مشاركة

الفصل الرابع

مؤلف: ريتا رضا
last update تاريخ النشر: 2026-08-06 00:55:48

تسللت أشعة الشمس الأولى عبر الستائر المخملية الداكنة، لترسم خطوطاً باردة على أرضية الجناح. فتحت وتين عينيها المجهدتين لتجد نفسها انكمشت على طرف السرير طوال الليل، بجسد منهك يعتصره الألم وآثار أصابع أيهم القاسية على بشرتها العاجية.

​التفتت بنظرتها نحو الأريكة؛ كان أيهم قد غادر الجناح بالفعل، ولم يبقَ منه سوى رائحة عطره النفاذ ونبيذه المعتق التي لا تزال تملأ المكان.

​نهضت ببطء وصعوبة، تلمس جسدها المنهك وتعدل ثوب الخدم الرمادي. لم يكن أمامها وقت لالتقاط أنفاسها، فصوت خطوات "أم سعد" الصارمة في الممر كان ينذر ببدء يوم جديد من العذاب.

​فتحت أم سعد باب الجناح بالمفتاح الاحتياطي، ونظرت إلى وتين بنظرة جافة خالية من الشفقة:

"إن انتهيتِ من التباكي، انزلي فوراً لتنظيف الأجنحة السفلية قبل أن يستيقظ ضيوف الباشا. عملكِ اليوم في جناح الآنسة كرمة."

​انقبض قلب وتين لدى سماع الاسم، لكنها هزت رأسها بالمرغمة ونزلت إلى الدور السفلي.

​في جناح الضيوف الفاخر، كانت كرمة الهاشمي تقف أمام المرآة الكبيرة تتأمل فستانها الزمردي جديد التصميم، وعيناها تنضحان بشرارة الانتقام. لم تستطع النوم ليلتها وهي تفكر في طريقة احتجاز أيهم لوتين في جناحه الخاص؛ كانت تعلم أن كره أيهم لوتين لا يخلو من رغبة مظلمة وشغف محرم يهدد مكاسبها وسيادتها على هذا القصر.

​سمعت طلقات خفيفة على الباب، فابتسمت ابتسامة خبيثة وأسرعت بوضع علبة مجوهراتها المخملية على الطاولة التسريحة، وتحديداً عقداً الماسياً نادر الوجود، أهداه لها أيهم في وقت سابق.

​فتحت الباب لتجد وتين تقف وبيدها أدوات التنظيف.

​"أوه.. الخادمة الجديدة بنفسها جاءت لتنظيف جناحي؟" قالتها كرمة بنبرة مائعة مليئة بالاستصغار. "ادخلي يا هذه.. واحرصي على عدم لمس أي من أشيائي الثمينة، فأنتم الفقراء تجرون خلف البريق بسهولة."

​تجاهلت وتين كلامها المسموم ودخلت بخطوات هادئة لتبدأ بعملها في تنظيف الأرضيات والمسح. كانت كرمة تتحرك في الغرفة وتتظاهر بالانشغال بهاتفها، تراقبه من طرف عينها وهي تنتظر اللحظة المناسبة.

​خرجت كرمة من الغرفة بحجة الحديث في الهاتف مع أحد المتعهدين، ثم توجّهت مباشرة نحو المجلس الرئيسي حيث كان أيهم يجلس بشعره المصفف وعينيه الساهرتين، يرتشف قهوته السوداء وهو يراجع بعض الأوراق المالية برفقة جسار.

​فجأة، اختلقت كرمة صرخة مدوية هزت أرجاء الدور السفلي!

​ركضت نحو المجلس وهي تمسك برأسها وتتظاهر بالصدمة والذهول:

"أيهم! أيهم عزيزي.. انقذني! عقدي الماسي.. عقد العائلة التاريخي قد اختفى من الغرفة!"

​رفع أيهم رأسه ببطء، وعيناه الزرقاوان تشتعلان ببرود حاد: "ماذا تقولين يا كرمة؟"

​"لقد كان على الطاولة قبل قليل!" قالتها وهي تتصنع البكاء وتقترب منه لتسند جسدها عليه: "لم يدخل غرفتي سوى تلك الفتاة.. وتين! هي الوحيدة التي كانت تتواجد هناك منذ الصباح لتنظيف الغرفة!"

