FAZER LOGIN383ما إن استعدت توازني حتى حاولت النهوض بسرعة، متجاهلة الألم الذي انتشر في جسدي بعد ارتطامي بالأرض، فلم أكن أرى أمامي سوى صورة واحدة... ليث. لم أكن أعرف إن كان قد أصيب، أو إن كان ما رأيته قبل أن يدفعني الانفجار إلى الخلف قد حدث بالفعل، لكنني كنت بحاجة إلى الوصول إليه، إلى أن أراه بعيني وأتأكد أنه ما زال حيا. اندفعت أبحث عنه وسط الدخان والحطام، وأنا أتعثر في خطواتي وأكاد أسقط كلما حاولت الإسراع، حتى وقعت عيناي عليه أخيرا. كان ملقى على الأرض.توقفت للحظة، وكأن قدميّ رفضتا الاستمرار، ثم رأيت صوفيا ملقاة على مسافة قريبة منه، فاقدة الوعي، بينما كان هو ساكنا بصورة جعلت قلبي يتوقف للحظة.... رفض عقلي الفكرة قبل أن أفكر فيها حتى، ولهذا أسرعت نحوه، وجلست إلى جواره وأنا أحاول التقاط أنفاسي، ثم بدأت عيناي تتحركان فوق جسده بحثا عن أي علامة تدل على أنه بخير. وحين رأيت الدماء، شعرت وكأن شيئا باردا انغرس في صدري. كانت الرصاصات قد أصابته بالفعل. لم أستطع أن أفهم كيف انتهى به الأمر الآن ملقى أمامي بهذه الصورة... مددت يدي نحوه بارتجاف، ثم رفعت رأسه بحذر ووضعته فوق ساقي، كنت بحاجة إلى الشعور بأنه قريب
382ما إن انتهى ليث من كلماته حتى تحرك الرجل الملثم نحو الباب، وأشار إلى رجاله بأن يفتحوه، بينما ظل سلاحه موجها نحونا، ولم أستطع أن أبعد عيني عن المكان الذي سيظهر منه ليث، فقد كنت أنتظر منذ أن سمعت صوته أن أراه، لكنني لم أكن مستعدة لما حدث عندما انفتح الباب أخيرا وظهر أمامي وحده... وحده تماما... لم يكن يزن خلفه، ولا أي من رجاله، ولم أر أي شخص آخر معه، الأمر الذي جعل قلبي ينقبض بصورة مفاجئة، فأنا أعرف ليث جيدا بما يكفي لأدرك أنه لن يدخل إلى مكان كهذا دون أن يكون مستعدا لكل الاحتمالات، ولهذا لم أستطع أن أفهم كيف سمح لنفسه بالمجيء وحده، والأغرب من ذلك أنه لم يكن يحمل أي سلاح ظاهر، وكأنه دخل إلى المكان الذي يمكن أن يُقتل فيه في أي لحظة دون أن يحاول حتى حماية نفسه... اقترب منه رجلان فورا، وأجبراه على رفع يديه، ثم بدأا بتفتيشه بعناية شديدة، فمرر أحدهما يديه على ملابسه وجسده، وفتش جيوبه وحزامه وحتى ساقيه، بينما ظل الآخر يراقبه طوال الوقت، ولم يتحرك ليث أو يعترض على أي منهما، بل وقف هادئا تماما وكأنه كان يعرف مسبقا أنهم سيفعلون ذلك... كنت أراقبه وأنا أشعر بأن القلق يزداد بداخلي، فغياب السلاح
381لم أستطع أن أبعد عيني عن ليث، وأنا أراقب الصمت الذي سيطر عليه للحظات قبل أن يقول بهدوء:ــ جمع مبلغ كهذا يحتاج إلى وقت.ضحك الرجل بسخرية خفيفة، ثم هز رأسه قبل أن يقول:ــ وقت.. أنت الدون... و قادر على تحريك أموال وأشخاص ومنظمات كامله في دقائق، فلا تحاول إقناعي بأن خمسمائة مليون دولار تحتاج منك وقتا طويلا لم يجبه ليث... اقترب الرجل من الشاشة أكثر، ثم رفع يده ونظر إلى ساعته: ــ سأعطيك خمس عشرة دقيقة.شعرت بقلبي يخفق بعنف... خمس عشرة دقيقة فقط... كيف يمكنه أن يجمع هذا المبلغ خلال ربع ساعة.. لكن الرجل لم يمنحه حتى فرصة للاعتراض.: ــ لا أريد دقيقة إضافية.رفع عينيه عن ساعته، ثم نظر مباشرة إلى ليث: ــ أمامك ربع ساعة، وبعدها أريد المال هنا.ظل ليث صامتا للحظات.. راقبت ملامحه وأنا أحاول أن أفهم ما يدور داخله، لكنني لم أستطع قراءة قراره... كنت فقط أتمنى أن أعرف شيئا واحدا... هل كان يفكر في إنقاذي فعلا، أم أن وجود صوفيا إلى جواري جعل اختياره محسوما منذ البداية.. ثم قال أخيرا:ــ موافق.انقبض شيء بداخلي فور سماع كلمته، ولم أعرف إن كان ذلك بسبب ارتياحي لموافقته، أم بسبب خوفي مما سيأتي بعد
380ظللت أحدق في ليث عبر الشاشة، وكأنني كنت أنتظر منه أن يقول شيئا ينهي هذا الكابوس، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقي، بينما بقي هو صامتا أمام الرجل الملثم الذي كان ينتظر منه اختيار واحدة منا. لم أستطع حتى التفكير في الأمر بصورة منطقية، فكل ما كان يدور في رأسي هو سؤال واحد ماذا سيفعل ليث.. كنت أعرف أنه لن يسمح بقتل أي منا بسهولة، لكنني كنت أعرفه بما يكفي لأدرك أن الرجل لم يضعه أمام خيار عادي، بل وضعه أمام شيء يعرف جيدا كيف يستخدمه ضده.راقبت وجهه باهتمام، فوجدته يحاول الحفاظ على هدوئه، إلا أنني استطعت رؤية التوتر في ملامحه بوضوح. كان فكه مشدودا ويده لا تزال مقبوضة إلى جواره، بينما ظلت عيناه مثبتتين علينا وكأنه يحاول التأكد من أننا بخير رغم أنه لا يستطيع الوصول إلينا. لكن صوفيا لم تستطع تحمل الصمت أكثر: ــ ليثخرج صوتها مرتجفا، ثم صرخت من جديد:ــ ساعدنيلم يجبها... فظلت تحدق فيه للحظات قبل أن تلتفت فجأة إلى الجهة الأخرى من الشاشة، وكأنها تذكرت وجود شخص آخر يمكنه مساعدتها، ثم صاحت بأعلى صوتها:ــ أبيتتبعت نظراتها دون أن أشعر، فرأيت والدها يقف إلى جوار ليث، فقد كان موجودا في الحفل منذ ال
379ظللت أحدق في الرجل أمامي للحظات، وأنا أحاول أن أفهم من يكون وما الذي يريده منا، لكنني لم أجد في ملامحه أي إجابة، فقد كان يتحدث بثقة غريبة وكأنه يملك السيطرة الكاملة على كل شيء من حولنا. حاولت أن أحرّك يدي خلف ظهري مرة أخرى، إلا أن القيود كانت محكمة إلى درجة جعلتني أتوقف عن المحاولة، بينما بقيت قدماي معلقتين في الهواء دون أن أجد شيئًا أستند إليه. ثم عاد صوت ليث إلى القاعة عبر مكبرات الصوت، هادئًا بصورة جعلتني أرفع عيني نحو الشاشة فورا: ــ ماذا تريد؟لم يتحرك الرجل أمامنا، بل ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يجيبه ليث:ــ ومن أنت؟ساد الصمت للحظات، ثم ضحك الرجل، وكانت ضحكته تحمل شيئا جعل القلق يتسلل إلى صدري أكثر: ــ تريد أن تعرف من أنا؟توقف قليلا، ثم أضاف:ــ رجالي ماتوا بسببك يا دون.شعرت بأنفاسي تتوقف للحظة، بينما ظل ليث صامتًا في الجهة الأخرى، وكأنني أستطيع رؤية عينيه تضيقان كلما استمع إلى كلمات الرجل: ــ خسرت رجالا كانوا معي لسنوات، وخسرت كل شيء بسببك. أموالي، نفوذي، رجالي... كل ما بنيته طوال حياتي انتهى بسببك.رفع الرجل يده قليلا وهو يتحدث، ثم قال بنبرة أكثر حدة: ــ والآ
378لم أستطع استيعاب كلماته للحظات، وظللت أحدق فيه والدموع تنهمر من عيني دون توقف، وكأنني كنت بحاجة إلى لحظة واحدة فقط حتى يتحول كل ما شعرت به إلى غضب لم أعد قادرة على السيطرة عليه. اقتربت منه بسرعة، ودفعت صدره بكل قوتي، ثم ضربته عليه مرة، وأخرى، بينما كنت أبكي بانهيار:ــ أنت لعين... أنت حقا لعين!لم يحاول إيقافي في البداية، فواصلت ضربه وأنا أشعر بأن صدري يكاد ينفجر من شدة الألم:ــ كيف تستطيع أن تفعل هذا بي؟ كيف تنام في أحضاني ليلا، وتطلب مني ألا أتركك، ثم تأتي في اليوم التالي لتخطب امرأة أخرى وكأن شيئا لم يحدث؟!ضربته مرة أخرى، لكن هذه المرة أمسك يدي بقوة وأوقفني، بينما ظل يحدق بي بغضب واضح: ــ أنتِ ماذا تريدينني أن أفعل؟!شهقت من بين دموعي، ولم أستطع أن أجيبه، فتابع وهو يقترب مني أكثر:ــ تريدينني أن أتوسل إليكِ حتى توافقي على العودة إليّ؟ كم مرة جئت إليكِ؟ كم مرة حاولت أن أتمسك بكِ وأطلب منكِ أن تبقي معي؟ وفي كل مرة كنتِ أنتِ من تختارين الابتعاد وتتركيننيهززت رأسي بعنف، بينما حاولت سحب يدي من قبضته:ــ لأنك أنت من جعلتني أبتعدــ أنا ماذا فعلت؟!صرخ بها في وجهي، ثم قال بصوت يحم







