ログイン458كان الليل قد انتصف منذ ساعات، وقصر كاستيللو غارقا في هدوء ثقيل لم أستطع الشعور بالراحة داخله. جلست في غرفتي فوق السرير، وعيناي معلقتان بالساعة بين الحين والآخر، بينما كان القلق يزداد داخلي كلما مر الوقت. منذ أن عدنا من قصر مونتيرو، اختفى ليث وريان ويزن، ولم أعرف إلى أين ذهبوا أو ما الذي حدث بعد أن همس ريان في أذن ليث قبل مغادرتنا. حاولت طوال الساعات الماضية أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يستحق كل هذا القلق، لكنني لم أستطع تجاهل ذلك التغير المفاجئ الذي ظهر على وجه ليث في تلك اللحظة، وكأن الكلمات التي سمعها كانت كافية لقلب كل شيء في داخله. حتى عندما اتصلت بسارة وسألتها عن داميان، أخبرتني أنه غادر منذ ساعات أيضا، وأنها لا تعرف إلى أين ذهب، وهو ما جعل القلق في داخلي يتحول إلى خوف حقيقي. ماذا يحدث؟ ولماذا خرج الجميع في الوقت نفسه دون أن يخبرني أحد بأي شيء؟ بقيت أحدق في هاتفي للحظات، ثم وضعته إلى جواري وأنا أتنهد بتعب، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أغمض عيني من شدة الإرهاق، حتى غلبني النوم دون أن أدرك ذلك. .. لكنني استيقظت بعد وقت لم أعرف مدته على صوت حركة بالقرب من الباب، ففتحت عيني ببطء، ورأيت
457ما إن وقعت عيناي على ما حدث حتي رأيت أمرأة تقف أمامنا شعرت بجسدي ينتفض دون إرادة مني، فقد كانت نظراتها الغاضبة موجهة نحوي مباشرة، وكأن وجودي أمامها كان أمرا غير مقبول بالنسبة إليها.كانت في منتصف الخمسينات من عمرها تقريبا تقف بالقرب من مائدة الطعام وملامحها متجمدة في غضب واضح، بينما كانت تحدق بي بطريقة جعلتني أشعر بالتوتر رغم أنني لم أفعل شيئا. لم أفهم من تكون، ولا سبب نظراتها تلك، لكنني لم أحتاج إلى الانتظار طويلا حتى أجاب إلياس عن السؤال الذي دار في ذهني: ــ عمتي أليانا قالها بصوت بدا عليه التوتر، فانتقلت عيناي إليه للحظة، ثم عدت للنظر إلى المرأة... عمته... إذا هذه المرأة هي عمة إلياس، وهذا يعني أنها عمتي أنا أيضا.... لم أعرف ماذا أشعر في تلك اللحظة، فحتى الآن ما زلت أحاول استيعاب حقيقة أن لي عائلة لم أعرف عنها شيئا طوال سنوات حياتي، وها أنا أقف أمام واحدة من أفرادها التي لم تستقبلني حتى بنظرة ترحيب واحدة... بل على العكس...كانت تنظر إليّ وكأنني دخيلة على المكان...حتي قالت إليانا بغضب:ــ ماذا تفعلون؟ وكيف تقبلتم وجودها بينكم وكأنها ابنة أخي فعلا؟شعرت بالحرج للحظة، لكنني لم أ
456في اليوم التالي، وقفت أمام قصر مونتيرو وأنا أشعر بالتوتر يزداد داخلي كلما اقتربت من لحظة دخولي. كنت أعرف أنني سأرى لورينا بعد دقائق، لكن معرفتي بأنها أمي لم تجعل الأمر أسهل، بل جعلت كل شيء أكثر صعوبة. كنت أنظر إلى القصر بصمت، بينما كان ليث يقف إلى جواري، وقد أحاط يدي بيده وكأنه يشعر بما يدور داخلي... دخلنا معا، وكان معنا يزن ونازلي وميرا وكايل وليان ، كان إلياس موجودا أيضا، بينما بقيت صوفيا غائبة عن المكان... وقفت للحظات دون أن أعرف ماذا أفعل، أو كيف أبدأ الحديث، حتى لمحت لورينا تتجه نحوي، وما إن رأتني حتى أسرعت في خطواتها نحوي، ثم احتضنتني قبل أن أتمكن حتى من الاستعداد لذلك... تجمدت بين ذراعيها، ولم أعرف كيف أتصرف، بينما سمعتها تقول بصوت مرتجف من شدة فرحتها:ــ ابنتي... اشتقت إليكِ. لماذا تأخرتِ؟ازداد توتري، ولم أجد الكلمات التي كنت أظن طوال الليل أنني سأقولها. كنت أريد أن أخبرها أنني اشتقت إليها أيضا، وأنني طوال الوقت كنت أشعر بشيء غريب تجاهها دون أن أفهم سببه، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقي... وهنا شعرت بيد ليث تستقر على كتفي، فالتفتّ إليه للحظة، ليقول لي بهدوء:ــ ملاك، والدت
