LOGINتسللت أشعة الشمس الأولى عبر الستائر المخملية الداكنة، لترسم خطوطاً باردة على أرضية الجناح. فتحت وتين عينيها المجهدتين لتجد نفسها انكمشت على طرف السرير طوال الليل، بجسد منهك يعتصره الألم وآثار أصابع أيهم القاسية على بشرتها العاجية.
التفتت بنظرتها نحو الأريكة؛ كان أيهم قد غادر الجناح بالفعل، ولم يبقَ منه سوى رائحة عطره النفاذ ونبيذه المعتق التي لا تزال تملأ المكان. نهضت ببطء وصعوبة، تلمس جسدها المنهك وتعدل ثوب الخدم الرمادي. لم يكن أمامها وقت لالتقاط أنفاسها، فصوت خطوات "أم سعد" الصارمة في الممر كان ينذر ببدء يوم جديد من العذاب. فتحت أم سعد باب الجناح بالمفتاح الاحتياطي، ونظرت إلى وتين بنظرة جافة خالية من الشفقة: "إن انتهيتِ من التباكي، انزلي فوراً لتنظيف الأجنحة السفلية قبل أن يستيقظ ضيوف الباشا. عملكِ اليوم في جناح الآنسة كرمة." انقبض قلب وتين لدى سماع الاسم، لكنها هزت رأسها بالمرغمة ونزلت إلى الدور السفلي. في جناح الضيوف الفاخر، كانت كرمة الهاشمي تقف أمام المرآة الكبيرة تتأمل فستانها الزمردي جديد التصميم، وعيناها تنضحان بشرارة الانتقام. لم تستطع النوم ليلتها وهي تفكر في طريقة احتجاز أيهم لوتين في جناحه الخاص؛ كانت تعلم أن كره أيهم لوتين لا يخلو من رغبة مظلمة وشغف محرم يهدد مكاسبها وسيادتها على هذا القصر. سمعت طلقات خفيفة على الباب، فابتسمت ابتسامة خبيثة وأسرعت بوضع علبة مجوهراتها المخملية على الطاولة التسريحة، وتحديداً عقداً الماسياً نادر الوجود، أهداه لها أيهم في وقت سابق. فتحت الباب لتجد وتين تقف وبيدها أدوات التنظيف. "أوه.. الخادمة الجديدة بنفسها جاءت لتنظيف جناحي؟" قالتها كرمة بنبرة مائعة مليئة بالاستصغار. "ادخلي يا هذه.. واحرصي على عدم لمس أي من أشيائي الثمينة، فأنتم الفقراء تجرون خلف البريق بسهولة." تجاهلت وتين كلامها المسموم ودخلت بخطوات هادئة لتبدأ بعملها في تنظيف الأرضيات والمسح. كانت كرمة تتحرك في الغرفة وتتظاهر بالانشغال بهاتفها، تراقبه من طرف عينها وهي تنتظر اللحظة المناسبة. خرجت كرمة من الغرفة بحجة الحديث في الهاتف مع أحد المتعهدين، ثم توجّهت مباشرة نحو المجلس الرئيسي حيث كان أيهم يجلس بشعره المصفف وعينيه الساهرتين، يرتشف قهوته السوداء وهو يراجع بعض الأوراق المالية برفقة جسار. فجأة، اختلقت كرمة صرخة مدوية هزت أرجاء الدور السفلي! ركضت نحو المجلس وهي تمسك برأسها وتتظاهر بالصدمة والذهول: "أيهم! أيهم عزيزي.. انقذني! عقدي الماسي.. عقد العائلة التاريخي قد اختفى من الغرفة!" رفع أيهم رأسه ببطء، وعيناه الزرقاوان تشتعلان ببرود حاد: "ماذا تقولين يا كرمة؟" "لقد كان على الطاولة قبل قليل!" قالتها وهي تتصنع البكاء وتقترب منه لتسند جسدها عليه: "لم يدخل غرفتي سوى تلك الفتاة.. وتين! هي الوحيدة التي كانت تتواجد هناك منذ الصباح لتنظيف الغرفة!" نهض أيهم من مقعده بكبرياء صارم، والشرار يتدفق من عينيه، بينما ابتسم