تسجيل الدخولوما إن اقترب الأسطول المصري الملكي من السواحل المصرية ودخل مصب نهر النيل، حتى تبدلت الأجواء بالكامل وانطلقت الاحتفالات الأسطورية الصاخبة التي كانت قد بدأت بالفعل منذ أيام تحضيراً لاستقبال الفاتحين.
كان آلاف الآلاف من أبناء الشعب المصري المخلصين يتجمعون بكثافة على شواطئ النهر وضفافه الخضراء، يلوحون بأيديهم، ويهتفون بأعلى أصواتهم بحماس وفخر باسم الملك مرنبتاح وشقيقه خع إم واست وحفيده سى اوزير، ويرمون أطنان الزهور والورود الملونة على صفحة المياه المباركة ترحيباً بالجنود والأبطال.
كانت السفن الحربية المائتان تدخل مجرى النيل في موكب ملكي مهيب ومنظم للغاية، يملأ القلوب عزة وفخراً، وكان مشهد الملوك الأسرى المكسورين المعلقين على مقدمة السفينة الملكية يمثل دليلاً وشاهداً واضحاً وملموساً على النصر الساحق والكامل لنور الوادي على ظلمات الغزاة، مما جعل الشعب يطلق صيحات الفرح التي هزت أركان البلاد.
وقف الملك مرنبتاح شامخاً كالمسلة الوردية في طليعة سفينته، يرفع يده القوية بالتحية للشعب المخلص الذي يهتف له باسمه ويعلن ولاءه التام لعرشه الجديد. أما الأمير خع إم واست، فقد كان في عالم آخر؛ كان قلبه يدق بقوة وعنف شديدين بين ضلوعه كلما تقدمت السفينة واقتربت أكثر من شواطئ مدينة طيبة العريقة. غابت عنه مظاهر الزينة وصخب الهتافات، وصار يمسح بعينيه الساحرتين وجوه الحشود المتجمعة على الشاطئ بلهفة بالغة، يبحث بين الآلاف عن وجه تفنوت الحبيب وعن ابنه ومعجزته الصغير سى اوزير الذي كان يبتسم بجواره وكأنه يعلم ما يدور في عقل أبيه.
وعندما رسا الأسطول الملكي أخيراً على أرصفة ميناء طيبة الملكي، كان الاستقبال أسطورياً بحق ولم تشهد البلاد له مثيلاً منذ العصور القديمة. امتد موكب النصر الشامخ من ضفاف النيل وحتى عمق معبد الكرنك الكبير، والشعب يصطف في الشوارع والأزقة في طوابير لا تنتهي، يهتفون، يصفقون، ويبكون فرحاً بعودة أبنائهم وحماتهم من جحيم الحرب.
وكان الجنود يسحبون وراءهم في الموكب الملوك الشماليين الأسرى مقيدين بالسلاسل، يمشون على أقدامهم الحافية ورؤوسهم منكسة نحو التراب، وجوههم مليئة بالذل والانكسار أمام أعين المصريين الذين كانوا ينظرون إليهم بعزة وسخرية تليق بكرامة أمة انتصرت.
وقف الملك مرنبتاح بكامل هيبته الملوكية أمام الحشود الغفيرة وشعبه المحتشد في ساحة المعبد الكبرى، ورفع سيفه الذهبي نحو السماء، وأعلن بصوت هادر، مدوٍّ، صم الآذان ونشر السكينة في النفوس:
"يا أبناء مصر العظيمة وحماة الوادي! لقد عدنا إليكم اليوم منتصرين بفضل آمون ورع وشجاعة جنودكم الأشداء! لقد سقط الكيان الشرري بعل وتحول سحره إلى رماد تذروه الرياح، وخضعت ممالك الشمال وقلاعها بالكامل لإرادتنا وحقنا! وهؤلاء الملوك الخونة الذين تآمروا في الخفاء على أرضنا واستباحوا حدودنا، يقفون الآن أمامكم أسرى مكسورين، وسينالون عقابهم العادل والقاسي أمام أعينكم جميعاً ليعلم العالم أن مصر لا تُمس!"
وسط هذا الصخب العسكري والسياسي الحاشد وهتافات النصر التي زلزلت الصخور، لم يكن الأمير خع إم واست يستمع لكلمات أخيه الملك؛ بل كان قلبه يخفق بعنف ويتطلع بنظراته الملهوفة نحو منصة الاستقبال الملكية المخصصة للعائلة.
وفجأة... انقشعت الجموع من أمامه ورآها...
رأى تفنوت، تقف في طليعة المستقبلين كالملكة المتوجة، ترتدي ثوباً كتانياً أبيض نقياً يلمع تحت أشعة الشمس الدافئة، وشعرها الأسود الطويل ينسدل برقة على كتفيها، وكانت عيناها الواسعتان الجميلتان تبرقان بدموع حارة، دموع مزيج من لوعة الفراق الطويل وفرحة العودة الطاهرة.
