ログインفي الشركة الأم حيث الصديقان "سام" و"چاسم".
كان يومهما حافلًا بالأعمال، فقد حضر إليهما مندوبي أكبر شركتي التوريد والشحن بأمريكا، بناء على تلك الأوامر التي والاها تِباعًا لموظفة العلاقات العامة صباحًا. ف"سام" يستعد لنقل أكبر شحنة للمواد الغذائية من مصر، تحتاجها شركاته التي تعمل بمجال حفظ وتعبئة المواد الغذائية، وتحتوي تلك الشحنة على الخضروات والفاكهة والأسماك. لذا يتوجب عليه نقلها بأسرع وقت ممكن، خاصةً بعد البريد الإلكتروني الذي جاء على موقع الشركة، وعرضته عليه تلك الموظفة صباحاً ضمن ملف الأعمال اليومي، وكان هذا البريد يتضمن قرار هيئة سلامة الغذاء المختصة بفحص الجودة، وأكدت أن الشحنة مطابقة للمواصفات. وذلك يعني أن تصريح إعتماد الشحن ستصدره هيئة الرقابة الجمركية في غضون يومين، فمكوث الشحنة بعد ذلك بالميناء تعني كارثةً حتمية. من جهة البضاعة المستوردة سريعة التلف، ومن جهةٍ أخرى إبقائها بالمستودعات الجمركية تعني تحمل الشركة تكلفة إيجار تلك الحاويات. "چاسم" وهو يرفع معصمه يرمق ساعة يده: -ظننت أن اليوم لن يمر، فلم يبقى سوى ساعة واحدة على موعد تسجيل بصمة الانصراف. "سام" بإقرار: -هذا بالنسبة للموظفين، أما أنت فلا. "چاسم" بثورةٍ مفتعلة: -ماذا تعني؟! ألست موظفًا ضمن موظفيك سيد "سام"؟! "سام": -لا "چاسم" ، أنا لا أعتبرك موظفًا لديَّ، "چاسم" أنت أخي. "چاسم" بإمتعاض: -تَبَرَّأ مني يا رجل. "سام" مستكملًا: -وشريكي. "چاسم": -نَفُض تلك الشَّراكة. "سام" بمشاكسةٍ: -وماذا عن صداقتنا؟! "چاسم" وهو يشيح بيده: -تبًا لهكذا رفقة. ثم انفجر كلاهما ضاحكًا، كلًا منهما لا يمكنه الإستغناء عن الآخر، فكما قال سام ما بينهما لا يندرج تحت مسمى واحد لنوعٍ من أنواع العلاقات الإنسانية: فهما أَخوان لم ينجبهما رحمٌ واحد لكنهما متشابهان، وشريكان لا يغريهما الربح فيتقاتلان، وصديقان لن تأخذهما دوامة الحياة فيتفرقان. وفي تلك الأثناء دق هاتف "چاسم"، فأخرجه من جيب سترته، ينظر إلى الشاشة، ضاغطًا على الفور زر الإجابة، وقد تبدلت ملامحه من العبث إلى الهيام، قائلًا: -يا لا حظك "چاسم"، القمر حقي تنازل، وقرر مهاتفتي؟! و"سام" يرفع ذراعيه مقلدًا وضعية عازف الكمان،بالطبع تلك المكالمة من زوجة رفيقه، فالتقط الآخر ثقالة الأوراق يمسكها بكفه يستعد؛ لقذفه بها. و"سام" يزجره بعينيه، قائلًا: -إياك وأن تفعل. "چاسم" منتبهًا لحديث زوجته الحبيبة "چيسيكا": -أحبك "چاسم"، أرجوك لا تتوقف عن تدليلي، أحب مغازلتك وكلامك المعسول، اتصلت خصيصاً؛ لسماع صوتك. مستكملةً بلكنةٍ عربية ركيكة، جاهد "چاسم" حتى يعلمها بعضاً من مفرداتها، بناءً على طلبها، كنوعٍ من مشاركتها إهتماماته: -يا أبو العيون العسلية. "چاسم" وقد أذابه دلالها الفطري، قائلًا: -يا لا عذابك "چاسم"، هل اتفقتما عليّ؟! هذا المتجبر يحتجزني هنا، وأنت تزيدينها بدلالكِ، ارحما "چاسم" فأنا بشرٌ من لحمٍ ودمٍ. "چيسيكا" بمحبةٍ أخوية: -"سام" إلى جوارك، حبيبي؟! "چاسم" مهندمًا ياقة قميصه بتفاخرٍ: -نعم "چيسي" ، فهو لا يستطيع الإستغناء عني. "چيسيكا" : -ولا أنا، حبيبي، أعط الهاتف ل"سام"؛ ولدك يريد محادثته. "چاسم": -الوغد، يريد محادثة العم "سام"، ولم يطلب مهاتفتي؟! "چيسيكا": -ما دخلي بينكما؟! اصطفيا سويًّا. خطف الصغير "سام" الهاتف من يد والدته، يحادث أبيه بلباقةٍ تفوق سنوات عمره الستة، قائلًا بنبرةٍ ساخرة: -ما بك "چيه"؟! ماذا فيها إذا أردت محادثة العم"سام"؟! أعطه الهاتف على الفور، وكفاك ملاطفةً ل"چيسيكاك"، ألا تمل يا رجل؟! جحظت أعين "چاسم" أو "چيه" كما يلقبه صغيره. بينما "چيسيكا" ارتفع صوت ضحكاتها؛ بسبب مواقف وطرائف طفليها، فعندما يُحتكم أحد بينهما سيجد "چاسم" أكثرهما عنادًا بروحٍ طفولية مرحة، فما أروعها حياة تعيشها مع رجل شرقي ذو نخوةٍ وشهامة، غيورًا، مُحب! ونفس ذاك الشخص بداخله طفلٌ صغير، يعاني حرمانًا، ترضيه كلمة وتغضبه أخرى، أحياناً يتقاتلان هو وصغيره، أيهما سيبيت إلى جوارها الليلة، وعندما يراها تبدي اهتمامًا بالصغير يفتعل ضجةً بلا سبب، رغبةً في لفت انتباهها. مد "چاسم" يده بالهاتف إلى "سام" الذي لاحظ تزمره وتلك النظرة الساخطة التي تزين ملامح وجهه، فعلم أنه نال واصلة استهجان من الصغير "سام"، ملتقطًا الهاتف غامزا له، وهو يقول: -تضع نفسك بمواقفٍ محرجة، اكبر "چيه"، إنه ولدك، وليس زوج أمك. تأفف "چاسم" بضجرٍ، قائلًا: -أنت و" چيسيكا" تنصرانه عليَّ دائماً. هز "سام" رأسه بيأسٍ من صديقه الذي عانى فقدان الأم، وهي على قيد الحياة، فما يفعله الكبار يتحمل عواقبه الصغار. "سام چاكوب" يحادث الصغير على الهاتف: -أهلاً بالمشاغب الصغير، كيف حالك يا صديقي؟ "سام" الصغير يجيب بحماسةٍ: -أهلاً بك"سام"، أفتقدك عمي، لما لم تعد تأتي إلى منزلنا؟! أتخاف أن أغلبك في "البلاي ستيشن" ككل مرةٍ؟! "سام" بضحكةٍ رنانة: -بالطبع صغيري، فأنت لاعبٌ محترف. الصغير "سام": -لكن غدًا لا أعذار، إنه عيد مولدي، يا صاح، وأريد أن تكون أول الحاضرين. "سام چاكوب" : -حسناً يا صغيري، ماذا تريد كهديةٍ في هذا العام؟! الصغير "سام": -أنت هديتي"سام"، فقط لا تتأخر. "سام چاكوب" : -لن أتأخر، أعدك يا صاح، إلى اللقاء غدًا يا بني. ضغط "سام" زر الإغلاق، وناول الهاتف لذلك الممتعض "چاسم"، وعادا يتناقشان بخصوص العمل. عودة إلى الحانة. بعد سقوط "نك" بفعل المنوم الذي وضعته "ساندي" بكأسه، اقتربت منه تفك أزرار قميصه، تخلعه عنه بتوترٍ، كم هو مرهق هذا ال"نك" بضخامة عضلات ذراعيه القويتين وجسده الرياضي هذا! كم بدى وسيمًا بحدٍ زائد عن قرب، هادئ في غفوته تلك. ولكن لفت انتباهها آثار جروح متفرقة على طول ذراعيه، وعندما أدارته بصعوبة؛ لتخليص الذراع الآخر من القميص. وجدت آثار جَلْدٍ واضحة على بشرة ظهره، فناظرته باشمئزازٍ، ربما هو من هؤلاء الساديون المحبون للعنف أثناء ممارستهم. هي تلجأ إلى تلك الحيلة كلما أجبرها عديم الرجولة "ستيڤ" على المغادرة مع أحد رواد الحانة، فهو يمارس سلطته؛ لإجبار العاملات على إغراء هؤلاء الثمالى؛ ليتربح من وراءهن، ودون علم الزعيم "ريكا". وعند خروجها مع أحدهم تتحين أي فرصة؛ لتجعله يتناول تلك الحبوب بأية طريقةٍ؛ فهي بحاجةٍ ماسة للمال، وراتبها من الحانة لا يكفي لعلاج أخيها الصغير، الذي أصيب بسرطان الدم، ويحتاج إلى نقل دم مرتين على الأقل خلال شهرٍ واحد، إلى جانب تكاليف المشفى الباهظة، وكذا مصاريف العلاج والأدوية. خرجت مسرعةً من مكتبه، وكأنما تلاحقها الأشباح، فيجب عليها مغادرة المكان، لا بل المدينة بأكملها، على أية حالٍ لا يوجد ما يربطها هنا، فهي فتاة يونانية الأصل، ولدت بإحدى المناطق الريفية هناك، حيث تقارب عادتهم عادات الشرقيين. الفتاة لديهم يجب أن تحفظ نفسها، فلا علاقات للفتاة لديهم قبل الزواج، وهي تتمسك بتلك التقاليد التي نشأت عليها وزرعها بداخلها أبويها اللذان لقيا مصرعهما إثر حادث انقلاب إحدى سيارات النقل الجماعي، تاركين على عاتقها مسئوليةً كبيرة، وهي لازالت بالحادية والعشرين من عمرها. في أثناء خروجها من المكتب، اصطدمت بأحدهم. رفعت رأسها؛ لترَ العائق الذي ظهر أمامها من العدم، وجدته هذا البغيض "ستيڤ"، فابتسمت بارتباك تمسد كف يدها الذي سحقه ذاك المسطح أرضًا بالداخل. سألها "ستيڤ" باهتمامٍ بالغ، ونبرة محذرة: -ما بكِ "ساندي"؟! إياكِ أن تكوني أغضبتي السيد "نك"؟ خلعت عنها رداء التوتر وتلبست عباءة المجون، وهي تقترب منه تضع يدها على كتفه بخلاعة، على كل حال لا خوفًا منه؛ فليس لديه شغفٌ بالنساء، ولكن له ميولًا انحرافية أخرى. "ساندي" مدعية الخبرة، تلك العذراء اللعوب، وهي تشير بسبابتها إلى حالها بتمجيد: -إياك أنت وأن تشكك بقدرات "ساندي"، سيدك ممدد بالداخل، لا يقوَ على الحراك، فقد فتنته حتى أنه سمح لي بالذهاب باكرًا؛ كي استريح بعد جموحه معي، أأخبرك شيئاً "ستيڤ"؟ أماء لها ستيڤ وهو يزدرد لعابه بإثارة. فاستكملت "ساندي"، وهي تداعب خده بأناملها، وداخلها يتقزز، تريد التقيؤ: -سيدك هذا من نوعك المفضل، يعشق السادية. رمت للكلب عظمة ألهته بها، وغادرت على الفور، فيجب عليها الذهاب؛ لتأخذ أغراضها القليلة من تلك الغرفة البالية التي تمكث بها في أحد الفنادق متدنية المستوى والتي تلاءم إمكانياتها. ولكن يجب عليها أن تذهب إلى المشفى أولًا حيث يرقد أخاها؛ لتدفع ما ادخرته من مال، وما أخذته من هذا الحقير قبل ولوجها إلى مكتب هذا "السادي الوسيم". على كل حال هو لن يراها مجدداً، ستنتقل باحثةً عن عملٍ آخر. بعد خروجها بساعةٍ انتفض ذلك الملقى أرضًا عندما راوده أحد كوابيس ماضيه الأليم، وهو يُكوى بسكينٍ ساخن كالجمر، بعد أن زلف لسانه أمام أحد المسئولين أثناء زيارته للدار، برغبته هو وزملائه ممن يعانون الجوع والعوز في استبدال تلك المشرفة. وبرغم عدم اهتمام هذا المسئول برغبة هؤلاء الصغار، فزيارته هذه ليست سوى أمر شكلي؛ كي يظهر هو في أحد المجلات. بعدما التُقِطَت له عدة صور فوتوغرافية مع أطفال الدار بكاميرا أحد المصورين، استعداداً للحفل الخيري الذي يقام سنوياً، بغرض جمع التبرعات على شرف هذا الدار، وليت يلحقهم من هذا المال شيئاً ولو صغير. إلا أن تلك المنزوعة الرحمة، عديمة الشفقة لم تمرق شكوى الصغار، ولكنها جمعت الشاكين وقامت بصب جم غضبها عليهم، ليبقى آثار التعذيب علاماتٌ نُقِشت إلى الأبد على أجسادهم الضعيفة الهزيلة. ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة، وعندما نفذت طاقة إحتماله، فر هاربًا من هذا الجحيم. أخذ يضغط جفنيه بقوة، رامشًا بأهدابه، تضح أمامه الرؤية شيئاً فشيء، وهو يرفع كفه، يمسد جبهته، إثر الألم الحاد برأسه، وهو يحاول الاستقامة، مستندًا إلى المكتب خلفه بوهن. تجسدت تلك الأحداث السابقة أمامه يتذكر ما حدث قبل تلك الغفوة، يتعجب من حالته وهو عاري الصدر، وقد عبث أحدهم بسحاب منطاله، ولكن ما يوقنه أنه لم يمسسها، وضع يديه بجيبه يخرج هاتفه، فلم يجده، وكذلك حافظة نقوده. تشنجت معالم وجهه، وهو يسب ويلعن تلك المحتالة، يطيح بما يوجد أمامه على المكتب، يزأر بغضبٍ، متوعدًا إياها: -أتسرقين "نك" الذي جابها من شرقها إلى غربها، أي ريحٍ خبيثة ألقت بك في جحيمي أيتها........سبة نابية تنبست بها شفاهه وقد تحول الصقيع الذي تملكه إلى ارتفاع شديد في درجة الحرارة نجم عن إحساسه بالغل والغضب، فتلك المراوغة لا يمكن توقع ما يمكن أن تفعل!! فبأول يوم قد غادر به بعد أن أخبر "كيارا" بإعلامها بسفره، طلب منها التخلص من ما بحيازة "ساندي" من عقارات وأقراص تحتفظ بها في حقيبة يدها وذلك دون أن تشعر. وأمرها كذلك بتفتيش الغرفة التي تشغرها حالياً ولا تترك شبراً بها، إلا وبحثت به ملياً علها تخفي بعضًا من تلك المواد المخدرة بأي ركن داخلها.وقد أخبرته "كيارا" أنها تخلصت منها بالفعل، وأنه بعد الجرد المتفحص لكل محتويات الغرفة وأرجائها لم تعثر على شيءٍ سوى ما ذكره "نك" بالوصف والعدد. ولكن إذا وقع خطأ، فمنه!! وذلك كونه لم ينبه عليهم بضرورة التحري عن كل ما تطلبه قبل إدخاله إلى القصر. أغلق "نك" الهاتف في وجه البومة الذي زفه الخبر المشئوم، وإحساسٌ بالضياع والفقد حل ليقلب كل موازين الثبات هادمًا حصون عجرفته؛ وهو يدور حول نفسه بالغرفة كالليث الجريح يشد على خصلات شعره بقهر. ومن ثم أخذت أنامله تعبث بشاشة هاتفه يتصل بخبير المراقبة الذي عثر عليها أول مرة عن طريق تتبع هاتفه الذي سرقته مسب
*في كنداخرج "نك" من مرحاض الغرفة القاطن بها بأحد الفنادق الشهيرة هناك، فهو لم يَرِد أن يُقِم في القصر الخاص بالداهية؛ حتى يكن لديه شهود بأنه منذ أن تم الحجز باسمه وهو نزيل تلك الغرفة وبالطبع ميعاد الحجز كان قبل ضبط حقيبة متفجراته ضمن محتويات الشحنة الخاصة ب"سام". أما عن الشهود فهو ليس بحاجة لهم، ولِم قد يحتاجهم ولَم يتم ذكر اسمه في القضية من الأساس!! والتسجيل الذي كان "چاسم" يعتمد عليه كسند واهي، قد حصل عليه رجاله قبل وصوله هو و"هانز" إلى ساحة القضاء.فبرغم عدم اعتداد هيئة المحلفين بهذا التسجيل كونه سُجِل بدون إذن نيابة، إلا أنه كان من الممكن أن يثر جلبة ويوجه الأنظار إليه.وبما أن ما كان يعتمد عليه محامي الدفاع الخاص ب"سام" لم يعد له وجود. فلا يمكن لأي محامٍ ولو مبتدأ أن يأت على ذكر إناس أبرياء كذئبنا "نك" في قضية كهذه بدون دليل.وإلا عرض هذا المحامي حاله هو وموكله إلى التنديد من قبل هذا الرجل المحترم "نك"، وربما رفع دعوى إدعاء ورد اعتبار ضد كليهما، وهذا قد يؤدي إلى تحميل الموكل وهو "سام" مبلغ مالي كبير كتعويض. أما بخصوص المحامي فبذلك سيوقع حاله بورطة كبيرة كأن يتم إيقافه عن مزا
عند هذه النقطة انتبه على حاله يبتعد عنها، مناجياً ربه طالباً المغفرة على ما لا يملك، فقلوبنا ليست بإيدينا بل بيد بارئها يقلبها كيفما يشاء، ويألفها بمن يشاء. تحمحم سام محاولاً تحطيم تلك الحلقة التي استحكمت لتربطهما معًا، محاولاً بغشم التطرق إلى صلب الموضوع كوسيلة لقطع الجسر الذي مده الشيطان بينهما، قائلاً: -مَن هو؟! وكيف فعلها ليجعلك تتمنين الرجوع بالزمن لتفعلي به ما فعلتِ؟! اعتدلت "سيدرا" في جلستها، وارتكزت ببصرها على نقطة ما في الفراغ شاخصة بها، وكأنها انفصلت عما حولها، تستكمل باقي فصول روايتها التي حتماً انتهت نهاية مأساوية فوجودهما معًا على متن الطائرة مغلليْن بهذه القيود دليل على إسدال الستار بموت وقتل وسجن: -منذ أربعة أعوام كنت أنا و"سالي" بآخر يوم لنا بالمدرسة الثانوية، وآخر مادة لنا بالامتحانات. -شَعرتْ حينها بوعكة جراء إجهاد كلانا في المذاكرة فقد وضع والدنا أملاً علينا في أن نكلل تعبهما وكفاحهما من أجلنا. -فقد كانا يقتصدان من احتياجاتهما في سبيل تأمين مصروفات المدرسة "الإنترناشونال" التي ألحقانا بها أنا و"سالي"، لذا كنا نبذل قصارى جهدنا من أجل أن نكن عند حسن ظنه