جسار بسخرية وهو يتابع المسرحية. "ادعي الجميع إلى الصالة الرئيسية.. أم سعد وكل الخدم،" أمر أيهم بصوت كالرعد. بعد دقائق، كانت وتين تقف في منتصف الصالة الكبرى، محاطة بأم سعد وسعاد والخدم، بينما يقف أيهم أمامها كالقاضي والجلاد، وبجانبه كرمة تبتسم بنصر خفي. "هل أخذتِ العقد يا وتين؟" سأل أيهم بصوت خفيض ومرعب يسبر أغوار روحها. رفعت وتين رأسها وثبّتت عينيها الكحيلتين في عينيه الجليديتين دون تردد: "لم ألمس شيئاً ليس لي يا أيهم.. أنا لست سارقة." تقدمت كرمة بقسوة: "يكفي كذباً! فتشوا ثوبها ومكان نومها في الملحق!" قبل أن تتحرك أم سعد، أشار أيهم بيده ليوقف الجميع، ثم خطى خطوات ثقيلة نحو وتين حتى أصبح بينهما شبر واحد. انحنى لمستواها، ورائحة التبغ والسطوة تفوح منه، ثم امتدت يده ليقبض على معصمها بضغط قاسي. "إن ثبتت عليكِ التهمة يا وتين.." همس قريباً جداً من أذنها بصوت ينبض بالوعيد: "فلن يكون عقابكِ حريتكِ ولا السجن.. بل سأعلمكِ معنى الطغيان الحقيقي في هذا القصر." ساد الصمت القاعة الكبرى، وأنفاس الجميع معلقة بين صرامة أيهم الشديدة ونظرات وتين المليئة بالتحدي المتألم. لم يرفع أيهم عينيه الجليديتين عن وجه وتين، وكان ضغطه على معصمها يزداد قسوة مع كل ثانية تمر، وكأنه يقيس مدى صمودها أمام هذا الاتهام. "أم سعد!" نادى أيهم بصوت صارم هزّ أرجاء القاعة دون أن يلتفت. "خذي سعاد واذهبي فوراً إلى الغرفة التي تنام فيها وتين في الملحق الخلفي. فتشوا كل شبر فيها.. لا تتركا زاوية دون تدقيق." انحنت أم سعد بطاعة: "أمرك يا باشا." انسحبت أم سعد تتبعها سعاد التي كانت ابتسامتها الشامتة تكاد تضيء وجهها. في هذه الأثناء، كانت كرمة تقف بجانب أيهم تتصنع القلق والحزن، واضعة يدها على ذراعه بتملّك وهي تهمس: "أنا لا يهمني العقد بقدر ما تهمني هيبة هذا القصر يا أيهم.. كيف نأمن على أنفسنا وأغراضنا وفي بيت سيرتك فتاة بهذه الجرأة؟" نظرت إليها وتين بنظرة شزراء، وردّت بنبرة حادة رغم قبضة أيهم المحكمة على يدها: "من يبحث عن الهيبة لا يلجأ للمكائد الرخيصة يا آنسة كرمة! أنا لم أطأ جناحكِ إلا لتنفيذه أوامر العمل، وعيناي لم تقعا على عقدكِ المزعوم." نخس أيهم معصمها بقوة أكبر جعلت وتين تتأوه رغماً عنها، وقال بنبرة مسمومة: "صوتكِ لا يرتفع في حضوري يا وتين! سأنظر في أمر لسانكِ هذا بعد أن يظهر الحق." مرت عشر دقائق كانت كأنها أعوام على وتين. كان جسار يجلس على أحد الكراسي المذهبة يرتشف من كأسه بلامبالاة مستمتعاً بالعرض، بينما كانت مريم تقف بين الخادمات في الخلف تفرك يديها بخوف واشتمام للظلم الذي يحيق بـ وتين. فجأة، عادت أم سعد وبيدها علبة مخملية كحلية، وتتبعها سعاد بنظرة نصر واضحة. "وجدناها يا باشا!" قالت سعاد بصوت عالٍ وهي تتقدم نحو المجلس. "كان العقد ملفوفاً داخل قطعة قماش رمادية، ومخفياً تحت مرتبة السرير المهترئة في غرفة وتين!" شهقت مريم في الخلف، بينما انطلقت ابتسامة انتصار شريرة من شفتي كرمة وهي تصيح: "ألم أقل لك يا أيهم؟! العاهرة سرقت عقدي الماسي!" تجمّد الدم في عروق وتين، وشحبت ملامحها بالكامل. اتسعت عينها الكحيلتان بصدمة وهي تنظر إلى العلبة، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى أيهم الذي تحولت عيناه الزرقاوان إلى ظلمة عاتية تشبه عاصفة مدمرة. "هذا كذب!" صرخت وتين وهي تحاول الفكاك من قبضته بكل قوتها: "والله لم أأخذه! كرمة هي من وضعت العقد هناك لتدمرني! أيهم صدقني.. أنا لا أسرق!" لكن أيهم لم يعطها مجالك للدفاع. قبض على ذراعها الأخرى بقوة قاسية وجذبها إليه حتى التصق صدرها بجسده الصلب. كانت أنفاسه الغاضبة تصطدم بوجهها الشاحب، ونظرته لا تحمل سوى الرغبة في التدمير والإهانة. "كنتِ تظنين أنكِ أكبر من أن تنكسري.." همس أيهم بصوت خفيض ينبض بالشر، وعيناه تسبران أغوار روحها الخائفة. "لكنكِ مجرد سارقة رخيصة تشترين دناءتكِ بقشرة من الكبرياء الزائف." التفت أيهم نحو أم سعد وأمر بنبرة حازمة لا تقبل النقاش: "انقلي كل أغراضها من الملحق.. ابتداءً من اليوم، مكان نوم وتين لن يكون في غرف الخدم، بل في مخزن الحطب السفلي تحت الجناح الرئيسي! بلا سرير وبلا غطاء." ثم نظر إلى وتين بعينين تشتعلان بلذة الانتقام والقسوة: "أما عملكِ اليومي.. فسيكون تنظيف القصر بالكامل بيدكِ، وحمل الحطب وتجهيز غرفتي وموقد كرمة بنفسكِ. ستتعلمين كيف تجثين على ركبتيكِ يا ابنت الفارس.. ليس طلباً للرحمة، بل طلباً للهواء الذي تتنفسينه!" جرّها خلفه برعونة وسط القاعة، متجاهلاً دموعها التي انسابت رغماً عنها، وضحكات كرمة التي ملأت المكان بالنصر.حين أرخى الليل سدوله فوق قرية الضباب، وغطت سحابة رقيقة من الندى أسطح الحجر العتيقة، تحول الكوخ الصغير إلى واحة من السكينة الهشة وسط عالم يعج بالحروب. كانت النيران المشتعلة في المدفأة الحجرية تلقي بظلالها الدافئة والراقصة على الجدران، وتنعكس ببريق خافت على وجه وتين وهارون.لأول مرة منذ أسابيع طويلة، ومنذ ذلك الهروب المروع في الغابة، وجدا أنفسهما محبوسين تحت سقف واحد وفي غرفة واحدة. لم يكن هناك سوى سرير خشبي عريض في زاوية الغرفة خصصته العجوز أراليندا لوتين، بينما وُضعت وسادة سميكة وبطانية صوفية ثقيلة على الأريكة العريضة المجاورة للمدفأة لهارون.ساد الغرفة صمت ثقيل ومحمّل بالكلمات التي لم تُقال بعد. كانت وتين جالسة على حافة السرير، تنظر إلى النار بذهول وهدوء ظاهري، بينما كان هارون مستلقياً على الأريكة، يضع ذراعيه خلف رأسه، وعيناه المظلمتان لا تهبطان عنها لثانية واحدة. كان يراقب كل حركة، وكل رفعة لعينها، وكل تنهيدة تخترق صدرها الخائف.كسر هارون الصمت المطبق بصوت خشن وهامس قطع سكون المكان:"أتعتقدين حقاً أنني سأترككِ تضيعين مني مرة أخرى يا وتين؟"أشاحت وتين بوجهها نحوه، وقالت بنبرة لا
