LOGINتفوح من فمه رائحة النبيذ المعتق، يجلس في ثمالةٍ على مقعد مكتبٍ، تمنى لسنوات أن يحتله مطيحًا بصاحبه، وها قد ابتسم له الحظ، وأدارت الحياة وجهها إليه.
بعدما ربى مشردًا في الأزقة وعلى الأرصفة، لا يجد ما يقتاته، فيصل به الحال كل ليلةٍ متسطحًا على عتبة أحد المنازل، أو متكومًا في ركن من أركان مرأب سياراتٍ، تتلوى أحشائه جوعًا، وينخر البرد عظامه. لا يعرف له بيتًا ولا عائلة، كل ما يطفو إلى مخيلته من بئر الماضي، تلك المرأة البدينة، صاحبة الوجه العكر، ذات اللسان السليط، التي من المفترض أن تحنو عليه هو وزملائه ممن فقدوا دفء الأسرة، جاهلون معنى الإنتماء. كانت طفولةٌ معذبة، قضاها في إحدى دور الرعاية، عن أي رعاية يتحدثون؟! فجسده للآن مشوهٌ بعلامات الرعاية، أي هراء هذا؟! وأي مكابدة عايشها في كنف دار من المفترض أن تكون مشرفته أمًا بديلة؟! لكن تلك الحاضنة لفظت للمجتمع أفرادًا، تحمل الضغائن لمن حابهم الله بما حرموا منه. كلما تذكرها تتفجر داخله حممٌ مستعرة، حانقًا على بنات حواء كلهن، فأصبحت أي امرأةٍ بالنسبة له وسيلةً للمتعة اللحظية، فلا ثبوت للعدم لديه، بدايةً من أمٍ أنجبت ونفرت ما نمى بأحشائها ملقيةً إياه لعتمة المجهول، مرورًا بتلك البشعة التي أذاقته العذاب جرعات. وفي النهاية تلك الخائنة التي جعلت منه محطةً للوصول إلى رفيقه، حتى وإن رفضها إكرامًا له، وتساءل لِما جميعهن يمقتانه؟! لا أمًا حنت، ولا راعيةً أشفقت، ولا حبيبةً أخلصت. نظراتٌ كارهة صوبها لتلك الجالسة على فخذيه، تعبث أناملها بأزرار قميصه بمداعبةٍ، ويدٌ امتدت تقبض على كفها؛ توقف ما شرعت به، وهو ينفضها بعيداً عنه، فسقط جسدها أسفل قدميه، وساقٌ تقدمت تسحق أصابع كفها بحذاءه. صرخة ألمٍ صدرت عنها، وهي ترفع رأسها إليه، وعينيها تتوسله الرحمة، ولا تعِ ما فعلته؛ ليبدو على تلك الحالة. إنها إحدى فتيات الحانة التي يملكها "الداهية"، وهذا هو رفيقه وساعده الأيمن "نك"، وهو من أرسل في طلبها؛ كي تأنسه. "نك" وهو يرمقها باشمئزاز، وأنحنى بجسده إليها، يجذب خصلات شعرها قابضًا عليها بقوة. يرفعها إليه بعدما كف حذاءه عنها، فضمت قبضتها إلى صدرها، وقد اعتلى وجهها حمرة قانية من عِظَم وجعها ، فمن ناحيةٍ يدها التي تئن ألما، ومن ناحيةٍ أخرى شعرها الذي يكاد يقتلعه بيديه. مقربًا وجهها إليه، جازًا على أنيابه، وعينيه تطلق سهامًا من البغض، وحديثه يخرج محملًا بكمٍ من العذاب، أخفاه وراء ساترٍ من النفور : -إياكي أن تتجاوزي حدودكِ معي، أنا من يقرر إذا كنت أرغب في جسدكِ المستهلك هذا، أم لا، والآن لا رغبة لي بكِ، اغربي عن وجهي أيتها العاهرة، جميعكن عاهرات. دفعها بعيداً عنه، فتعثرت خطواتها بذلك الحذاء ذو الكعب العالي، وزلت قدماها، وجسدها يهوي أرضًا، تزحف إلى الخلف بمعاونة ذراعيها، وهي تهز رأسها بهلعٍ، ودموعها تعرف مجراها على وجنتيها المزدانة بحمرة خدود برَّاقة، وزينة وجهٍ صارخة تلائم وظيفتها بمكانٍ كهذا، فهي "ساندي" عاملة البار. جاءت إليه مجبرةً، بعدما أخبرها مسئول الصالة برغبة السيد "نك"، في حضورها إلى المكتب الذي يشغره الآن لحين عودة زعيمهم. وقد أخبر "نك" مسئول الصالة "ستيڤ" بأن تجلب بحوزتها زجاجة النبيذ الفاخر تلك، والتي شارفت على