Share

137

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-07 14:06:40

كان النيل يجري بزهو وفخر في ذلك اليوم المشهود، كأن مياهه المباركة تدرك حجم العبء الذي أُزيح عن كاهل الأرض، فصارت تتدافع بقوة، حاملة على ظهرها الفسيح انتصار مصر بأكملها. امتد الأسطول الملكي المنتصر في موكب ملحمي، مسيرة مهيبة انطلقت من شواطئ الإسكندرية وعبرت مدن الدلتا والصعيد حتى بلغت مشارف طيبة العريقة.

تحول الوادي كله إلى شاطئ من البشر؛ فالشعب الذي عاش سنوات من الاستعداد المستمر والقلق المكتوم، تجمع الآن على الضفاف من كل حدب وصوب، من المدن الكبرى والقرى الصغيرة. تعالت الصيحات والزغاريد، وامتدت الأيدي تهتف بحماس يزلزل الأركان، بينما كانت أكاليل الزهور والورود الملونة تُرمى بغزارة فوق صفحة المياه لتمهد طريق السفن العائدة.

كانت هياكل السفن الحربية مزينة بأعلام النصر الشامخة التي تحمل رموز آمون ورع وست، وفي مقدمة الأسطول، كان المشهد الذي حبس الأنفاس: أسرى الملوك الشماليين المارقين — وعلى رأسهم الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة — معلقين ومقيدين بسلاسل ذهبية ثقيلة على مقدمة السفينة الملكية. كانت أجسادهم التي طالما تفاخرت بالدروع البرونزية مكشوفة لأشعة الشمس، ووجوههم منكسة يملأها الذل، ليكونوا عبرة حية لكل من تسول له نفسه التآمر على أرض الكنانة أو التفكير في إطفاء نورها.

وفي قلب هذا العرس الأسطوري، وقف الملك "مرنبتاح" في مقدمة السفينة الملكية القيادية كالمسلة الشامخة. كان يرتدي تاجه المزدوج — تاج التحامس — وسيفه الذهبي معلق بقوة على خاصرته العسكرية، يرفع يده محيياً الجماهير بعزة القائد الذي وفى بوعده لأبيه ولأجداده.

أما الأمير والكاهن الأكبر "خع إم واست"، فقد كان في عالم آخر؛ كان قلبه يدق بقوة وصخب غير مسبوقين، نبضات متسارعة تكاد تخترق درعه الفيروزي. غابت عن حواسه صيحات الجموع وأغاني النصر، وصار تفكيره كله معلقاً ومحلقاً في فضاء واحد: زوجته وتوأم روحه "تفنوت". طوال أيام الرحلة البحرية الطويلة، لم يكن يتذكر سوى لمستها، دفء حضنها الذي يعيد لروحه السكينة، ونظرات عينيها الحانيتين، وصوتها الرخيم الذي يملك قدرة سحرية على تهدئة أعتى العواصف بعد كل معركة دامية خاضها ضد ظلمات بعل وسحرة الشمال. لم تكن تفنوت بالنسبة له مجرد زوجة تشاركه العرش، بل كانت أمانة روحه الغالية، والنور الطاهر الذي يهرع إليه ليغسل نفسه بعد كل غياب في غياهب الظلام.

وعندما اقتربت السفينة الملكية من رصيف ميناء طيبة الملكي، وشقت طريقها وسط السفن الصغيرة، رآها أخيرًا.

كانت تفنوت تقف في مقدمة صفوف المستقبلين كملكة توجها النور، ترتدي ثوباً كتانياً أبيض نقياً ومطرزاً بخيوط ذهبية دقيقة تلتمع تحت أشعة شمس طيبة الدافئة. كان شعرها الأسود الطويل يتمايل برقة مع نسيم النيل العليل، وعيناها الواسعتان تفيضان بدموع الفرحة والاشتياق اللذين كتما في صدرها لأيام. وبجانبها تماماً، كان الفتى المعجزة "سى اوزير" يقف بثبات وقار، يبتسم ابتسامة فخورة تليق بفتى شارك في صنع النصر الكوني وعاد ليجد أمه آمنة.