​نهض أيهم من مقعده بكبرياء صارم، والشرار يتدفق من عينيه، بينما ابتسم جسار بسخرية وهو يتابع المسرحية.

​"ادعي الجميع إلى الصالة الرئيسية.. أم سعد وكل الخدم،" أمر أيهم بصوت كالرعد.

​بعد دقائق، كانت وتين تقف في منتصف الصالة الكبرى، محاطة بأم سعد وسعاد والخدم، بينما يقف أيهم أمامها كالقاضي والجلاد، وبجانبه كرمة تبتسم بنصر خفي.

​"هل أخذتِ العقد يا وتين؟" سأل أيهم بصوت خفيض ومرعب يسبر أغوار روحها.

​رفعت وتين رأسها وثبّتت عينيها الكحيلتين في عينيه الجليديتين دون تردد:

"لم ألمس شيئاً ليس لي يا أيهم.. أنا لست سارقة."

​تقدمت كرمة بقسوة: "يكفي كذباً! فتشوا ثوبها ومكان نومها في الملحق!"

​قبل أن تتحرك أم سعد، أشار أيهم بيده ليوقف الجميع، ثم خطى خطوات ثقيلة نحو وتين حتى أصبح بينهما شبر واحد. انحنى لمستواها، ورائحة التبغ والسطوة تفوح منه، ثم امتدت يده ليقبض على معصمها بضغط قاسي.

​"إن ثبتت عليكِ التهمة يا وتين.." همس قريباً جداً من أذنها بصوت ينبض بالوعيد: "فلن يكون عقابكِ حريتكِ ولا السجن.. بل سأعلمكِ معنى الطغيان الحقيقي في هذا القصر."

ساد الصمت القاعة الكبرى، وأنفاس الجميع معلقة بين صرامة أيهم الشديدة ونظرات وتين المليئة بالتحدي المتألم. لم يرفع أيهم عينيه الجليديتين عن وجه وتين، وكان ضغطه على معصمها يزداد قسوة مع كل ثانية تمر، وكأنه يقيس مدى صمودها أمام هذا الاتهام.

​"أم سعد!" نادى أيهم بصوت صارم هزّ أرجاء القاعة دون أن يلتفت. "خذي سعاد واذهبي فوراً إلى الغرفة التي تنام فيها وتين في الملحق الخلفي. فتشوا كل شبر فيها.. لا تتركا زاوية دون تدقيق."

​انحنت أم سعد بطاعة: "أمرك يا باشا."

​انسحبت أم سعد تتبعها سعاد التي كانت ابتسامتها الشامتة تكاد تضيء وجهها. في هذه الأثناء، كانت كرمة تقف بجانب أيهم تتصنع القلق والحزن، واضعة يدها على ذراعه بتملّك وهي تهمس:

"أنا لا يهمني العقد بقدر ما تهمني هيبة هذا القصر يا أيهم.. كيف نأمن على أنفسنا وأغراضنا وفي بيت سيرتك فتاة بهذه الجرأة؟"

​نظرت إليها وتين بنظرة شزراء، وردّت بنبرة حادة رغم قبضة أيهم المحكمة على يدها:

"من يبحث عن الهيبة لا يلجأ للمكائد الرخيصة يا آنسة كرمة! أنا لم أطأ جناحكِ إلا لتنفيذه أوامر العمل، وعيناي لم تقعا على عقدكِ المزعوم."

​نخس أيهم معصمها بقوة أكبر جعلت وتين تتأوه رغماً عنها، وقال بنبرة مسمومة:

"صوتكِ لا يرتفع في حضوري يا وتين! سأنظر في أمر لسانكِ هذا بعد أن يظهر الحق."

​مرت عشر دقائق كانت كأنها أعوام على وتين. كان جسار يجلس على أحد الكراسي المذهبة يرتشف من كأسه بلامبالاة مستمتعاً بالعرض، بينما كانت مريم تقف بين الخادمات في الخلف تفرك يديها بخوف واشتمام للظلم الذي يحيق بـ وتين.

​فجأة، عادت أم سعد وبيدها علبة مخملية كحلية، وتتبعها سعاد بنظرة نصر واضحة.

