Se connecterفي الطابق العلوي، أغلقت فيروز باب غرفتها بالمفتاح، ثم استدارت نحوه ببطء، وألصقت أذنها به لثانيتين كاملتين، كأنها تتأكد من أن أحدًا لن يتسلل خلفها ليفتش في أسرارها، وما إن اطمأنت إلى خلو الممر حتى قفزت إلى سريرها، وسحبت وسادة وضعتها خلف ظهرها، ثم التقطت هاتفها بسرعة من فوق الغطاء.
كانت قد أقسمت لنفسها، قبل أقل من ساعة، أنها لن تتصل بغابرييل مجددًا ذلك اليوم. والآن، كانت تتصل به للمرة الثالثة. لكن الأمر مختلف تمامًا، بطبيعة الحال! فهي لم تكن تشتاق إليه، ولم تكن تفكر فيه منذ استيقاظها، ولم تكن قد فتحت محادثته سبع مرات لتتأكد من آخر ظهور له. كانت تريد فقط الاطمئنان إلى أن ذلك الإسباني لم يمت من الملل في بلاده، فتتسبب وفاته المفترضة في تعطيل حياتها بسبب الحزن الذي ستضطر إلى إخفائه عن الجميع. نعم، هذا تفسير منطقي جدًا. رفعت الهاتف أمام وجهها، وأصلحت خصلات شعرها البني الداكن التي انسدلت حول وجنتيها، ثم مررت إصبعها على الشاشة لتتأكد من أن زاوية التصوير مناسبة. نظرت إلى انعكاسها للحظة، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم عبست فجأة. "ما هذا؟ لماذا أبتسم؟ أنا لا أبتسم لأحد!" ضغطت على زر الاتصال، ثم استقرت على وسادتها متظاهرة بالملل، ولم تمضِ سوى ثوانٍ حتى أضاءت الشاشة بوجه الرجل الذي كان السبب الحقيقي وراء كل ذلك الاضطراب. ظهر غابرييل أمامها مرتديًا قميصًا أزرق بأكمام مطوية، وقد بدا شعره الداكن متمردًا فوق جبهته، بينما ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة التي كانت فيروز تعتبرها جريمة بحق النساء ذوات القلوب الضعيفة. وكانت المشكلة أنها لم تكن متأكدة من كونها تملك قلبًا قويًا بما يكفي لمقاومتها. اتسعت ابتسامته حين رآها، وظهرت غمازته اليسرى، فشعرت فيروز برغبة مفاجئة في رمي الهاتف بعيدًا عنها، لا لشيء سوى أن وجهه كان مستفزًا أكثر مما ينبغي. قال غابرييل بمرح، وهو يتأمل وجهها عبر الشاشة: "مرحبًا، يا أجمل امرأة في المغرب." رفعت فيروز حاجبًا واحدًا، ثم مالت برأسها قليلًا وأجابته بنبرة ساخرة: "هل نفد عدد النساء في إسبانيا حتى قررت البحث عن واحدة في المغرب؟" ضحك غابرييل وأراح ذراعه على مسند المقعد الذي يجلس عليه، ثم رد بثقة: "لا، لكنني أفضّل المرأة التي تتصل بي ثلاث مرات في اليوم، ثم تتصرف كأنني أنا الذي أزعجها." تجمدت ابتسامة فيروز في مكانها، وحدقت فيه للحظة قبل أن تسأله بلهجة متشككة: "ثلاث مرات؟" أومأ غابرييل، ثم أضاف مستمتعًا بارتباكها: "أربع، إذا احتسبنا مكالمة الأمس التي انقطعت لأنك غضبتِ مني." هزت فيروز رأسها بسرعة، ورفعت يدها معترضة: "لم أغضب منك، كنت مشغولة." مال غابرييل قليلًا إلى الأمام، وسألها بفضول مصطنع: "بماذا؟" أجابت فيروز وهي تعبث بطرف الوسادة، محاولة الحفاظ على ملامحها الجادة: "بأمور مهمة، مثل التفكير في سبب تحملي لرجل يطرح أسئلة سخيفة طوال