تسجيل الدخولفي الصباح داخل المكتب الفاخر، كان الهدوء يفرض هيبته على المكان، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة وهي تزحف ببطء. جلس داميان موريل خلف مكتبه الأسود، متكئا إلى الخلف بكل هدوء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة يصعب فهمها. أمامه كانت عشرات الصور مبعثرة فوق سطح المكتب..... صورٌ لملاك...وصورٌ لطفلتها ليان...وصورٌ لسارة...وأخرى لآدم الكيلاني... مدّ يده ببطء، والتقط صورة ملاك، ثم أخذ يتأمل ملامحها بصمت طويل، وكأنه يبحث عن شيءٍ خفي بين تفاصيل وجهها. وبعد لحظات، ابتسم ابتسامة جانبية وقال بهدوء:جميلة... ملامح بريئة... هادئة... لا تشبه هذا العالم القذر الذي ابتلعها... لا تشبه عالم الدم الذي يعيش فيه الدون كاستيللو.ظل مساعده واقفا أمامه بصمت، قبل أن يسأله باحترام:ــ هل تعتقد حقا أن الدون كاستيللو يهتم بها؟رفع داميان عينيه إليه، ثم أطلق ضحكة ساخرة قصيرة: ــ وهل ما زلت تبحث عن دليل؟قطب المساعد حاجبيه وقال:ــ لكن تقاريرنا تؤكد أنه يحتجزها، ويعاملها بمنتهى القسوة، حتى إنه لا يتردد في إذلالها.اتسعت ابتسامة داميان، وهز رأسه ببطء: ــ لأنك تنظر إلى ما يفعله... ولا تنظر إلى السبب الذي يدفعه ل
وفي المساء خلف جدران الغرفة المظلمة، كانت ملاك تجلس منكمشةً على نفسها في إحدى الزوايا، تدفن رأسها بين ركبتيها وتضم ذراعيها حول جسدها المنهك الذي كان يرتجف بعنف. كانت كل دقةٍ تمر من عقارب الساعة تتردد داخل صدرها كقرع طبولٍ مرعب، حتى مزق ذلك الصمت صوت مقبض الباب وهو يُدار ببطء.... دخل ليث. سبقت هيبته الطاغية وبروده المعتاد خطواته الواثقة، ثم أُغلق الباب خلفه بقوة، ليبدو وكأنه السجّان الذي جاء ليتفقد أسيرته... لم تتردد ملاك للحظة. اندفعت نحوه بخطوات متعثرة، بينما كان جسدها يترنح من شدة الإرهاق، حتى هوت أمامه، وتشبثت بقبضتيها المرتجفتين بطرف ثوبه، وانفجر صوتها بالبكاء وهي تقول:ــ ليث... أرجوك، أخرجني من هنا... أنا بريئة، أقسم لك أنني لم أفعل شيئًا!لم تبدُ عليه أي علامة تأثر. ظل واقفا كتمثالٍ من صخر، لا يتزحزح قيد أنملة. وفجأة، امتدت يده القوية، وقبض على ذقنها بقسوة، رافعا وجهها إليه عنوةً، لتلتقي عيناها الغارقتان بالدموع بعينيه اللتين كانتا تمسحان ملامحها بنظراتٍ حادة كأنها تخترق أعماقها.... اشتد فكّه، والتوت شفتاه بابتسامة ساخرة مريرة، قبل أن يقول بصوتٍ خفيض يقطر احتقارا:ــ كيف كنت مخ
كانت الظلمة تبتلع كل شيء. غرفة ضيقة... لا نافذة فيها، ولا خيط ضوء واحد يتسلل إلى داخلها.... حيث جلست ملاك في أحد الأركان، تضم ركبتيها إلى صدرها، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بعنف. ارتجف جسدها كله، وراحت عيناها تتحركان في الفراغ المظلم بجنون، وكأنها تحاول رؤية شيء... أي شيء. كانت تكره الظلام... بل كانت ترتعب منه.... مدّت يدها المرتجفة تتحسس الجدار، ثم نهضت بصعوبة واتجهت نحو الباب، وبدأت تضربه بكفيها: ــ أرجوكم... افتحوا الباب...أرجوكم... إنني أخشى الظلام... افتحوا البابلم يكن هناك سوى الصمت. انزلقت بظهرها على الباب حتى جلست أرضا، وانهمرت دموعها بلا توقف، وهي تتمتم بصوت مرتجف:ــ أنا لم أفعل شيئا... أقسم .. لم أفعل شيئًا...وفجأة... صدر صوت المفتاح وهو يدور داخل القفل... تجمد جسدها... وانفتح الباب ببطء، ليتسلل ضوء الممر إلى الداخل... رفعت رأسها بسرعة، وما إن رأت يزن حتى نهضت مسرعة، وكادت تتعثر من شدة ارتباكها. أمسكت بذراعه بكلتا يديها وهي تبكي: ــ يزن... أرجوك، صدقني... أنا لم أضع شيئًا في الكعكة... أقسم لك أنني بريئة.نظر إليها يزن بملامح جامدة، بينما كانت عيناه تمتلئان بالغضب. أبعد يد
