Se connecterأغمضت إشراق عينيها وألصقت جبهتها بكتف نورسالين، التي دفنت وجهها في ظهر أختها ولم تعد تحاول حتى إخفاء ضحكها.
استقام الحاج سلمات في جلسته، ثم سأل بنبرة أكثر اهتمامًا: "منذ أن كانت صغيرة؟" "نعم، نعم! كنا... كنا جارتين!" "جارتين؟" "أقصد... جارتين في الحي القديم!" "وأي حي قديم هذا؟" توقف حكيم عن التنفس للحظة قبل أن يجيب: "في... في المدينة القديمة." "أي مدينة؟" "المدينة... القديمة." "أعرف أنها قديمة، يا حكيمة. أنا أسألك عن اسم المدينة!" كاد حكيم يرمي الهاتف من النافذة، لكنه تشبث به وأجاب بسرعة: "مراكش!" "أنتِ من مراكش؟" "نعم!" "وأنا من مراكش أيضًا. في أي حي؟" أطبق حكيم شفتيه، ثم نظر إلى باقة الزهور الموضوعة على المقعد المجاور، وكأن الورود ستهمس له بعنوان مناسب. "حي... حي جليز!" رفع الحاج سلمات رأسه نحو ياقوت وسألها: "هل تعرفين خياطة في جليز اسمها حكيمة؟" لم تجبه. كانت ياقوت قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الرعب؛ مرحلة تتمنى فيها أن يكون والدها قد اكتشف أمر حبها كله، لأن ذلك أهون من استمرار هذه المهزلة. قالت بصوت خافت: "أبي، أرجوك، أعطني الهاتف." أشار إليها بالصمت، ثم عاد إلى المكالمة: "حسنًا يا حكيمة. بما أنك تعرفين ابنتي منذ طفولتها، فلا بد أنك تعرفين عائلتنا." أجاب حكيم بسرعة، معتقدًا أن الطريق بدأ ينفتح أمامه: "بالطبع! أعرفكم جميعًا!" "ما اسم جد ياقوت؟" تصلّب وجه حكيم. "جدها؟" "نعم، جدها. والد أبيها." ابتلع حكيم ريقه، ثم قال بعد تردد طويل: "اسمه... الحاج... الحاج سلمات!" ساد الصمت مجددًا. هذه المرة، لم تستطع إشراق الاحتماء بالسعال. أطلقت ضحكة عالية، ثم غطت فمها بكلتا يديها، بينما استندت نورسالين إلى الطاولة حتى لا تسقط. أما الحاج سلمات، فقد بقي ينظر إلى الهاتف بوجه خالٍ من التعبير، قبل أن يقول بهدوء مخيف: "يا لها من مصادفة يا حكيمة. أنا الحاج سلمات." في الطرف الآخر، أغمض حكيم عينيه. لقد انتهى. انتهت حياته، وانتهت باقة الورود، وانتهى حلمه بالزواج من ياقوت، لكن لسانه، الذي لم يكن يعرف متى يصمت، خانه مرة أخرى. "يااااااه! الحاج سلمات بنفسه؟! يا مرحبًا، يا ألف مرحبًا! لقد سمعت عنك كثيرًا، والله إنك رجل عظيم، كريم، طيب، ومحبوب، وكل نساء الحي يتحدثن عن أخلاقك!" نظر الحاج سلمات إلى ياقوت، ثم إلى الهاتف، وسأل باهتمام مفاجئ: "كل نساء الحي؟" "نعم، نعم! حتى إننا نقول دائمًا إنك مثال للرجل المغربي الأصيل!" ابتسم الحاج سلمات ابتسامة صغيرة، فانتبهت بناته الثلاث إلى التغيير المفاجئ في ملامحه. همست مرام: "انتهى الأمر. لقد أحبها." وردت نورسالين هامسة: "بل أحب نفسه. وهذا أسوأ." واصل الحاج سلمات المكالمة، وقد بدا عليه الرضا: "أخيرًا، شخص يعرف قيمة الرجال المحترمين." أغمض حكيم عينيه مرة أخرى، وأومأ برأسه كأن الرجل يستطيع رؤيته عبر الهاتف. "بالطبع يا حاج! والله لو كنت أعرف أنك ستجيب، لارتديت أجمل ثيابي احترامًا لك!" "لا بأس. لكن لدي سؤال أخير." عاد قلب حكيم إلى التسارع. "تفضّل، يا حاج." "لماذا تتصلين بابنتي في هذا الوقت، وتطلبينها بهذه الطريقة، وتصرين على التحدث معها رغم أنني موجود في المنزل؟ هل تريدين أن تخيطي لها فستانًا؟" فتح حكيم فمه، ثم أغلقه، قبل أن يجيب بارتباك: "الفستان... نعم الفستان!" رفع الحاج سلمات حاجبيه. "أي فستان؟" "فستان... فستان زفاف!" توقفت ضحكات الفتيات فجأة، وتجمّدت ياقوت في مكانها، بينما اختفت ابتسامة الحاج سلمات. أما حكيم، فقد أدرك بعد ثانية واحدة أنه لم يكتفِ بإغراق نفسه، بل قرر حفر قبره بيديه، ثم وضع باقة الزهور فوقه. "فستان زفاف؟" كرر الحاج سلمات بصوت هادئ للغاية. حاول حكيم التراجع سريعًا: "أقصد... فستانًا لحفل زفاف إحدى قريباتها! نعم، قريبتها! أنا أخيط فساتين الأعراس، وهذا عملي، يا حاج!" نهض الحاج سلمات من كرسيه ببطء، بينما أخذت إشراق ونورسالين تتراجعان نحو الجدار، وقد أدركتا أن الشوكولاتة لم تعد أهم مشكلة في المنزل. ثم قال الحاج سلمات بحزم: "حسنًا يا حكيمة الخياطة. بما أنكِ خياطة محترفة، فسأرسل إليكِ بناتي السبع لقياس فساتينهنّ." شهق حكيم. "السبع؟!" "نعم. وسأرافقهنّ بنفسي." "أنت بنفسك؟!" "بالطبع. أريد أن أرى بعيني كيف تعملين." "لكن... لكنني أعمل من المنزل!" "رائع. سأزورك في المنزل." أطلق حكيم صوتًا غريبًا لم يكن من الواضح إن كان شهقة أم بكاءً أم محاولة فاشلة للعودة إلى صوته الطبيعي. "لا داعي يا حاج! يمكنني أن آتي إليكم!" "إلى منزلنا؟" "نعم!" "ممتاز. أحضري معكِ دفتر القياسات." أطبق حكيم عينيه بقوة، ثم أجاب بصوت خافت: "حاضر." أنهى الحاج سلمات المكالمة، ثم أنزل الهاتف ببطء ونظر إلى ياقوت. كانت الفتاة واقفة أمامه، شاحبة الوجه، بينما وقفت أخواتها خلفها، تحاول كل منهما السيطرة على ضحكتها في معركة أصعب من معركة الشوكولاتة. مدّ الهاتف نحو ابنته وقال: "أعيدي الاتصال بحكيمة الخياطة، وأخبريها أنني أنتظرها غدًا في العاشرة صباحًا." رفعت ياقوت عينيها إليه بذهول. "غدًا؟!" "نعم. أريد أن أعرف هذه المرأة التي تعرف عائلتنا منذ الطفولة." ثم التفت نحو البنات اللواتي كن على وشك الانفجار من الضحك، وقال: "وأنتن، توقّفا عن العبث. لديكما ما هو أهم من الشوكولاتة." مسحت نورسالين دمعة ضحك عن خدها، وسألت بصوت مرتجف: "وما هو يا أبي؟" نظر إليهما الحاج سلمات بصرامة: "اختيار الأقمشة. إذا كانت حكيمة بهذه الخبرة، فسنجعلها تخيط ملابس العائلة كلها." عندها، لم تتمالك إشراق نفسها، فاستدارت نحو الحائط وانفجرت ضاحكة. أما ياقوت، فقد نظرت إلى الهاتف في يدها، ثم إلى والدها، وهمست بصوت لم يسمعه أحد سوى أخواتها: "حكيم... أقسم إنني سأقتلك بنفسي قبل أن يفعل أبي ذلك."أغمضت فيروز عينيها للحظة، ثم عضّت على شفتيها وهي تدرك أنها وقعت في الفخ بنفسها. كان غابرييل ينتظر منها إجابة، بينما كانت هي تحاول إيجاد طريقة للخروج من هذا الموقف دون أن تمنحه فرصة جديدة للسخرية منها.رفعت عينيها إلى الشاشة، وتأملت شعره المبعثر للحظات قبل أن تقول بجدية مصطنعة: "أنت تبدو كرجل يحتاج إلى مشط."رفع غابرييل حاجبيه، ثم أجابها بهدوء مستفز: "لكنني لم أسألك عن المشط."ضيقت فيروز عينيها ونادته بتحذير: "غابرييل!"ابتسم ابتسامة واسعة ورد عليها بالنبرة نفسها: "فيروز!"تبادلا النظرات لثانيتين، وكأن كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يستسلم أولًا، قبل أن ينفجر غابرييل ضاحكًا. حاولت فيروز الحفاظ على عبوسها، لكنها وجدت نفسها تبتسم رغمًا عنها، وما إن لاحظ ذلك حتى اتسعت ابتسامته بانتصار واضح.مال نحو الكاميرا قليلًا، مشيرًا إليها بإصبعه وكأنه أمسك بها متلبسة بجريمة، وقال: "ها أنت تبتسمين!"عادت فيروز إلى العبوس فورًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قبل أن ترد بلهجة متعالية: "كنت أضحك على غبائك."هز غابرييل رأسه بتفهم مصطنع، ثم وضع يده على صدره وقال: "لا بأس، سأقبل بهذا النوع من الحب."شهقت فير
في الطابق العلوي، أغلقت فيروز باب غرفتها بالمفتاح، ثم استدارت نحوه ببطء، وألصقت أذنها به لثانيتين كاملتين، كأنها تتأكد من أن أحدًا لن يتسلل خلفها ليفتش في أسرارها، وما إن اطمأنت إلى خلو الممر حتى قفزت إلى سريرها، وسحبت وسادة وضعتها خلف ظهرها، ثم التقطت هاتفها بسرعة من فوق الغطاء.كانت قد أقسمت لنفسها، قبل أقل من ساعة، أنها لن تتصل بغابرييل مجددًا ذلك اليوم.والآن، كانت تتصل به للمرة الثالثة.لكن الأمر مختلف تمامًا، بطبيعة الحال!فهي لم تكن تشتاق إليه، ولم تكن تفكر فيه منذ استيقاظها، ولم تكن قد فتحت محادثته سبع مرات لتتأكد من آخر ظهور له.كانت تريد فقط الاطمئنان إلى أن ذلك الإسباني لم يمت من الملل في بلاده، فتتسبب وفاته المفترضة في تعطيل حياتها بسبب الحزن الذي ستضطر إلى إخفائه عن الجميع.نعم، هذا تفسير منطقي جدًا.رفعت الهاتف أمام وجهها، وأصلحت خصلات شعرها البني الداكن التي انسدلت حول وجنتيها، ثم مررت إصبعها على الشاشة لتتأكد من أن زاوية التصوير مناسبة. نظرت إلى انعكاسها للحظة، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم عبست فجأة."ما هذا؟ لماذا أبتسم؟ أنا لا أبتسم لأحد!"ضغطت على زر الاتصال، ثم استقر
أغمضت إشراق عينيها وألصقت جبهتها بكتف نورسالين، التي دفنت وجهها في ظهر أختها ولم تعد تحاول حتى إخفاء ضحكها.استقام الحاج سلمات في جلسته، ثم سأل بنبرة أكثر اهتمامًا: "منذ أن كانت صغيرة؟""نعم، نعم! كنا... كنا جارتين!""جارتين؟""أقصد... جارتين في الحي القديم!""وأي حي قديم هذا؟"توقف حكيم عن التنفس للحظة قبل أن يجيب: "في... في المدينة القديمة.""أي مدينة؟""المدينة... القديمة.""أعرف أنها قديمة، يا حكيمة. أنا أسألك عن اسم المدينة!"كاد حكيم يرمي الهاتف من النافذة، لكنه تشبث به وأجاب بسرعة: "مراكش!""أنتِ من مراكش؟""نعم!""وأنا من مراكش أيضًا. في أي حي؟"أطبق حكيم شفتيه، ثم نظر إلى باقة الزهور الموضوعة على المقعد المجاور، وكأن الورود ستهمس له بعنوان مناسب."حي... حي جليز!"رفع الحاج سلمات رأسه نحو ياقوت وسألها: "هل تعرفين خياطة في جليز اسمها حكيمة؟"لم تجبه.كانت ياقوت قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الرعب؛ مرحلة تتمنى فيها أن يكون والدها قد اكتشف أمر حبها كله، لأن ذلك أهون من استمرار هذه المهزلة.قالت بصوت خافت: "أبي، أرجوك، أعطني الهاتف."أشار إليها بالصمت، ثم عاد إلى المكالمة: "حسنًا ي
"قلت لك ألا تتصل بي الآن! أبي في المنزل!" ثم أدركت خطأها.توقفت الكلمات في حلقها، واختفت ابتسامة نورسالين، بينما شهقت إشراق شهقة صغيرة، كأنها شاهدت جريمة أخرى تقع أمام عينيها.أما دادا كلثوم، فقد رفعت طبق المسمن ببطء، وبدأت تتراجع نحو الباب، مقتنعة بأن معركة الشوكولاتة لم تكن سوى مقدمة بسيطة لما سيحدث الآن.رفع الحاج سلمات رأسه ببطء شديد.نظر إلى ياقوت.ثم إلى الهاتف.ثم مد يده نحوها، وقال بصوت هادئ أخافها أكثر من الصراخ: "أعطيني الهاتف."لم تكن ياقوت تخشى شيئًا في حياتها بقدر ما كانت تخشى أن يمسك والدها هاتفها، لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في الهاتف نفسه، بل في الاسم الذي ظهر على شاشته."حكيمة الخياطة"🧵❤️حدّق الحاج سلمات في الاسم، ثم رفع عينيه إلى ابنته. "حكيمة؟"ابتلعت ياقوت ريقها وأجابت بتردد: "نعم... حكيمة.""ومن تكون حكيمة؟""الخياطة."رفعت إشراق رأسها بسرعة، وكادت تختنق بضحكتها. أما نورسالين، فقد عضّت باطن خدها بكل قوتها، وهي تتأمل أختها التي كانت تكذب على والدها بوجه فتاة تستعد لسماع حكم الإعدام.أعاد الحاج سلمات النظر إلى الشاشة، ثم قرأ الاسم كاملًا بنبرة متشككة: "همم حكيمة
"آه! شعري! أيتها الوحش!""وماذا عن شعري؟ هل تظنين أنني أرتديه للزينة؟!"حاولت نورسالين تحرير نفسها، لكنها تعثرت بحافة السجادة، فاندفعت إشراق معها، وسقطتا فوق كيس دقيق موضوع قرب الخزانة. انفجر الكيس تحت ثقلهما، وارتفعت سحابة بيضاء غطتهما من الرأس إلى القدمين.ساد الصمت لثانيتين.رفعت نورسالين وجهها المغطى بالدقيق، وشعرها مبعثر حول رأسها، ثم رمشت بعينيها نحو إشراق التي بدت كأنها خرجت لتوها من مدخنة مخبز."أعتقد أننا نحتاج إلى خباز، لا إلى حكم."لم تتمالك ياقوت، التي كانت تراقب المشهد من عند الباب، نفسها فضحكت حتى اضطرت إلى الاتكاء على الثلاجة كي لا تسقط.التفتت إليها إشراق، ووجهها الأبيض لا يظهر منه سوى عينيها الغاضبتين."وأنتِ! بدلًا من الضحك، أخبرينا من أكل الشوكولاتة!"رفعت ياقوت يديها مستسلمة. "أنا بريئة. أقسم إنني لم ألمسها."استغلت نورسالين انشغال أختها، فدفعتها بخفة لتبتعد عنها، لكن إشراق استدارت بسرعة وصفعتها على خدها صفعة دوّى صوتها في المطبخ أكثر مما ينبغي.وضعت نورسالين يدها على خدها، واتسعت عيناها بذهول."لقد صفعتِني!""كان تحذيرًا.""تحذير؟ حسنًا، استعدي لتلقي الرد!"رفعت
رياض الحاج سلمات، مراكش.في تمام الساعة التاسعة صباحًا، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ المقوسة لرياض العائلة، فتلقي بخيوطها الذهبية على الزليج الملون، وتنعكس فوق الرخام الأبيض للمطبخ الواسع الذي تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وخبز المسمن.كان كل شيء يوحي بصباح هادئ في منزل مغربي عريق؛ نافورة صغيرة تتوسط الفناء، وأصوات العصافير تتعالى بين أشجار البرتقال، وخادمة ترتب أواني الفطور في غرفة الطعام.كل شيء كان هادئًا بالفعل.إلا المطبخ، الذي كان على وشك أن يشهد جريمة لن تنساها جدرانه ما دامت قائمة."أين الشوكولاتة؟!"انطلقت الصرخة من حنجرة إشراق، الابنة الخامسة للحاج سلمات، حتى إن الخادمة التي كانت تمر أمام المطبخ توقفت للحظة، ثم نظرت إلى الباب بحذر قبل أن تقرر أن حياتها لا تحتمل التدخل في حرب جديدة بين بنات الحاج.كانت إشراق تقف أمام الثلاجة المفتوحة، ترتدي بيجامة وردية، وشعرها الأسود مربوط بإهمال فوق رأسها، بينما تشير بإصبع اتهام إلى أختها نورسالين، التي كانت تجلس فوق أحد المقاعد العالية، تحتسي قهوتها ببرود امرأة لا علاقة لها بأي جريمة تُرتكب في هذا المنزل.رفعت نورسالين، رأسها ببطء عن فنجان