الإنتهاء، في إيضاحٍ غير مباشر لسبب استدعاءه لها دونًا عن غيرها من فتيات الحانة. "ساندي" بكبرياءٍ، فعملها هنا؛ لسبب، وقبولها الذهاب إليه؛ لِعِلَّة، ومُجاراتها له؛ خُدعة: -ليس كلنا كمن أنجبتك أيها السيد المدلل. خطت بقدميها حقل ألغام، وكأنما وضعت مِلحًا على جراحه النازفة حتى يومنا هذا، وبعد سنوات عمره الثلاثون لازالت الجِراح متقيحة تُفتح عندما تخالجه ذكريات ماضٍ أليم، فما بالكم بعد ماتفوهت به من حمقاتٍ ستقحمها إلى جحيمه وهي من بادرت إليه. كان يجب عليها الرحيل عندما أمرها بذلك، ولكنها بدلاً من الهروب بقت تناطحه بشجاعةٍ. هم ينقض عليها، ولكن بمجرد أن تقدم خطوة حتى تشوشت الرؤية، وغامت عينيه بالسواد، والأرض تميد به، حتى سقط مغشيًا عليه، فمفعول الحبوب المنومة التي خلطتها بالنبيذ، قد سَرَت بدمه، وعزز مفعولها هذا المُسْكِر، فهي تحتفظ بتلك الحبوب بحوزتها تحسباً لظرف مماثل. ابتسمت بخبث، وهي ترمقه بسخريةٍ، قائلةً: -أحلامٌ سعيدة أيها الوسيم.هم "سام"؛ ليجب عن تساؤلاتها، وهو لا زال مطرقاً رأسه، وهذا ما شفع له لدى "أريان"، وبكلا الأحوال بشفاعة أو بدون، لن يتمكن "أريان" من مجابهته دون سلاح، و"أريان" ليس باندفاع الداهية. فقيادة شخص مثل "سام" إلى شجار، بفحولته تلك إلى جانب أنه لا يوجد لدى "سام" ما يخشاه؛ فماذا سيلحق به أقصى من احتجازه هنا بسجن الجزيرة؟! ملخص القول "لا يوجد ما يبكي عليه"، كل هذا يجعل افتعال المشاكل معه أشبه بالوقوف أمام القطار السريع الذي لا يتوقف ولا يعبأ لأحد.ولكنه بالأخير حذى حذو الداهية إذ رفع صوته هاتفاً بكل ما أوتي من قوة، وذلك قبل أن يفغر "سام" فاهه بكلمة:-"غااااااادة".صياحه أفزع الغافية قبل التي جلست إلى جوارها تعتني بها؛ لتهرع إليه" سيدرا" تتسائل بدهشة:-ماذا هناك؟! هل نشب حريق بالسجن؟!أجابها "أريان" بغيظ:-على وشك، إذا لم تفق دكتور "غادة" الآن، سيقع ذلك حتماً. ابتسمت "سوزان" غامزة لتلك التي لوت ثغرها ترمقها بدهشة، وهي تهز رأسها بتعجب، ففهمت الأخرى أن هناك شيء ما يخص التي تعلو البسمة الماكرة شفاهها، ولكن ما لم تفهمه ما علاقة المتسطحة خلف الحاجز بالأمر. "سوزان" موجهة حديثها إلى "أريان"، تزامناً
استمعت الشاردة إلى محدثتها، ووصلها بيت القصيد، ولكنها تهربت بنظراتها عن الأخرى تجيب على سؤالها بسؤال، وهي تؤشر بعينيها في اتجاه "غادة":-كيف حالها الآن يا.......؟ قلبت "سيدرا" عينيها بملل من تهرب الأخرى وتحفظها في الإفصاح عن ماهية شعورها تجاه القائد. ولكنها أجابت تطمئنها عن "غادة"، بينما "سام" يتقلى ضجراً؛ بسبب تهامس وقحته مع عارضة الأزياء التي لا يتذكر اسمها الذي ورد على لسان "سيدرا" ولكنه لم يَعْلق بذهنه:-ستفيق عما قريب.-بالمناسبة اسمي هو "سيدرا". ابتسمت له "سوزان" بود فتلك هي شخصيتها مرحة وودودة، ولكنها ليست بمزاج يسمح بإلقاء عبارات الترحيب والتعارف الآن، ربما في وقت لاحق. صمتت "سيدرا" لبرهة، ومن ثم استكملت تقول بإيضاح:-أعرف أن سؤالي يبدو متجاوزاً بعض الشيء، فبالأخير أنت لا تعرفينني. -ولكنني أريد أن أوضح أمراً اكتشفته الآن بعد تجهم وجه قائد النزوات خاصتك. هذا هو اللقب الذي أطلقته "سيدرا" على "أريان" بينها وبين حالها، فقالت الأخيرة بمرح وهي تتكأ على كل حرف؛ قاصدة إذابة التوتر والتحفظ بينها وبين "سوزان". وبالفعل إن عبارة "سيدرا" تلك وذلك اللقب، جعلتها تحظى بانتباه "سوزان" ا