تسمّر هارون في مكانه عند عتبة الغرفة الجانبية، وكأن روحه عادت إليه بعد سنوات من الموت. كانت عيناه المظلمتان والمحملتان بعواصف الشوق والغيظ مثبتتين بالكامل على وتين التي كانت تقف متجمدة في زاوية الغرفة، ترتجف أطرافها وكأنها ترى شبحاً خرج من أعمق كوابيسها.أما العجوز أراليندا، فنهضت ببطء مستندة إلى عصاها، وابتسمت ابتسامة خفيفة ودافئة قبل أن تتسلل بهدوء خارج الغرفة وتغلق الباب خلفها، تاركة إياهما وحدهما في ذلك الصوت المحمل بكهرباء التوتر العالي.كسر هارون ذلك الصمت القاتل، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، وكأنه يخشى أن تكون مجرد سراب يتبدد إن اقترب أكثر. قال بصوت خشن ومبحوح يقطر برجفة غريبة لم يعتدها أحد منه:"أحقاً أنتِ هي.. أم أن روحي هي التي تهلوس؟"ابتلعت وتين ريقها بصعوبة بالغة، وجمعت ما تبقى من كبريائها المتبقي، فقالت بصوت متهدج يحمل عتباً خفياً:"أنا حقيقية يا هارون.. لست سراباً. لكن الأجدر بك أن تجيبني أنت: كيف.. كيف وجدتني في هذا المكان المنسي وسط الجبال؟"وقف هارون أمامها مباشرة، ومد يده المرتجفة ليلمس خصلات شعرها المنسدلة على كتفها، وكأنه يتأكد من وجودها المادي، وقال بنبرة
استجاب الرسام لمطالب هارون الملحة، وقاده برفقة ديمتري ونخبة من رجاله عبر طرق وعرة ومتاهات جبلية نائية، وصولاً إلى تلك البقعة النائية قرب النهر حيث أقسم أنه رأى وتين بعينيه قبل أيام. لكن ما إن وصلوا إلى هناك، حتى أصابتهم خيبة أمل مريرة؛ لم يجدوا سوى الصخور المصقولة بفعل الطبيعة، وأوراق الشجر المتساقطة، ومياه النهر الجارية بسكون.أمر هارون رجاله بتمشيط المنطقة، فانتشر العشرات منهم يفتشون الأرض شبراً بشبر، يقلبون الصخور ويسألون كل عابر طريق. بعد ساعات طويلة من البحث المضني، عاد قائد الفرقة بخيبة أمل ليقول له:"سيدي.. قمنا بتفتيش كل شبر، ولم نجد لها أي أثر ولا أي دليل على وجود شخص هنا."التفت هارون نحو الرسام بوجه ملؤه التوتر والغضب الجنوني، وأمسك بتلابيب قميصه بقسوة، وصرخ بصوت يكاد يقتلع الأشجار:"أين هي؟! لقد قلت إنك رأيتها هنا! إن كنت تكذب عليّ.."تضرع الرسام بخوف شديد، ورفع يديه مردداً بصوت مرتعش:"أقسم لك أنني لست كاذباً! لقد رأيتها بوضوح، لا يمكن أن يتهيأ لي وجه كهذا.. إنها هنا، لا بد أنها موجودة في مكان قريب من هذا النهر!"أفلت هارون الرسام بعنف، وتركهم يبتعدون، ثم سقط على ركبت
ارتجف جسد وتين ذعراً، واصفرّ وجهها شحوباً حين سقط بصرها فجأة على الرجل الواقف أمامها. في عالمها المظلم الذي عاشت فيه طويلاً بين جدران قصر فالكون وبطش المافيا، لم تكن تعلم أين هي، ولا ما إذا كان هذا الراعي شيخاً طيباً حقاً أم فخاً جديداً مدبراً من رجال جان لوك لاستدراجها. تراجع جسدها المنهك إلى الوراء حتى استند بخشونة إلى جذع الشجرة المعمرة، وتسللت أصابعها المرتجفة نحو تراب الأرض كأنها تبحث عن حجر تدافع به عن نفسها.لاحظ الراعي ذلك الخوف العميق المرتسيم في عينيها الواسعتين، فلم يتحرك خطوة إضافية ولم يقترب. اكتفى بابتسامة خفيفة ووديعة انطبعت على وجهه الذي حفرته طقوس الطبيعة وصمت الجبال، ثم تحدث بصوت منخفض، هادئ، وخالٍ تماماً من أي خبث:"لا تخافي يا ابنتي.. لا خوف عليّ، ولا شر لديّ. اسمي صالح."