مرّت ساعات قليلة، وتحول القصر إلى لوحة من الفخامة والأضواء.ازدانت القاعة الرئيسية بالورود البيضاء والثريات الكريستالية، وانتشرت الطاولات المزينة بأفخم الأطعمة والحلويات، بينما كان الخدم يتحركون في كل اتجاه استعدادًا لبدء الحفل.داخل المطبخ...وقفت ملاك أمام الطاولة الخشبية، تتأمل كعكة التفاح التي انتهت لتوها من تزيينها بعناية. أطلقت زفرة خفيفة، ثم همست لنفسها:ــ انتهيت...في تلك اللحظة، اقتربت أمينة منها، وألقت نظرة على الكعكة قبل أن تبتسم برضا: ــ أحسنتِ... إنها تبدو رائعة... هيا، خذيها إلى القاعةأومأت ملاك بصمت، وحملت الكعكة بحذر بين يديها، ثم خرجت من المطبخ. وما إن وطئت قدماها القاعة...حتى توقفت للحظة. كانت الأضواء تنعكس على الثريات الكريستالية، والموسيقى الهادئة تملأ المكان، والضيوف يتبادلون الأحاديث بابتساماتٍ راقية. ثم وقعت عيناها على أميرة. كانت ترتدي فستانا أبيض طويلًا مرصعا بالأحجار اللامعة، ينسدل حولها بأناقة جعلها تبدو كالأميرات، بينما زُين شعرها بتسريحةٍ ناعمة زادت من جمالها. أما ليث...فكان يقف إلى جوارها ببدلته السوداء الأنيقة، بهيبته المعتادة ونظرته الباردة، يستقبل ال
مرّ أسبوعٌ كامل...سبعة أيامٍ مضت، ولم ترَ ملاك ليث ولو لمرة واحدة. كان السائق يأتي بها إلى الشركة كل صباح، ثم يعيدها إلى القصر مع حلول المساء، دون أي تغيير في الروتين. أما ليث... فلم يحضر إلى الشركة طوال ذلك الأسبوع. بدأت ملاك تعتاد العمل شيئا فشيئا، وحفظت أسماء معظم الموظفين، حتى إن الجميع أصبح يعاملها بودّ واحترام. لكن شيئا واحدا لم يتغير... قلقها. كانت تستيقظ كل يوم، وتنام كل ليلة، وقلبها معلق بابنتها. لم تكن تعرف أين أصبحت...ولا كيف حالها... ولا إن كانت قد سألت عنها.---كانت منهمكة في مراجعة بعض الملفات، حين طرقت ريم الباب بخفة، ثم دخلت وهي تحمل ملفا أزرق. ابتسمت وهي تمده إليها: ــ ملاك... هل يمكنكِ إيصال هذا الملف إلى مكتب السيد ليث ؟أخذت الملف بصمت. وبعد دقائق وقفت أمام باب مكتب ليث. ظلت تحدق فيه للحظات. ثم زفرت ببطء، وأدارت المقبض، ودخلت مباشرة، بعدما اعتادت أن يكون المكتب خاليا طوال الأيام الماضية. لكن... ما إن رفعت بصرها... حتى توقفت في مكانها. كان ليث يجلس خلف مكتبه بهدوئه المعتاد. أما أميرة... فكانت تجلس فوق ساقيه، بينما كانت تضحك وهي تعبث بأزرار قميصه، وقد مالت نحوه في
حلَّ الليل، في قصر نوال وغرقت اروقته في هدوء لا يقطعه سوى وقع خطوات الحراس وهم يقتادون امرأة تجاوزت أواخر الأربعينيات من عمرها عبر الممرات الطويلة. كانت ملامحها شاحبة، وأنفاسها متسارعة، بينما راحت عيناها تجولان في المكان بخوفٍ واضح، حتى توقفتا عند باب ضخم فُتح أمامها ببطء. دفعها أحد الحراس إلى الداخل، ثم انحنى باحترام: ــ سيدتي... أحضرناها.كانت نوال تجلس على الأريكة بكل هدوء، ترتشف قهوتها ببطء، رفعت عينيها إليها، ثم أشارت للحراس.: ــ اخرجوا.انحنى الجميع وغادروا، وأُغلق الباب خلفهم، لتجد الطبيبة نفسها وحدها مع نوال. ساد صمتٌ ثقيل. ثم وضعت نوال فنجان القهوة على الطاولة، وقالت بابتسامة باهتة:ــ مرّ وقت طويل... أليس كذلك ايتها الطبيبه ؟ابتلعت المرأة ريقها بصعوبة، وأومأت برأسها: ــ نعم... سيدتي.ظلت نوال تحدق فيها لثوانٍ طويلة، قبل أن تشير إلى المقعد المقابل لها: ــ اجلسي.جلست الطبيبة ببطء، بينما كانت يداها ترتجفان فوق حجرها. قالت نوال بهدوءٍ مخيف:ــ لا داعي لكل هذا الخوف... إن كنتِ ما زلتِ تحفظين أسراري.شعرت الطبيبة بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. ثم أردفت نوال، وهي تنظر إليها نظ