الوقت." وضع غابرييل يده على صدره متظاهرًا بالتأثر، ثم تنهد بعمق وقال: "يا إلهي، لقد اشتقت إلى هذا الصوت." توقفت أصابع فيروز عن العبث بطرف الوسادة، وشعرت بأن الجملة البسيطة التي نطق بها بنبرة دافئة استطاعت إرباكها أكثر مما فعل طوال الأسبوع الماضي، حين أمضى عشر دقائق كاملة يحاول إقناعها بأنه لا يغازل النادلة في المقهى الذي يرتاده، ومع ذلك، لم يكن من الممكن أن تسمح له بمعرفة ذلك، حتى لو اضطرت إلى إنكار الحقيقة أمام نفسها قبل إنكارها أمامه. رفعت ذقنها قليلًا، ثم أجابته ساخرة: "وأنا اتصلت بك لأتأكد من أنك لم تمت من الملل هناك. تخيل أن أفتح الأخبار غدًا وأجد عنوانًا يقول: العثور على شاب إسباني ميتًا في منزله بسبب الفراغ العاطفي!" انفجر غابرييل ضاحكًا، حتى اضطر إلى إبعاد الهاتف قليلًا عن وجهه، ثم عاد ينظر إليها بعينين لامعتين وقال: "الفراغ العاطفي؟ إذن أنت تعترفين بأنني أحتاج إليك عاطفيًا!" عقدت فيروز ذراعيها أمام صدرها، وردت بجدية مصطنعة: "أنا أعترف بأنك تحتاج إلى طبيب نفسي، وهناك فرق كبير بين الأمرين." هز غابرييل رأسه موافقًا، ثم قال بمرح: "حسنًا، سأحجز موعدًا غدًا." أجابته فيروز فورًا: "ممتاز." ابتسم غابرييل ابتسامة ماكرة، وأضاف بنبرة عاطفية مبالغ فيها: "وسأخبر الطبيب أن السبب امرأة تشتمني كلما حاولت إخبارها بأنني أحبها." فتحت فيروز فمها لتجيبه، لكنها أغلقته مجددًا حين أدركت أنه ابتسم بالطريقة نفسها التي تجعل الكلمات تتعثر في رأسها. كرهت ذلك، وكرهت غمازته، وكرهت أكثر أنه يعرف تمامًا ما تفعله بها غمازته، لذلك سحبت خصلة من شعرها خلف أذنها بعصبية، ثم أشارت إليه بإصبعها عبر الشاشة. قالت فيروز بتحذير واضح، محاولة استعادة سيطرتها على الموقف: "اسمعني جيدًا يا غابرييل، إذا كنت تعتقد أن بإمكانك الفوز بهذه الحرب النفسية باستخدام ابتسامتك، فأنت واهم. أنا لا أُهزم بهذه السهولة." أمال غابرييل رأسه، وأخذ يتأمل وجهها باهتمام متعمد، قبل أن يسألها بهدوء مستفز: "هل انتهيتِ؟" أجابته فيروز بثقة: "نعم." ابتسم وسألها مباشرة: "جميل. هل اشتقتِ إليّ؟" حدقت فيه فيروز بذهول مصطنع، ثم رفعت حاجبيها وقالت: "هل أصابك الصمم؟ ألم تسمع كل ما قلته؟" ضحك غابرييل بخفة، وأوضح لها: "سمعت كل كلمة، لكنني سألت سؤالًا بسيطًا، ولا أريد إجابة من عشرين سطرًا." ردت فيروز وهي تضيق عينيها نحوه: "إذن اطرح أسئلة تستحق الإجابة." ابتسم غابرييل، ثم اقترب قليلًا من الكاميرا، حتى امتلأت الشاشة بملامحه الوسيمة وعينيه العسليتين المائلتين إلى الأخضر. وعندما نطق باسمها، جاءت نبرته أكثر دفئًا مما توقعت. "فيروزتي، هل اشتقتِ إليّ؟" انقبض شيء صغير داخل صدرها، فقد كانت المسافة بينهما أكبر مما تحب الاعتراف به؛ هو في إسبانيا، وهي في المغرب، وكل ما تملكه منه في هذه اللحظة شاشة باردة وصوت يصلها عبر الإنترنت. وكانت تكره أن تضطر إلى الاكتفاء بهما، خصوصًا في الليالي التي تتمنى فيها لو تستطيع انتزاع الهاتف من يدها والعثور عليه جالسًا أمامها بدلًا من ذلك. لكنها رفعت ذقنها، ورسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، ثم أجابته: "اشتقت إلى الهدوء الذي كنت أعيشه قبل أن أعرفك." هز غابرييل رأسه بأسف مصطنع، وقال: "غريب، لأنني أتذكر أنك كنتِ تتصلين بي حتى قبل أن نصبح حبيبين." رفعت فيروز كتفيها بلا مبالاة، ثم ردت: "كنت أتحقق من جودة الإنترنت." سألها غابرييل، وقد اتسعت ابتسامته: "كل ليلة؟" أجابته بثبات: "أنت تعيش في بلد بعيد، ومن واجبي التأكد من أن الاتصالات الدولية تعمل بكفاءة." ضحك غابرييل، ثم قال بنبرة ساخرة: "بالطبع، يا مهندسة الاتصالات." ابتسمت فيروز بانتصار، وأشارت إليه بإصبعها قائلة: "أخيرًا بدأت تفهم!" ضحك مجددًا، ثم مرر أصابعه خلال شعره، فرفعت فيروز عينيها إلى السقف بضيق وتمتمت: "ها قد بدأت." نظر إليها غابرييل باستغراب، وأنزل يده عن رأسه قليلًا قبل أن يسأل: "بدأت ماذا؟" أشارت فيروز إلى الشاشة، وكأنها تقدم دليلًا دامغًا على جريمة ارتكبها للتو، ثم قالت بانزعاج: "حركة الشعر هذه! لماذا تفعل ذلك كلما حاولت أن تبدو جذابًا؟" توقف غابرييل ويده ما تزال فوق رأسه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، بينما أخذ يتأمل ملامحها التي بدأت تفضح أكثر مما تحاول إخفاءه. وقال أخيرًا، بنبرة يغلب عليها المرح: "وهل أبدو جذابًا؟"أغمضت فيروز عينيها للحظة، ثم عضّت على شفتيها وهي تدرك أنها وقعت في الفخ بنفسها. كان غابرييل ينتظر منها إجابة، بينما كانت هي تحاول إيجاد طريقة للخروج من هذا الموقف دون أن تمنحه فرصة جديدة للسخرية منها.رفعت عينيها إلى الشاشة، وتأملت شعره المبعثر للحظات قبل أن تقول بجدية مصطنعة: "أنت تبدو كرجل يحتاج إلى مشط."رفع غابرييل حاجبيه، ثم أجابها بهدوء مستفز: "لكنني لم أسألك عن المشط."ضيقت فيروز عينيها ونادته بتحذير: "غابرييل!"ابتسم ابتسامة واسعة ورد عليها بالنبرة نفسها: "فيروز!"تبادلا النظرات لثانيتين، وكأن كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يستسلم أولًا، قبل أن ينفجر غابرييل ضاحكًا. حاولت فيروز الحفاظ على عبوسها، لكنها وجدت نفسها تبتسم رغمًا عنها، وما إن لاحظ ذلك حتى اتسعت ابتسامته بانتصار واضح.مال نحو الكاميرا قليلًا، مشيرًا إليها بإصبعه وكأنه أمسك بها متلبسة بجريمة، وقال: "ها أنت تبتسمين!"عادت فيروز إلى العبوس فورًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قبل أن ترد بلهجة متعالية: "كنت أضحك على غبائك."هز غابرييل رأسه بتفهم مصطنع، ثم وضع يده على صدره وقال: "لا بأس، سأقبل بهذا النوع من الحب."شهقت فير