455حل الليل، لكن النوم لم يقترب مني حتى للحظة، فقد كنت مستلقية على السرير، أسحب البطانية فوق رأسي وأخفي وجهي تحتها، وكأنني أستطيع بذلك أن أختبئ من كل الأفكار التي لم تتوقف عن مطاردتي منذ أن عرفت الحقيقة. كلما أغمضت عيني عادت الكلمات نفسها إلى رأسي من جديد... لورينا أمي، وإلياس أخي، وصوفيا ابنة عمي. ثلاث حقائق فقط كانت كفيلة بأن تجعلني أشعر وكأن حياتي بأكملها قد تبدلت، وكأنني أستيقظ فجأة لأكتشف أن كل ما ظننته عن نفسي وعائلتي لم يكن سوى جزء صغير من الحقيقة... كنت قد قررت ألا أذهب إلى لورينا الليلة، فلم أكن مستعدة لمواجهتها بعد، ولا أعرف ماذا يمكنني أن أقول لها، أو كيف سأقف أمام المرأة التي عرفت الآن أنها أمي بعد كل هذه السنوات. كنت بحاجة إلى بعض الوقت حتى أستوعب ما حدث، ولذلك أخبرت ليث أنني سأقابلها غدا، عندما أكون أكثر هدوءا، لكنني حتى وأنا أحاول تأجيل المواجهة إلى الغد لم أستطع إيقاف دموعي، فدفنت وجهي أكثر تحت البطانية، وحاولت أن أكتم شهقاتي حتى لا يسمعني أحد.لم أكن أريد أن يراني أحد بهذه الحالة، خصوصا ليث، لكن الباب فُتح بعد لحظات، وسمعت خطواته تقترب من السرير، ثم توقفت إلى جواري.
454لم أستطع أن أستوعب ما قاله ليث. ظللت أحدق فيه للحظات، وكأنني أنتظر منه أن يبتسم ويخبرني أن الأمر مجرد مزحة سيئة... أو أن يقول أي شيء ينفي به ما سمعته للتو... لكن وجهه كان جادا.. جددا إلى درجة جعلت قلبي ينقبض بقوة: ــ ماذا قلت؟خرج صوتي ضعيفا، بالكاد سمعته أنا... اقترب مني ليث، لكنه لم يجبني فورا، وكأن عينيه كانتا تخبرانني بأنه يعرف تماما حجم الصدمة التي أعيشها الآن: ــ قلت إنكِ ابنة السيدة لورينا يا ملاك.هززت رأسي بسرعة، وكأنني أرفض سماع الكلمات مرة أخرى: ــ لا... لا، هذا غير صحيح.ابتعدت عنه خطوة، وشعرت بأن رأسي بدأ يدور: ــ أنت مخطئ... بالتأكيد أنت مخطئ.كنت أحاول إقناع نفسي أكثر مما كنت أحاول إقناعه... كيف يمكن أن أكون ابنة لورينا.. كيف يمكن أن تكون المرأة التي ظللت أسمع قصتها طوال هذا الوقت... هي أمي... أنا.. أنا التي عشت طوال حياتي وأنا أظن أنني أعرف من أنا ومن أين أتيت... رفعت الورقة أمام عيني مرة أخرى، لكن الكلمات بدت مشوشة أمامي بسبب الدموع التي بدأت تتجمع في عيني: ــ لا... لا يمكن أن يكون هذا حقيقيا.ثم رفعت رأسي إليه فجأة، وكأن سؤالا آخر ضربني في تلك اللحظة: ــ أن
453ما إن خرجت من القصر حتى توقفت خطواتي فجأة، وكأن شيئا ما أجبرني على التوقف في مكاني... كانت هناك امرأة مسنّة تقف على بُعد خطوات مني، تبدو عليها آثار التعب بوضوح... ملابسها قديمة، وملامحها شاحبة، ووجهها يحمل من الإرهاق ما جعلها تبدو أكبر من عمرها بكثير.لكنني لم أهتم بكل ذلك في البداية. كل ما شعرت به هو الصدمة. أنا أعرفها... تلك المرأة هي نفسها التي أحضرها إلياس من قبل، عندما كان يحاول التأكد مما إذا كنت شقيقته أم لا. لكن ماذا تفعل هنا.. ولماذا اتصلت بي.. تقدمت نحوها بسرعة، وأنا لا أزال أحاول استيعاب وجودها أمامي، ثم سألتها بقلق:ــ من أنتِ؟ وماذا تريدين؟ ولماذا اتصلتِ بي؟لم تجبني في البداية، بل ظلت تنظر إليّ للحظات وكأنها تحاول أن تقرر إن كانت تستطيع إخباري بما جاءت من أجله أم لا. ثم اقتربت مني وأمسكت يدي فجأة. كانت يدها باردة وخشنة، ارتجفت أصابعها حول يدي بطريقة جعلت القلق يتسلل إلى داخلي... قالت بصوت ضعيف:ــ يجب أن تعرفي الحقيقة...قطبت حاجبي وأنا أراقبها باهتمام... أي حقيقة.. ولماذا أشعر من نبرتها أن الأمر أكبر مما أتخيل.. تابعت وهي تخفض عينيها إلى الأرض:ــ لم يتبقَّ لي الكث