عقب "ريكا" على لفظ "بنيامين" لكلمة خانه فيها التعبير وهو يقول لاوياً ثغره بتهكمٍ:-الداهية لا يهاب؛ حتى يلتمس الاطمئنان من أحد. -أنا أنبهك، فاحرص أنت على أمانك. لو لم يعلم الداهية أنها صدرت عن تابعه بغشم، لكان مصيره أشد حلكة مما يخطط إليه الداهية ل"سام"."بينيامين" معتذراً بتوجس:-تباً لغبائي!! لم أميز معناها إلا بعد أن زلف بها لساني.-السماح يا زعيم، ذلة لسان غير مقصودة. زجره "ريكا" قائلاً بضجر:-خلصنا "بينيامين"."بينيامين" بملاطفة واستعطاف:-طالما قلت "بينيامين"، إذاً فأنت لا تزال غاضباً مني. قلب "ريكا" عينيه قائلاً بتململ:-يا الله "بينو"!! بدأت أَمِل يا رجل. انشكح "بينيامين" من عودة الداهية لذكر اللقب المتعارف عليه في لغة الحديث الودود بينهما، فهذا يعني أن لاشيء في نفس الداهية يضمرها إليه، قائلاً بمرح:-هذا هو زعيمي المفضل على الإطلاق. -أؤمر، تجد. تربيتة أخرى من يد الداهية على كتف "بينيامين" بثته مزيداً من الطمأنينة، ليقول بعدها الزعيم:-اسمعني جيداً "بينو"، اذهب إلى الشباب وأخبرهم أن الداهية يريد أن يرُد له كل واحد منهم الجميل الذي لي عنده في حفل استقبال الوارد الجديد. -
في سجن الجزيرة.دنى "ريكا" متغصباً من سبب بلاءه "سام" يضغط وبقوة على عنفوان كبرياءه اللعين، يسائله بتلجلجٍ:-م.. ماذا قالت هذه؟!التفت إليه "سام" مذهولاً بعد أن عقب على تساؤل الآخر والغير متوقع بالنسبة إليه على الإطلاق:-بچح بچاحة!! تتحسد عليه.قطب "ريكا" جبينه بعدم فهم، فزجره "سام" قائلاً بالإنجليزية التي يتحدثها بطلاقة:-ما خصك أنت؟! ولِم تقف هنا من الأساس؟!اشتعلت نظرات "ريكا" بغيظٍ من تبجح الآخر، فما تجرأ أحد وخاطبه بهذه الصيغة لا داخل السجن ولا خارجه؛ ليقول بمناطحة:-لا، خصني، بل لا يخص أحداً غيري، وما سممت به أذنها عني، سأمحوه من ذاكرتها بعد أن أخفِ اسمك من الوجود.التوى ثغر "سام" مبتسماً بتهكمٍ وهو يهز رأسه بيأس من يباسة عقل الآخر وثقته الواهية بحاله، معقباً:-بس يا بابا.ولم يكلف "سام" نفسه عناء الإيضاح وإنما أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى شامخ الرأس، يرفع أنفه بعنجهية تضاهي عجرفة الداهية بل يفوقه زهواً بحاله، وقوته التي لمسها "ريكا" منذ قليل تشهد أنه أهل لهذه الثقة المفرطة بحاله.كيد وغيظ تملك من الداهية ولكن يجب عليه الثبات وضبط النفس؛ فأي اشتباك الآن ليس في صالحه لا جسمانياً و
شملها "أريان" بنظرة تقييم بثها من خلالها إعجابه بقوامها دون إفصاح، نظرة منه جعلتها تشعر بأنوثتها، وتخللها الأمل في التقرب إليه.فقد قابلته منذ عامين عندما داهمت الشرطة شقة لزميل لها يقيم حفل صاخب وكانت هي برفقة مجموعة من الأصدقاء مدعوون إلى هذا الحفل. وقد اشتكى عليهم أحد جيران زميلهم هذا محرراً محضر هاتفي عن إزعاج هؤلاء الشباب له.وعندما حضر "أريان" وقد كان حينها لازال مأمور هذا القسم التابعة له المنطقة المتواجد بها أطراف النزاع.وجد أنهم مجموعة من الشباب الصغار، فتدخل في حل سوء التفاهم هذا واعتذر الشاب وأصدقائه إلى الكهل الذي امتثل لرزانة ورجاحة عقل "أريان" عندما قام بإقناعه ذاكراً قلة خبرتهم وصغر سنهم واندفاعهم وأنهم بالأول والأخير جيران.وأخذ على الشاب ورفاقه عهداً بعدم تكرار فعلتهم مرةً أخرى وإلا لن يتهاون معهم المرة القادمة. منذ ذلك اليوم وعلى مدار عامين، وهي تراقبه عن بعد، تحبه في صمت وسامته وقوة شخصيته أطاحت بلبها وجعلتها متيمة به؛ حتى أن صديقتها "سيدرا" كانت تتعجب من حالها. ودائماً ما كانت تنصحها بصرف النظر عن حبها هذا، فحب من طرف واحد يعني عذاباً لا ينتهي. أبت "سامانتا" إ
انتشى "أريان" عندما ابتلع هذا الحقير الطعم لتنبلج أساريره ويضيء وجهه بابتسامة النصر، ولكنه لن يبدأ بالاحتفال قبل أن تزين الأصفاد الحديدية معصم يد هذا الحقير. وبالفعل تم إلقاء القبض على زعيم المافيا بعد أن حاك الهداف الفخ بعناية، فقد تم تسجيل مكالمات تتضمن عدة عبارات من زعيم المافيا ذاك وتعد بمثابة اعتراف على تحريضه للمتهم بتنفيذ عمليات الخطف.وذلك بموجب تصريح رسمي من الوزير شخصياً بتسجيلها. إلى جانب أنه أرسل إليه بصحبة المختطف واحد من فريقه للاتفاق بشأن الأتوبيس الخاص بالمدرسة على أنه السائق الوهمي.وقد تم تسجيل تلك المقابلة أيضاً بواسطة جهاز تنصت حديث زُرع بجسد عضو الفريق؛ حتى لا يتمكن رجال الزعيم بكشفه.وحتى يكون رجل الهداف هذا مرصود على شاشة المراقبة ومُحددٌ موقعه تحسباً لأي خطأ فيتمكن من الوصول إليه وإنقاذهه إذا ما أحاطه أي خطر، فالهداف لا يضحي برجاله. وهذا وقد تم ضبط الثلاثة أطفال الذين كانوا بوكر المختطف الذين أصر الهداف أن يكونوا مع ضابط فريقه والمتهم أثناء الاتفاق المسجل حتى يطمئن هذا الحقير، ويكن على سجيته دون شكوك فيتمكن فريق الاستخبارات بتسجيل الواقعة مكتملة. وها قد اجت
داخل إحدى الشركات الكبرى لتجارة الأدوية والمستحضرات الطبية، يجلس واحدٌ من كبار رجال الأعمال على كرسيّ مكتبه، وعيناه المحاطة بالتجاعيد تطالع باهتمام شاشةً مسطحة بعرض الحائط. لكن تلك الشاشة لا تعرض أفلامًا ولا منوعاتٍ، كي يَشْخص بها هكذا بتركيزٍ، كل ما يظهر عليها أرقامٌ ورموز، تبدو كلوغريتماتٍ وطلاس
عودة إلى سجن الجزيرة. فقد حان وقت تجمع النزلاء؛ لتناول وجبتهم الأساسية بالغداء، ولازال هناك صفٌ طويل أمامه، على كل حال هو لا يشغل باله بطعام السجن هذا، فهناك طعامٌ فاخر يصل إليه في طائرات الدعم التي تأتي إلى السجن، فالمال يصنع المستحيل. وإذا أراد تجاوز كل من هم بالصف، فهذا أمرٌ ليس عسيرًا، إنه ال
في الشركة الأم حيث الصديقان "سام" و"چاسم".كان يومهما حافلًا بالأعمال، فقد حضر إليهما مندوبي أكبر شركتي التوريد والشحن بأمريكا، بناء على تلك الأوامر التي والاها تِباعًا لموظفة العلاقات العامة صباحًا. ف"سام" يستعد لنقل أكبر شحنة للمواد الغذائية من مصر، تحتاجها شركاته التي تعمل بمجال حفظ وتعبئة المو
في أحد السجون المشيدة على جزيرة نائية، يضم مجموعة من أخطر المساجين حول العالم نظراً لصعوبة الهروب من أسواره العالية و أبراج المراقبة المثبتة بها أحدث كاميرات التتبع فائقة الدقة. تعمل على رصد أي حركة داخل و خارج هذا الصرح بفضل مستشعرٍ آلي العمل يلتقط صوت وصورة، ذات قدرة على التصوير الليلي النهاري ا






![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)