وفي تلك اللحظة الكونية بالذات، وعندما تلاقت عيونهما وعبرت النظرات مسافات الساحة، شعر خع إم واست بأن العالم كله بكل صخبه، وجيشه، وملوكه، وهتافاته قد توقف تماماً عن الحركة، ولم يعد في الوجود سوى وجهها ونورها. انفرجت أسارير وجه الكاهن العظيم وانبسطت ملامحه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عميقة، دافئة، تفيض بالحب النقي، وخطا نحوها بخطوات سريعة ملهوفة، وهو يهمس في سريرة نفسه بنبرة تملأها الطمأنينة واليقين:
"لقد وفيتُ بوعدي وعدتُ إليكِ أخيراً يا حبيبتي... يا أمانة روحي وحصني الخالد الذي لا يغيب."
كانت العودة العظيمة من الشمال بمثابة انتصار عسكري وسياسي وتاريخي ضخم هز أركان الممالك وحفظ لمصر مكانتها وسيدتها كقلب للعالم، لكن النصر الأكبر والأجمل لخع إم واست كان ينبض الآن في تلك المساحة الصغيرة التي جمعت قلبه بقلب زوجته التي انتظرها طويلاً
وصل الثلاثة بخطى وقورة ومنتظمة إلى قاعة الحكم الكبرى في معبد الكرنك الشامخ، حيث كان الملك "مرنبتاح" يجلس بكامل هيبته وجبروته الملوكي فوق عرش الذهب الخالص، محاطاً بحشد من كبار المستشارين العسكريين، وجنرالات الجيش، وكبار الكهنة. كان وجه الملك يحمل ملامح الجدية والصرامة التي تفرضها إدارة شؤون البلاد، لكنه ما إن رأى عائلته تدخل الصرح حتى انفرجت أساريره وارتسمت على شفتيه ابتسامة ترحيب دافئة. تطلعت عينا الملك بنوع من الفخر نحو ابن أخيه، سى اوزير، معجباً ببنيته القوية الفتية ووسامته الشامخة التي تذكره بشباب أخيه خع إم واست. أشار الملك إليهم بيده قائلاً بصوت ملكي رخيم وهادئ:"تعالوا واقتربوا إليّ يا عائلتي الحبيبة وحماة النور.. لقد فرغنا للتو من طقوس العقاب وتأديب الخونة في الساحات، والآن حان الوقت الحرج لنعمل عقولنا ونفكر بدقة في مستقبل هذا الملكوت. إن الممالك الشمالية والشرقية التي سحقنا حصونها وعاقبنا ملوكها بالأمس قد أصبحت اليوم خاضعة وتابعة بالكامل لتاجنا، لكنني أؤمن في أعماقي أن التبعية وبسط النفوذ بقوة السلاح والبطش وحدها لا تكفي لصناعة التاريخ. أنا أريد تحقيق استقرار طويل الأمد يحمي ح
استيقظ الأمير "خع إم واست" في الصباح الباكر، وكانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل برفق وخجل من خلال النوافذ الخشبية المشبكة للغرفة الملكية، لترسم خطوطاً من النور الدافئ فوق الفراش الوفير.كان جسد "تفنوت" ملتصقاً به تماماً في عناق دافئ، ورأسها المسترخي مستقراً فوق صدره، بينما كان شعرها الأسود الطويل والناعم منسدلاً على كتفه كشلال من الحرير الخالص. كان خع إم واست يشعر بدفء جسدها، وبنبض قلبها الهادئ والمنتظم، وبأنفاسها الدافئة العذبة التي تلامس بشرته برقة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة عميقة مليئة بالامتنان الصادق للآلهة التي أعادت له هذا السلام، وانحنى يقبل جبينها بلطف شديد، ثم هبط إلى شفتيها ليقبلهما في قبلة خفيفة وطويلة امتدت لثوانٍ.تحركت تفنوت برقة في حضنه، وفتحت عينيها ببطء شديد، ونظرت إليه لتشيع في المكان ابتسامة ناعسة مليئة بالحب والشوق. مدت يدها الصغيرة الدافئة، وبدأت تمسح على ملامح وجهه بلطف وعناية، كأنه كان يتأكد بحواسها أنه حقيقي وموجود بجانبها بالفعل وليس مجرد حلم عابر من أحلام الليل. همست بصوت ناعم وخافت، لا يزال مشبعاً بلذة الليلة الماضية وسكينتها:"صباح الخير يا حبيبي ونور عيني... أ