في الطابق العلوي، أغلقت فيروز باب غرفتها بالمفتاح، ثم استدارت نحوه ببطء، وألصقت أذنها به لثانيتين كاملتين، كأنها تتأكد من أن أحدًا لن يتسلل خلفها ليفتش في أسرارها، وما إن اطمأنت إلى خلو الممر حتى قفزت إلى سريرها، وسحبت وسادة وضعتها خلف ظهرها، ثم التقطت هاتفها بسرعة من فوق الغطاء.كانت قد أقسمت لنفسها، قبل أقل من ساعة، أنها لن تتصل بغابرييل مجددًا ذلك اليوم.والآن، كانت تتصل به للمرة الثالثة.لكن الأمر مختلف تمامًا، بطبيعة الحال!فهي لم تكن تشتاق إليه، ولم تكن تفكر فيه منذ استيقاظها، ولم تكن قد فتحت محادثته سبع مرات لتتأكد من آخر ظهور له.كانت تريد فقط الاطمئنان إلى أن ذلك الإسباني لم يمت من الملل في بلاده، فتتسبب وفاته المفترضة في تعطيل حياتها بسبب الحزن الذي ستضطر إلى إخفائه عن الجميع.نعم، هذا تفسير منطقي جدًا.رفعت الهاتف أمام وجهها، وأصلحت خصلات شعرها البني الداكن التي انسدلت حول وجنتيها، ثم مررت إصبعها على الشاشة لتتأكد من أن زاوية التصوير مناسبة. نظرت إلى انعكاسها للحظة، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم عبست فجأة."ما هذا؟ لماذا أبتسم؟ أنا لا أبتسم لأحد!"ضغطت على زر الاتصال، ثم استقر
أغمضت إشراق عينيها وألصقت جبهتها بكتف نورسالين، التي دفنت وجهها في ظهر أختها ولم تعد تحاول حتى إخفاء ضحكها.استقام الحاج سلمات في جلسته، ثم سأل بنبرة أكثر اهتمامًا: "منذ أن كانت صغيرة؟""نعم، نعم! كنا... كنا جارتين!""جارتين؟""أقصد... جارتين في الحي القديم!""وأي حي قديم هذا؟"توقف حكيم عن التنفس للحظة قبل أن يجيب: "في... في المدينة القديمة.""أي مدينة؟""المدينة... القديمة.""أعرف أنها قديمة، يا حكيمة. أنا أسألك عن اسم المدينة!"كاد حكيم يرمي الهاتف من النافذة، لكنه تشبث به وأجاب بسرعة: "مراكش!""أنتِ من مراكش؟""نعم!""وأنا من مراكش أيضًا. في أي حي؟"أطبق حكيم شفتيه، ثم نظر إلى باقة الزهور الموضوعة على المقعد المجاور، وكأن الورود ستهمس له بعنوان مناسب."حي... حي جليز!"رفع الحاج سلمات رأسه نحو ياقوت وسألها: "هل تعرفين خياطة في جليز اسمها حكيمة؟"لم تجبه.كانت ياقوت قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الرعب؛ مرحلة تتمنى فيها أن يكون والدها قد اكتشف أمر حبها كله، لأن ذلك أهون من استمرار هذه المهزلة.قالت بصوت خافت: "أبي، أرجوك، أعطني الهاتف."أشار إليها بالصمت، ثم عاد إلى المكالمة: "حسنًا ي
"قلت لك ألا تتصل بي الآن! أبي في المنزل!" ثم أدركت خطأها.توقفت الكلمات في حلقها، واختفت ابتسامة نورسالين، بينما شهقت إشراق شهقة صغيرة، كأنها شاهدت جريمة أخرى تقع أمام عينيها.أما دادا كلثوم، فقد رفعت طبق المسمن ببطء، وبدأت تتراجع نحو الباب، مقتنعة بأن معركة الشوكولاتة لم تكن سوى مقدمة بسيطة لما سيحدث الآن.رفع الحاج سلمات رأسه ببطء شديد.نظر إلى ياقوت.ثم إلى الهاتف.ثم مد يده نحوها، وقال بصوت هادئ أخافها أكثر من الصراخ: "أعطيني الهاتف."لم تكن ياقوت تخشى شيئًا في حياتها بقدر ما كانت تخشى أن يمسك والدها هاتفها، لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في الهاتف نفسه، بل في الاسم الذي ظهر على شاشته."