تأملت وتين ملامحه الهادئة لبرهة طويلة، فاستشرت في روحها طمأنينة غريبة بددت جزءاً من ذعرها. تنفست بعمق لتسترد بعضاً من توازنها، فلاحظ الشيخ حالة الإعياء والعطش الشديدين اللذين ترتسمان على محياها، فمد يده بهدوء وأخرج من جعبة جليدية معلقة بكتفه زجاجة ماء فخارية صغيرة، ومدها إليها قائلاً بنبرة حنون
كان هواء مرسيليا البارد محملاً برائحة البحر ورطوبة الفجر حين هبطت طائرة هارون الخاصة على المدرج السري في ضواحي المدينة. لم تكن رحلة استجمام، بل كانت رحلة انتقام واجتثاث. تحرك موكب السيارات الأسود بسرعة جنونية نحو العقار القديم العائد لعائلة جان لوك، وهو قصر حجري ضخم يقع على حافة المنحدرات المطلة على المتوسط، تحيط به أشجار الصنوبر العتيقة.ترجل هارون من السيارة ومعه ديمتري ونخبة من رجاله الأقوياء. لم تكن هناك أي مظاهر للحراسة المشددة، وكأن المكان مهجور منذ سنوات. ارتسمت على محيا هارون علامات الريبة والتوتر، لكنه لم يتراجع. دفع الباب الخشبي الضخم بقدمه القوية، ليدوي صدى دفعه في أرجاء الردهة الواسعة."توزعوا.. ابحثوا في كل زاوية!" أمر هارون بصوت جاد وحاسم.انتشر الرجال في أنحاء القصر، بينما صعد هارون بنفسه نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو غرفة المكتب الرئيسية التي أشارت إليها الإحداثيات المشفرة. فتح الباب بعنف، لتتراءى له غرفة مظلمة يغطيها الغبار. في منتصف الغرفة، كان هناك مكتب خشبي قديم، وعليه وُضعت شاشة حاسوب صغيرة تومض بضوء أحمر متقطع.اقترب هارون بحذر، وضغط على زر التشغيل في الحاس
كانت خطوات هارون تشبه دقات قصر ميت، ثقيلة، بطيئة، ومحمولة بغضب أسود يكفي لإحراق مدينة بأكملها. عندما اقتحم هو ورجاله بوابات المصنع المهجور، كان التوتر يبلغ ذروته في الهواء. رَفَع سلاحه الآلي متأهباً لإطلاق النار على أي كائن يتحرك، وعيناه تشتعلان بنيران لا ترحم. تحركت الفرق الخاصة بخفة واحترافية عالية، مقتحمين الغرف الجانبية والممرات المظلمة الواحد تلو الآخر، وسط دوي أصوات تحطيم الأبواب والزجاج.لكن ما وجدوه.. لم يكن سوى الصدمة المطلقة.توقف هارون في منتصف القاعة الرئيسية الواسعة للمصنع. لم يكن هناك سوى الفراغ، والغبار المتطاير، وأعمدة الحديد الصدئة التي تداعبها الرياح الباردة القادمة من النوافذ المكسورة. على الأرض، في وسط المكان، كانت هناك سلاسل حديدية سميكة ملقاة بعناية، وإلى جوارها قطعة قماش سقطت سهواً.. كانت تلك القطعة التي وضعت على وجه وتين حين اختطفت.اقترب هارون بخطوات متجمدة، وانحنى ليلتقط السلاسل الحديدية بيده القوية. كانت لا تزال باردة، مما يعني أنهم غادروا المكان للتو، لكنها كانت مسرحاً مرسوماً بعناية فائقة. لم تكن هناك أي جثث، لم يكن هناك أي حراس، ولم يكن هناك سوى الصدى