​"وجدناها يا باشا!" قالت سعاد بصوت عالٍ وهي تتقدم نحو المجلس. "كان العقد ملفوفاً داخل قطعة قماش رمادية، ومخفياً تحت مرتبة السرير المهترئة في غرفة وتين!"

​شهقت مريم في الخلف، بينما انطلقت ابتسامة انتصار شريرة من شفتي كرمة وهي تصيح:

"ألم أقل لك يا أيهم؟! العاهرة سرقت عقدي الماسي!"

​تجمّد الدم في عروق وتين، وشحبت ملامحها بالكامل. اتسعت عينها الكحيلتان بصدمة وهي تنظر إلى العلبة، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى أيهم الذي تحولت عيناه الزرقاوان إلى ظلمة عاتية تشبه عاصفة مدمرة.

​"هذا كذب!" صرخت وتين وهي تحاول الفكاك من قبضته بكل قوتها: "والله لم أأخذه! كرمة هي من وضعت العقد هناك لتدمرني! أيهم صدقني.. أنا لا أسرق!"

​لكن أيهم لم يعطها مجالك للدفاع. قبض على ذراعها الأخرى بقوة قاسية وجذبها إليه حتى التصق صدرها بجسده الصلب. كانت أنفاسه الغاضبة تصطدم بوجهها الشاحب، ونظرته لا تحمل سوى الرغبة في التدمير والإهانة.

​"كنتِ تظنين أنكِ أكبر من أن تنكسري.." همس أيهم بصوت خفيض ينبض بالشر، وعيناه تسبران أغوار روحها الخائفة. "لكنكِ مجرد سارقة رخيصة تشترين دناءتكِ بقشرة من الكبرياء الزائف."

​التفت أيهم نحو أم سعد وأمر بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:

"انقلي كل أغراضها من الملحق.. ابتداءً من اليوم، مكان نوم وتين لن يكون في غرف الخدم، بل في مخزن الحطب السفلي تحت الجناح الرئيسي! بلا سرير وبلا غطاء."

​ثم نظر إلى وتين بعينين تشتعلان بلذة الانتقام والقسوة:

"أما عملكِ اليومي.. فسيكون تنظيف القصر بالكامل بيدكِ، وحمل الحطب وتجهيز غرفتي وموقد كرمة بنفسكِ. ستتعلمين كيف تجثين على ركبتيكِ يا ابنت الفارس.. ليس طلباً للرحمة، بل طلباً للهواء الذي تتنفسينه!"

​جرّها خلفه برعونة وسط القاعة، متجاهلاً دموعها التي انسابت رغماً عنها، وضحكات كرمة التي ملأت المكان بالنصر.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل حادي والعشرين

    عادت مريم بخطوات سريعة، تحمل كوباً من الماء البارد ورشة صودا، وقلبها يخفق بقلق على صديقتها التي بدت وكأنها على وشك الانهيار. وصلت إلى الزاوية التي تركت فيها وتين، لكنها توقفت فجأة...​نظرت حولها، الكرسي كان فارغاً، والمكان ساكناً تماماً إلا من صوت الموسيقى الصاخبة القادم من بعيد.​"وتين؟" نادت مريم بصوتٍ خافت، ثم رفعت صوتها قليلاً، "وتين، أين أنتِ؟ أنا هنا!"​لا رد. تقدمت مريم بخطوات متعثرة وبدأت تبحث خلف الأشجار وفي الظلال القريبة من جدران الحديقة. ازداد قلبها خفقاناً، فبدأت تركض باتجاه المخرج، ثم عادت تبحث عند سور القاعة. لم تجد لها أثراً، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها في لمح البصر! مرت الساعات، ومريم تبحث بجنون، والليل يزداد قتامة، حتى بدأت تشعر بأنها ستفقد صوابها.​في مكانٍ آخر... بعيداً عن أضواء الحفلة وصخب الأغنياء.​استيقظت وتين ببطء، وكأنها كانت تغط في نومٍ عميق لعدة ساعات. شعرت بجسدها ملقى على أرضية خشبية قاسية، وحاولت تحريك يديها لتجد أنها مربوطة بقوة خلف ظهرها بحبل خشن. فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة فارغة تماماً، لا نافذة لها، والجدران داكنة توحي بأنها في قبو معزول.​"آآآآ

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل عشرون:

    سقطت قبعة التخرج في الهواء مع مئات القبعات الأخرى، لكن وتين لم تكن تنظر إلى السماء احتفالاً، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق بنظرة مختلفة تماماً. بين هتافات الخريجين والدموع المتناثرة، كانت هي تقف بثبات، تمسك شهادتها بقوة حتى ابيضت أناملها. تلك الورقة لم تكن مجرد إثبات لنهاية سنوات الدراسة، بل كانت تذكرة العبور الأولى نحو خريطتها الجديدة... خريطة الانتقام.​ارتدت ثوب الخريجين الأسود كأنه درع حربي، وقفت لالتقاط الصورة الأخيرة وهي تبتسم ابتسامة غامضة، ابتسامة امرأة تطبخ نصرها على نار هادئة. لم تأبه لغياب من خذلوها، بل على العكس، كان غيابهم ينفخ في جمر عزيمتها.​مرت شهور من العمل الدؤوب والتخطيط الصارم. لم تعد وتين تلك الفتاة التي تسكب الدموع على الماضي؛ سهرت الليالي تسكب بدلاً منها الحبر والخطط الماليّة. استغلت كل ذكائها وعلاقاتها البسيطة لتسلق السلم خطوة بخطوة، حتى بزغ اسم مشروعها الخاص في السوق. في فترة قياسية، وبفضل جرأتها وحسها التجاري العالي، أصبحت وتين أصغر امرأة أعمال تتسلل بثبات إلى عالم المال والأعمال.​لم يكن طريقها مفروشاً بالورد، لكن مرارة الخيانة جعلت ذوق النجاح حاداً ولدي

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل التاسع عشر:

    مشاتل البرد تبسط ظلالها على شوارع العاصمة، والنسيم العليل يحرك أطراف الثوب الأسود الذي يلتصق بـ وتين كوشاح حداد لا يزول. ​نهضت وتين مع بزوغ الصباح المتعب. ارتدت معطفها الداكن الفاخر ببطء، وجمعت شعرها الأسود المنسدل بجمود، ثم وضعت حقيبتها على كتفها وتوجهت بخطوات هادئة نحو مدرجات الجامعة. كانت تفاصيل يومها تسير بنفس الإيقاع الروتيني البارد؛ استمعت للمحاضرات بصمت، وتجاهلت همسات الزملاء الذين اعتادوا رؤية هذه الحزينة الموشحة بالسواد، ثم استأذنت وغادرت الكلية مبكراً قبل زحمة الظهيرة. ​اختارت وتين طريق العودة القديم، ذلك الطريق الالتفافي الهادئ الذي يقطع أطراف الغابة المتاخمة للحي، حيث كانت الأشجار الكثيفة تخفف من ضجيج السيارات وتمنحها مساحة للاختلاء بآلامها. ​كانت تسير فوق الأوراق الجافة الصافرة، وتسمع صرير الرياح بين أغصان الصنوبر. وفجأة! لمحت من بعيد ظل رجل يجلس على جذع شجرة عتيق، وحوله بضعة خرفان ترعى في المساحة العشبية الصغيرة. ​انقبض صدر وتين بالخوف. تراجعت خطوة إلى الخلف، وأمسكت بياقة معطفها وهي تتأهب للالتفاف والركض بعيداً عن هذا الغريب في هذا الطريق الخالي. ​لكن... شق الصمتَ صو

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل الثامن عشر:

    خيّم الحزن الأسود على قلب وتين كليل سرمدي لا تشرق له شمس. مرت الأيام والأسابيع ثقيلة كالرصاص، أُقيمت فيها جنازة غيابية حاشدة لـ أيهم الجارحي بعد أن فشلت فرق الإنقاذ في العثور على جثته وسط حطام سيارته التفحمة في قاع الجرف الجبلي. ​كانت الجنازة رسمية وباردة؛ حضرها رجال الأعمال والإعلاميون، وبكت فيها إيلا دموع التماسيح أمام أجهزة التصوير، بينما كانت وتين تتابع العزاء عبر شاشة التلفاز الصغيرة في شقتها المتواضعة، تختنق بعبراتها وهي تلف رأسها بشال أسود، تتذكر كيف انتهت حياة ذلك الجلاد المارد الذي شغل مراهقتها وعذب شبابها، متمنية لو أن أفعال القسوة لم تكسر قلبه وتدفعه نحو تلك الهاوية. ​مع مرور الأشهر، بدأت الموازين تتكشف على حقيقتها الخبيثة. ​تعافى جسار من إصابة كتفه بعد سلسلة من العمليات الجراحية، ليقبض بقبضة من حديد على مقاليد شركة "الجارحي القابضة" التي جردها من اسم صاحبها الأول. أما شاهين، فقد أصيب بشلل جزئي في قدمه إثر طلقة أيهم النارية، وأصبح يتحرك على كرسي متحرك، يداري خيبته وعجزه خلف صفقات الشركة المشبوهة. ​ولم يمضِ وقت طويل حتى انكشف السر الأكبر؛ عقد جسار قرانه رسمياً على إيل