حكيمة الخياطة"🧵❤️حدّق الحاج سلمات في الاسم، ثم رفع عينيه إلى ابنته. "حكيمة؟"ابتلعت ياقوت ريقها وأجابت بتردد: "نعم... حكيمة.""ومن تكون حكيمة؟""الخياطة."رفعت إشراق رأسها بسرعة، وكادت تختنق بضحكتها. أما نورسالين، فقد عضّت باطن خدها بكل قوتها، وهي تتأمل أختها التي كانت تكذب على والدها بوجه فتاة تستعد لسماع حكم الإعدام.أعاد الحاج سلمات النظر إلى الشاشة، ثم قرأ الاسم كاملًا بنبرة متشككة: "همم حكيمة
"آه! شعري! أيتها الوحش!""وماذا عن شعري؟ هل تظنين أنني أرتديه للزينة؟!"حاولت نورسالين تحرير نفسها، لكنها تعثرت بحافة السجادة، فاندفعت إشراق معها، وسقطتا فوق كيس دقيق موضوع قرب الخزانة. انفجر الكيس تحت ثقلهما، وارتفعت سحابة بيضاء غطتهما من الرأس إلى القدمين.ساد الصمت لثانيتين.رفعت نورسالين وجهها المغطى بالدقيق، وشعرها مبعثر حول رأسها، ثم رمشت بعينيها نحو إشراق التي بدت كأنها خرجت لتوها من مدخنة مخبز."أعتقد أننا نحتاج إلى خباز، لا إلى حكم."لم تتمالك ياقوت، التي كانت تراقب المشهد من عند الباب، نفسها فضحكت حتى اضطرت إلى الاتكاء على الثلاجة كي لا تسقط.التفتت إليها إشراق، ووجهها الأبيض لا يظهر منه سوى عينيها الغاضبتين."وأنتِ! بدلًا من الضحك، أخبرينا من أكل الشوكولاتة!"رفعت ياقوت يديها مستسلمة. "أنا بريئة. أقسم إنني لم ألمسها."استغلت نورسالين انشغال أختها، فدفعتها بخفة لتبتعد عنها، لكن إشراق استدارت بسرعة وصفعتها على خدها صفعة دوّى صوتها في المطبخ أكثر مما ينبغي.وضعت نورسالين يدها على خدها، واتسعت عيناها بذهول."لقد صفعتِني!""كان تحذيرًا.""تحذير؟ حسنًا، استعدي لتلقي الرد!"رفعت
رياض الحاج سلمات، مراكش.في تمام الساعة التاسعة صباحًا، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ المقوسة لرياض العائلة، فتلقي بخيوطها الذهبية على الزليج الملون، وتنعكس فوق الرخام الأبيض للمطبخ الواسع الذي تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وخبز المسمن.كان كل شيء يوحي بصباح هادئ في منزل مغربي عريق؛ نافورة صغيرة تتوسط الفناء، وأصوات العصافير تتعالى بين أشجار البرتقال، وخادمة ترتب أواني الفطور في غرفة الطعام.كل شيء كان هادئًا بالفعل.إلا المطبخ، الذي كان على وشك أن يشهد جريمة لن تنساها جدرانه ما دامت قائمة."أين الشوكولاتة؟!"انطلقت الصرخة من حنجرة إشراق، الابنة الخامسة للحاج سلمات، حتى إن الخادمة التي كانت تمر أمام المطبخ توقفت للحظة، ثم نظرت إلى الباب بحذر قبل أن تقرر أن حياتها لا تحتمل التدخل في حرب جديدة بين بنات الحاج.كانت إشراق تقف أمام الثلاجة المفتوحة، ترتدي بيجامة وردية، وشعرها الأسود مربوط بإهمال فوق رأسها، بينما تشير بإصبع اتهام إلى أختها نورسالين، التي كانت تجلس فوق أحد المقاعد العالية، تحتسي قهوتها ببرود امرأة لا علاقة لها بأي جريمة تُرتكب في هذا المنزل.رفعت نورسالين، رأسها ببطء عن فنجان