الأمان لحظات إنصات غالية تجعل القلوب قادرة على التنفس.وهذا ما نحن بصدده الآن.فبطلتنا الوقحة "سيدرا" جنت عليها المواقف وحولتها الأشخاص.سؤال نطق به "سام" وكان جوابها أنني أشعر معك بالأمان والراحة.يا الله كم أبدعت في التعبير!فتناغم الأرواح وتواصلها يكمن في الكلمات الثلاثة تلك:شعور - أمان - راحة.عقَّب على جوابها، وها قد هامت روحه بعينيها، فنطق لسانه بما شعر به:-اتصرف كيف دلوك يا جلب "سام"؟! -أي "ماذا أفعل الآن يا قلب "سام"؟! ابتسمت وقد التقطت من جملته كلمتين احتارت في تفسير الأولى ولكن هداها قلبها إلى معناها، فما نطق به لسانه فسرته نظرة عينيه، رددت داخلها:- نعم، هو يعنيها ب"قلب سام". يا لا تعاستك "سام" أنت تفضي وهي تنتقي وتفسر أهذا من حسن حظها، أم من سوء طالعك.تحمحم يجلي صوته، يبتعد مرةً أخرى بناظريه عن مرمى فيروزيتيها، قائلاً:-لَم تخبريني عمَّ أوصلك إلى ما أنت به الآن!!ومن ثم ارتد ببصره إليها يلتمسها النفي، وهو يستطرد مستفسرًا:-هل حقًا قتلتِ؟!أومأت بالإيجاب والغريب أنه لم يلمح بعينيها ولا ذرة ندم، ولكنها قالت بإبهام:-بمفهومهم قتلت، ولكن الحقيقة أنني حققت العدالة، ولو عا
قطبت جبينها، تتسائل بعدم فهم:-يمكنني ماذا؟!"سام" بإيضاح:-كيف لفتاة في مثل عمرك أن تُقبِل على القتل، وليس لمرة واحدة بل لمرتين كما ذكر الضابط!!-لازلتِ صغيرة على ما يبدو، لِم قررت أن تقضي حياتك بأكملها في السجن؟! -ما الذي قد يدفعك إلى فعل هذا؟!ابتسمت بزاوية فمها تقول بسخرية:-انظروا من يسأل؟! وهل أنت ذاهباً لقضاء عطلة في جزر البهاما؟! الحال من بعضه يا رفيق."سام" بفضول:-دعينا مني الآن، وأخبريني ما قصتك.سبت تحت أنفاسها، فهي من أرادت أن تعرف عنه، لا أن يأتِ هو على ذكر مواجعها ومآسيها ويذكرها بها، ولكنها قالت بمقايضة:-حسناً سأشبع فضولك، ولكن بعدها ستخبرني ما قصتك.أومأ بإيجاب، وهو يبتعد بعينيه عنها فقربها منه إلى هذا الحد، وجلوسها بأريحية وذراعيهما المكبلين جنباً إلى جنب، والتلامس الذي حدث دون عمد من الطرفين أثار حفيظته؛ لينكمش على حاله بمقعده محاولاً تفادي أي تقارب قدر الإمكان.احتارت في أمر الجالس إلى جوارها. هي بالفعل لم تتعمد التقرب منه برغم انبهارها به، ولكن نفوره هذا جعلها تسأل بسفور:-هاااي، أنت؟! ما بك؟! لم كل هذا التحفظ؟!-ألست جذابة إلى هذا الحد بنظرك أم إنك مثلي؟!ارتد
"سيدرا" بحاجبٍ مرفوع، وباتت تشك بأمر تلك اللغة الغريبة، فأردفت متسائلة:-ماذا؟! "سام" باستدراك:-أعني اصمتي، سحقاً لما سنلقى من عقاب. "سيدرا" بأعين جاحظة، قائلة باستنكار:-عن أي عقابٍ تتحدث؟! ومن ثم أشارت إلى هيئته، مستكملة بتعجب:-ألا تنظر في المرأة يا رجل؟! أنت إذا تجشأت في وجههم سيعودون بطن أمهاتهم وكأنهم لم يولدوا بعد. اعتبر هذا ثناء ومدح؛ فتدرج وجهه بحمرة الخجل ليتهرب بنظراته عنها. مما أثار فضولها كثيراً؛ لتعرف عنه المزيد وهي في قمة الغرابة والعجب أيوجد من هم مثله، أم أنه آخر الرجال المحترمين؟! رفعت يدها تدير وجهه إليها، فزاد توتره وزاغت عينه، وربما ارتفعت حرارته قليلاً، فسألته بفضول:-ما بك؟! ولِمَ تتحاشى النظر إليَّ؟! تهتهة أصابت "سام" فبرغم لباقته وصرامته في العمل، وشخصيته التي كانت تظهر خفة ظلها مع المقربين إليه.إلا أن عزيزنا "سام" يختلف كلياً عن جميع أبطالنا، فإذا أطلقنا على "ريكا" زير النساء، وعلى "أريان" ذو العلاقات المتعددة، و"نك" السادي، فيمكننا أن نطلق على "سام" فاقد التجارب. نعم فلا تجارب له لا بالحب ولا علم له بمتطلبات العلاقة الحميمية، وذلك ليس لعلة، فهذا ال
قهقه "نيكولاس" يسخر في قرارة نفسه من عجرفة الآخر، وكل منهما يضمر الشر لمثيله مقرراً أن الأمهر من سيسود بالأخير، وكلاهما على ثقة بنجاح مخططاته. "نيكولاس" منهياً مكالمته بودٍ زائف، فقد بات القابع أمامه بآخر مراحل التسوية بل وجاهز للالتهام:-حسناً يا عزيزي، سأعرض عليه الأمر ربما ينتهز تلك الفرصة التي
مد يده إلى جيب منطاله يخرج علبة لفائفه ملتقطاً إحداها يشعلها بتمهلٍ مميت، زافراً دخانها لأعلى ببطئ، وبدأت هي بالاشتعال مع تبغ سيجارته تهز ساقها دليل على نفاذ صبرها.فأشاح بنظره إلى الجهة الأخرى وعاد ليتوسد ذراعه اليمنى وسيجارته ما بين أصابع يده اليسرى على الجانب المتصلبة به تناظره باستشاطة، فانزلق
*في سجن الجزيرة. ممدٌ على تخته بعنبر المتابعة عاقدًا ذراعيه خلف رأسه يتوسدهما، والآخرون صامتون ساكنون مطبقي الجفون.وهو يراقبها بأعين ترصد أدق تفاصيلها، معجب تارة غيور أخرى وذلك عندما تتحدث مع أحدهم أو تستفسر عن وضعه.يتعجب ويتسائل كيف لها أن تكن بكل هذا الجمال والرقة وعذوبة الصوت، تتنقل بين الأسر
بينما من خرج برأسٍ مطرق بخزي بعد أن سمح له "أرثر" بأخذ ذلك المسجل معه، ولم يثبت حالة بدخوله به إلى مبنى الأمن العام. وذلك ليس لأجله، فهو لم يرد أن يزيدها على "سام" الذي تكاتل عليه الأوغاد منهم المجبر ك"چاسم" ومنهم المنتقم وهو الداهية، وآخر ذو مصلحة والمقصود هنا "نك". وهذا بعد أن أخبره أن كل ما فع