بعد انتهاء الاحتفالات الكبرى والعقاب العلني، عاد القصر الملكي في طيبة إلى هدوئه الخارجي، لكن داخله كانت النيران تشتعل. كانت الأيام السابقة مليئة بالمواكب والخطب والدماء، لكن الليلة كانت للأرواح التي عادت أخيراً إلى أجسادها.دخل خع إم واست غرفة نومهما الخاصة في جناح الأمير، وأغلق الباب خلفه بهدوء. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح زيتونية خافتة، تلقي ظلالاً ذهبية على الجدران المنقوشة بمشاهد النيل واللوتس. كانت تفنوت تقف أمام المرآة الكبيرة، ترتدي ثوباً كتانياً أبيض رقيقاً، شعرها الأسود الطويل منسدلاً على ظهرها، وبشرتها الخمرية تتوهج تحت ضوء المصابيح.التفتت نحوه ببطء. عندما التقى نظرهما، شعر كلاهما أن الزمن توقف. كان في عينيها شوق سنة كاملة من الانتظار، وخوف من الفقدان، ولهيب رغبة لم تخمد أبداً.خطا خع إم واست نحوها بخطوات بطيئة، كأنه يخشى أن تكون حلماً. وقف أمامها، رفع يده بلطف، ومسح على خدها بإبهامه. كانت بشرتها ساخنة، ترتجف تحت لمسه."تفنوت..." همس بصوت خشن مكسور. "كم اشتقتُ إليكِ... كنتُ أموت كل ليلة وأنا بعيد عنكِ."لم ترد بالكلام. بل مدت يديها، أمسكت بوجهه، وجذبته إليها في قبلة عميقة، حا
كان النيل يجري بزهو وفخر في ذلك اليوم المشهود، كأن مياهه المباركة تدرك حجم العبء الذي أُزيح عن كاهل الأرض، فصارت تتدافع بقوة، حاملة على ظهرها الفسيح انتصار مصر بأكملها. امتد الأسطول الملكي المنتصر في موكب ملحمي، مسيرة مهيبة انطلقت من شواطئ الإسكندرية وعبرت مدن الدلتا والصعيد حتى بلغت مشارف طيبة العريقة.تحول الوادي كله إلى شاطئ من البشر؛ فالشعب الذي عاش سنوات من الاستعداد المستمر والقلق المكتوم، تجمع الآن على الضفاف من كل حدب وصوب، من المدن الكبرى والقرى الصغيرة. تعالت الصيحات والزغاريد، وامتدت الأيدي تهتف بحماس يزلزل الأركان، بينما كانت أكاليل الزهور والورود الملونة تُرمى بغزارة فوق صفحة المياه لتمهد طريق السفن العائدة.كانت هياكل السفن الحربية مزينة بأعلام النصر الشامخة التي تحمل رموز آمون ورع وست، وفي مقدمة الأسطول، كان المشهد الذي حبس الأنفاس: أسرى الملوك الشماليين المارقين — وعلى رأسهم الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة — معلقين ومقيدين بسلاسل ذهبية ثقيلة على مقدمة السفينة الملكية. كانت أجسادهم التي طالما تفاخرت بالدروع البرونزية مكشوفة لأشعة الشمس، ووجوههم منكس
وما إن اقترب الأسطول المصري الملكي من السواحل المصرية ودخل مصب نهر النيل، حتى تبدلت الأجواء بالكامل وانطلقت الاحتفالات الأسطورية الصاخبة التي كانت قد بدأت بالفعل منذ أيام تحضيراً لاستقبال الفاتحين.كان آلاف الآلاف من أبناء الشعب المصري المخلصين يتجمعون بكثافة على شواطئ النهر وضفافه الخضراء، يلوحون بأيديهم، ويهتفون بأعلى أصواتهم بحماس وفخر باسم الملك مرنبتاح وشقيقه خع إم واست وحفيده سى اوزير، ويرمون أطنان الزهور والورود الملونة على صفحة المياه المباركة ترحيباً بالجنود والأبطال.كانت السفن الحربية المائتان تدخل مجرى النيل في موكب ملكي مهيب ومنظم للغاية، يملأ القلوب عزة وفخراً، وكان مشهد الملوك الأسرى المكسورين المعلقين على مقدمة السفينة الملكية يمثل دليلاً وشاهداً واضحاً وملموساً على النصر الساحق والكامل لنور الوادي على ظلمات الغزاة، مما جعل الشعب يطلق صيحات الفرح التي هزت أركان البلاد.وقف الملك مرنبتاح شامخاً كالمسلة الوردية في طليعة سفينته، يرفع يده القوية بالتحية للشعب المخلص الذي يهتف له باسمه ويعلن ولاءه التام لعرشه الجديد. أما الأمير خع إم واست، فقد كان في عالم آخر؛ كان قلبه يدق
كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب