولهذا ما إن سمعت صوتا ضعيفًا يناديني حتى فتحت ع
390اندفع يزن إلى الداخل بعدما دفع الباب بعنف، ثم أغلقه خلفه بسرعة، قبل أن يلتفت إليها وعيناه تشتعلان بالغضب والقلق في الوقت نفسه.: ــ ماذا كان يفعل ذلك الحقير فيكتور هنا؟لم تجبه ميرا.. ظلت في مكانها تحدق فيه بصمت، بينما أخذت كلمات فيكتور تتردد داخل رأسها من جديد، وكأنها تسمع تهديده للمرة الأولى. شعرت بالخوف يتسلل إلى أطرافها، ولم تستطع منع ذاكرتها من العودة إلى خطئها القديم، إلى اليوم الذي أخفت فيه عن يزن الحقيقة، حين عرف أنها أخت ريم ولم تخبره... كانت قد ظنت وقتها أن إخفاء الأمر سيحمي الجميع، لكنها لم تفعل سوى أن فتحت بابا من الألم لم يغلق حتى الآن، وما زالت تدفع ثمن ذلك الخطأ حتى هذه اللحظة. نظرت إلى يزن، وشعرت بعجز مؤلم يضغط على صدرها... لا... هذه المرة لا يمكنها أن تخفي عنه شيئا.. لن تسمح لنفسها بأن ترتكب الخطأ نفسه مرة أخرى. لكنها ظلت صامتة للحظات، عاجزة عن إخراج الكلمات، وهو ما جعل غضب يزن يزداد: ــ ميراانتفضت من نبرته، بينما اقترب منها خطوة أخرى وقال بصوت أعلى:ــ أنا أحدثك... لماذا أنتِ صامتة؟وحين لم تجبه فورا، أمسك بيدها بعصبية، فارتجفت من الألم وسحبت نفسا متقطعا، ثم رف