ما إن لامست السفينة الرصيف الخشبي للميناء، وبدون التفات لبروتوكولات الملوك أو هيبة الحراس، قفز خع إم واست بسرعة وخفة، وركض نحوها كمن يركض نحو الحياة نفسها، دون أن ينتظر أحداً.

ارتمى في أحضانها واحتضنها بقوة شديدة وعنيفة، كأنه كان يخشى في أعماقه أن تكون هذه الرؤية مجرد سراب أو حلم عابر وأن تذوب بين ذراعيه إن خفف قبضته. دفن وجهه المتعب في منحنى عنقها، يشم عطرها الساحر الذي افتقده طوال ليل الغياب الصقيعي، وهمس بنبرة مكسورة تفيض بالعاطفة المكبوتة:

"تفنوت... يا حبيبتي... يا أمانة روحي.. لقد عدتُ إليكِ. عدتُ سالماً كما وعدتكِ تماماً."

بكت تفنوت بحرقة واشتياق، وانهمرت دموعها الدافئة تبلل كتفه، وأمسكت بوجهه بكلتا يديها الصغيرتين المرتجفتين، تنظر في عينيه لتتأكد أنه حقيقة أمامها، ثم طبعت قبلة حارة على جبينه، ثم على شفتيه، وقالت بصوت متهدج يرتجف من فرط المشاعر:

"كنتُ أموت في كل يوم يمر وأنا في انتظارك... كل ليلة كانت تمر كأنها دهور، وأنا أصلي للآلهة في المحاريب أن تحميك وتعيدك إليّ سالماً. أنت حياتي كلها يا خع إم واست... أنت النور والنبض وكل شيء في وجودي."

في تلك اللحظة، اقترب سى اوزير واحتضنهما معاً بذراعيه الصغيرتين، فأصبحوا ثلاثتهم في حضن واحد دافئ، حلقة مقدسة من الحب والطهر تعوضهم عن أيام الخوف. كان خع إم واست يستشعر هذا التلاحم، ويشعر بعمق أن روحه التي تفرقت في معارك الشمال قد عادت أخيراً واستقرت داخل جسدها. انحنى وقبّل رأس زوجته وجبين ابنه، ووشوش في أذن تفنوت بعهد جديد:

"لن أغادركِ ولن أترك هذا الحضن مرة أخرى طوال ما تبقى لي من أنفاس... هذا وعد قطعته لكِ وللآلهة. أنتِ أمانة روحي، والنور الخالد الذي يطرد كل ظلام قد يتجرأ على الاقتراب منا."

كان الاحتفال في طيبة بعد ذلك استقبالاً أسطورياً لم تشهد البلاد له مثيلاً في تاريخها؛ إذ امتد الموكب الملكي الفخم من ضفاف النيل وحتى عمق صرح معبد الكرنك الكبير. اصطف الشعب في الشوارع وعلى الشرفات في طوابير لا تنتهي، يهتفون ويبكون فرحاً بعودة حماة الحمى، ويرددون بوقار أسماء مرنبتاح وخع إم واست وسى اوزير.

وفي وسط هذا الصخب، كان الأسرى الشماليون الملوك يُسحبون في الموكب وراء الخيول، مربوطين بحبال غليظة، ووجوههم تعكس منتهى الذل والانكسار أمام أعين المصريين العزة، الذين كانوا يعبرون عن غضبهم برمي التراب والزهور الذابلة فوق رؤوس الطغاة المارقين الذين تجرأوا يوماً على التفكير في غزوهم.

وقف الملك الشامخ مرنبتاح أمام حشود شعبه في ساحة الكرنك الكبرى، ورفع سيفه الذهبي نحو السماء، وأعلن بصوت هادر، مدوٍّ، صم الآذان:

"يا أبناء مصر العظيمة! لقد عدنا إليكم اليوم رافعين رايات النصر والمجد! لقد سقط الكيان الشرري بعل وتحطم سحره بالكامل تحت أقدام الإله ست العظيم، وخضع الشمال وقلاعه لإرادتنا وحقنا! وهؤلاء الملوك الخونة الذين تآمروا في الخفاء لتدنيس طهر أرضنا، يقفون الآن أمامكم أسرى مكسورين، وسينالون عقابهم العادل أمام أعينكم جميعاً ليعلم الكون أن كنانة رمسيس لا تُمس!"

واستمرت الاحتفالات والمهرجانات في العاصمة لعدة أيام بلياليها دون انقطاع؛ فارتفعت أناشيد المدح في المعابد، وذُبحت الثيران المقدسة كقرابين شكر لآمون ورع وست، وقُدمت أطنان من الذهب والفضة غنائم للمحاريب.

أما الأمير خع إم واست، فقد كان يستغل كل لحظة ممكنة يبتعد فيها عن أمور الحكم ليقضيها في مخدعه مع تفنوت. كان يحتضنها في كل فرصة، يقبل يدها وجبينها، ويهمس لها بكلمات الحب الصادقة والنقية التي حُرم لسانه من نطقها طوال أشهر الغياب في الصقيع والدم. كانت تفنوت تبتسم له ابتسامتها العذبة التي تمحو الهموم، وتمسح بمرونة على وجهه المتعب، وتقول بنبرة تفيض بالراحة واليقين:

"أنت هنا الآن بجانبي... وهذا كل ما أريده من هذا العالم."

وفي اليوم السابع من الاحتفالات، وحين اكتملت الترتيبات الرسمية، أُقيمت مراسم العقاب العلنية الكبرى أمام حشود الشعب في ساحة الكرنك الفسيحة. جُمع الأسرى الملوك الشماليون في وسط الساحة، وجلس الملك مرنبتاح على عرش الذهب الخالص بكامل هيبته وجبروته العسكري، ومحاطاً بشقيقه خع إم واست وحفيده سى اوزير، بينما وقف الجنود يحملون الرماح المرفوعة.

التفت مرنبتاح نحو الحشود، وألقى خطاباً ملكياً، قاسياً، وقاطعاً كالنصل:

"أيها الشعب العظيم... هؤلاء الملوك الأشرار الذين تآمروا في غسق الليل على أرض مصر وظنوا أننا ضعفاء بموت رمسيس، سيكونون اليوم عبرة ونموذجاً حياً لكل من يفكر في الغدر بنا أو تدنيس حدودنا. اسمعوا وعوا... مصر لا تنسى من يرفع السيف في وجهها، ومصر لا تسامح الخونة أبداً."

ثم أصدر الملك أمره الصارم بتنفيذ العقوبات فوراً أمام الأعين؛ فبعض ملوك الحلف الصغار سُبيوا ليكونوا خدماً، وبعضهم الآخر نُفي إلى المناجم البعيدة في الصحراء، أما الطاغية الأكبر، ملك الحيثيين "أدنوك"، فقد حُكم عليه بالإعدام العلني ضرباً بالحق لتنتهي بوفاته أحلام الشمال. كان الشعب يهتف فرحاً وعزة مع كل عقوبة تنفذ، وكانت مصر تعلن برسم الحديد والنار سيطرتها وهيمنتها المطلقة على كامل أراضي الأعداء والمقاطعات الشمالية.

كان الأمير خع إم واست يقف في منصته، ينظر بهدوء نحو زوجته تفنوت التي كانت تقف بجانبه ممسكة بيده، ويبتسم ابتسامة هادئة تفيض بالسلام الداخلي. كان يعلم في أعماق نفسه الحكيمة أن النصر الحقيقي والأبقى ليس في سحق الأعداء بساحة المعركة أو قطع الرؤوس فقط؛ بل هو في القدرة على العودة سالماً طاهراً إلى حضن من يحب وصيانة بيته وعائلته.

انتهت الحملة العسكرية العقابية الكبرى بانتصار ساحق، كامل، وخالد لأرض مصر. وبسطت بلاد الكنانة نفوذها وأمانها على كامل المنطقة من الدلتا إلى أقصى أراضي الشام، وبدأت صفحة جديدة تماماً من السلام والقوة المفرطة تحت حكم الملك مرنبتاح، وبحماية وسحر عائلة رمسيس العظيم.

أو هكذا ظنوا... وعاشوا في الوهم... دون أن يدركوا أن في جوف الظلام الكوني الخفي، كانت هناك عيون أخرى قد بدأت تفتح، وتخطط لشيء أكثر رعباً مما مضى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status