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السابع عشر:

    ساد القاعة صمتٌ أثقل من ظلال الموت. كانت كلمات جسار وضحكاته المسمومة تتردد في أرجاء الطابق الخمسين كصفير الرياح في مقبرة مهجورة.​تسمّر أيهم في مكانه لثوانٍ معدودة. كان ينظر إلى الورقة الموقّعة بيده، ثم إلى وجه شاهين البارد، وأخيراً إلى عينَي جسار المليئتين باللؤم والشفاء. في تلك اللحظة، لم تعد العينان الزرقاوان تنبضان بالبرود الجليدي، بل تحولتا إلى جمرين من السواد المشتعل. غاب عن عقله كل منطق، وتلاشت سطوة رجل الأعمال، ليحل محلها وحشٌ جريح استُثير كبرياؤه وقُطع شريان نفوذه.​بدون مقدمات، تحرك أيهم كالصاعقة.​اقترب من طاولة الاجتماعات الزجاجية الضخمة، وبحركة واحدة قاسية من يده الفولاذية، قلب الطاولة بالكامل لترتطم بالأرضية الرخامية وتتهشم إلى ألف قطعة متناثرة! تطايرت الشاشات والملفات في الهواء، وأحدث الانفجار الزجاجي دوياً أرجف أركان الطابق كله!​تراجع شاهين برعب خطوة إلى الخلف، بينما قفز جسار من كرسيه وهو يصيح بذعر: "أيهم! هل جننت؟!"​لم يرُد أيهم بكلمة. استدار ببطء نحو مكتبه الخاص الملحق بالقاعة، وخطواته الثقيلة تهز الأرضية. دخل المكتب، وفتح الخزانة الخشبية السريّة ليخرج منها عصا بيس

  • سلاسل من حرير ورماد    الفصل السادس عشر: اهتزاز العرش

    استيقظ أيهم في صباح اليوم التالي وشعورٌ مبهم بثقل الصدر يراوده، كأنما تحيط به هالة من الشؤم لا يدري مصدرها.​ارتدى بدلة كحيلية داكنة، ورغم أنه كان يجلس في شرفة الفيلا الفاخرة يحتسي القهوة التي أعدتها إيلا، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتطلعان إلى الفراغ. لم تعد ضحكات إيلا ولا دلالها المبالغ فيه قادرين على طرد ذلك السواد الدفين الذي يتسلل إلى أعماقه. لقد مسح من ذاكرته اسم "وتين"، ودفن القسوة التي مارسها عليها في زوايا النسيان، لكن عقله الباطن كان يشعر بأن هناك قطعة مفقودة في حياته.. وأن الثمن الذي تدفعه إمبراطوريته يزداد كل يوم.​قَبّل إيلا على رأسها بجمود خفيف وقال بنبرة جافة:"سأذهب إلى المقر الرئيسي للشركة اليوم يا إيلا.. هناك اجتماعات مؤجلة يجب أن أحضرها بنفسي."​ظهرت لمحة رعب خاطفة في عيني إيلا، لكنها سرعان ما أخفتها بابتسامة ناعمة مطاطية:"كما تشاء يا حبيبي.. اذهب واطمئن، أنا بانتظارك."​بمجرد أن أغلقت بوابة الفيلا خلف سيارة أيهم، أخرجت إيلا هاتفها فوراً واتصلت بـ جسار.​"جسار!" قالت إيلا بنبرة مشدودة: "أيهم في طريقه إلى المقر الرئيسي! لقد تحرك فجأة دون تخطيط.. هل أتممتم نقل العق

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status