Share

88

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-01 14:07:02

كان سى اوزير ملقى على ركبتيه داخل قلب أبوفيس، يلهث بشدة، جسده يرتجف من الإرهاق الروحي والجسدي. كان الانفجار الذي حدث عند قطع قلب الاتحاد قد أرسل موجات صدمة عنيفة في كل اتجاه، وكان الجسد الحي للثعبان العملاق يرتجف بعنف حولَه، كأن الكون كله يئن من الألم. الجدران اللحمية السوداء كانت تنقبض وتتمدد، تحاول طرده كجسم غريب خطير، والدم الأسود الكثيف كان يجري حوله كأنه نهر من الغضب.

"يجب أن أخرج... الآن." همس لنفسه بصوت مكسور، وهو ينهض بصعوبة بالغة.

كان صوت المعركة الكونية خارجاً يتردد كرعد مدوي — رع يطلق أشعة الشمس المتتالية، وست يضرب برمحه بقوة غاشمة — مما جعل أبوفيس يصرخ ويهتز بشدة، لكنه كان لا يزال منشغلاً تماماً بالقتال. كانت هذه هي الفرصة الوحيدة.

بدأ سى اوزير يركض داخل الممرات الضيقة لجسد الثعبان. كانت الأوردة النابضة تحاول الإمساك به، تمتد كأيدٍ سوداء، تحاول سحقه. كان يقطعها بسيفه الأثيري، يشق طريقه بصعوبة، جسده ينزف من الجروح الجديدة التي تفتحها الجدران الحية. كان الهواء خانقاً، يحمل رائحة الفساد والموت، وكان يسمع همسات تابوبو تتردد في رأسه:

"ابقَ... ابقَ معي... أنت الآن جزء مني."

لكنه كان يقاتل، يتذكر وجه أبيه، دموع أمه، فخر جده، ويستمر في الركض.

كانت الرحلة داخل الثعبان مليئة بالمخاطر. مر في أنابيب من السم الأسود الذي كان يحرق جلده، يحاول أن يتنفس رغم السم الذي يملأ رئتيه. واجه أوهاماً جديدة — رأى أباه يقف أمامه، يبتسم ويقول "تعالَ معي... نحن سعيدون هنا" — لكنه كان يعرف أنها خدعة، فيقطعها بسيفه ويستمر.

في إحدى اللحظات، انهار جزء من الجدار الحي، واندفع سيل من الظلام يحاول ابتلاعه. صرخ سى اوزير واستدعى نوره الفيروزي بكل ما تبقى له من قوة، فانفجر النور وفتح له ممراً ضيقاً. كان يركض، يقفز، يتسلق الأوردة النابضة، يقاتل كل شيء يقف في طريقه.

خارجاً، كانت المعركة في أوجها. كان أبوفيس يصرخ من الألم بعد قطع الاتحاد، جسده يرتجف بعنف، مما جعل رع وست يهاجمانه بقوة أكبر. كان رع يطلق أشعة الشمس المتتالية، وست يضرب برمحه في الجراح الجديدة، يمزق الثعبان ويمنعه من التركيز على الداخل.

كان سى اوزير يرى الضوء الذهبي من بعيد — فتحة صغيرة تتسع وتضيق مع حركة الثعبان. كان يركض نحوها بكل ما أوتي من قوة، يصرخ، يدفع نفسه إلى الحد الأقصى. كانت الجدران تحاول سحقه، الأوردة تلتف حوله، لكنه كان يقطعها، يحرقها بنوره، ويتقدم.

في اللحظة الأخيرة، عندما كان أبوفيس على وشك الانهيار من شدة الضربات، قفز سى اوزير خارجاً من فتحة في جسد الثعبان، يطير في الهواء، ثم سقط على مركب الشمس بقوة، جسده يرتطم بالأرض الذهبية.

كان رع وست يقفان فوقه، ينظران إليه بإعجاب.

"لقد نجحتَ." قال رع بصوت مليء بالفخر. "الآن... عد إلى عائلتك."

أمسك ست بالفتى، وألقاه بلطف نحو بوابة العودة. سقط سى اوزير في النور، يعود إلى العالم العلوي عاد سى اوزير من أعماق الدوات كشبح من نور ممزق. خرج من البوابة المقدسة في أحشاء معبد بتاح الكبير بمنف، جسده يرتجف من الإرهاق الشديد، دمه يسيل من جروحه الروحية والجسدية، وعيناه الفيروزيتان تحملان بريقاً منتصراً ممزوجاً بألم عميق. كان يلهث بشدة، سيفه الأثيري لا يزال يلمع بضوء خافت، وروحه تحمل ذكرى الرعب الذي عاشه داخل جسد أبوفيس.

كانت الأميرة تفنوت و الفرعون رمسيس ينتظرانه في الفناء المقدس، محاطين بحراسة مشددة وكهنة يرددون التعاويذ. عندما رأوا الفتى يخرج، هرعت تفنوت نحوه صارخة، احتضنته بقوة يائسة، وهي تبكي بحرقة لم يسبق لها مثيل:

"ابني! يا نور عيني... عدتَ! عدتَ حياً! أخبرني... ماذا حدث؟ أين أبوك؟"

احتضنها سى اوزير بقوة، وهو يبكي على كتفها، جسده الصغير يرتجف من التعب والعواطف المكبوتة. كان الفرعون رمسيس يقترب ببطء، عيناه مليئتان بالدموع، يمد يده المرتجفة ليلمس كتف حفيده:

"يا ولدي... أخبرنا. هل نجحتَ؟"

جلس الثلاثة على الأرض في وسط الفناء، تحت ضوء القمر الدامي. كان سى اوزير يلهث، يحاول جمع أفكاره، ثم بدأ يروي بصوت مكسور مليء بالدراما والرعب:

"رأيتُ... رأيتُ أهوالاً لا تُوصف. اجتزتُ سبعة ألغاز نفسية مرعبة، كل واحدة كانت تحاول أن تكسرني. رأيتُ نفسي في المستقبل وحيداً على العرش... رأيتُ أمي تموت ببطء بسببي... رأيتُ جدي يلومني وهو يموت... رأيتُ تابوبو تعدني بالقوة والسعادة إذا استسلمت. كنتُ أقاتل نفسي في كل خطوة... كنتُ أبكي... كنتُ أريد الاستسلام... لكنني تذكرتكما... تذكرت أبي... فاستمررت."

بكت تفنوت بحرقة أكبر، تحتضنه، تقبل جبينه، وتهمس:

"أنت بطل يا ولدي... أنت أعظم من أي فرعون."

تابع سى اوزير، صوته يرتجف:

"وصلتُ إلى مركب الشمس... ورأيتُ المعركة الكونية. رع وست يقاتلان أبوفيس بقوة لا تُصدق. كان الثعبان العملاق يحاول ابتلاع الشمس... والدنيا كلها. ساعدني ست، وقذفني داخل جسد أبوفيس. كان الداخل جحيماً... أوردة نابضة، أوهام، ألم... لكنني وجدتُ قلب الاتحاد. قطعته... قطعته بكل ما أوتيت من قوة. انفصلت تابوبو عن قوة أبوفيس... لكنها لا تزال موجودة. أبي لا يزال تحت سيطرتها، لكنه الآن أضعف. يمكننا إنقاذه... لكن المعركة لن تكون سهلة."

ساد الصمت للحظات. نظر الفرعون رمسيس إلى حفيده بعينين مليئتين بالفخر والحزن، ثم قال بصوت مكسور:

"لقد فعلتَ المستحيل يا ولدي... أنت أنقذتَ أباك من الظلام المطلق. الآن... علينا أن نذهب إليه."

نهضت تفنوت فجأة، عيناها مليئتان بالعزم رغم الدموع:

"سأذهب معكما. أنا النور في قلب خع إم واست... أنا الذي يمثل الطهر الذي يحتاجه ليعود. لن أتركه يواجهها وحده. سأكون بجانبه... حتى لو كلفني حياتي."

نظر إليها رمسيس طويلاً، ثم أومأ برأسه ببطء:

"إذن... سنذهب جميعاً. غداً... نعود إلى بو باستيس. هذه المرة... لن نترك ابني هناك."

كان القرار قد اتُخذ. كانت العائلة الملكية ستعود إلى بو باستيس، لمواجهة تابوبو في معركتها الأخيرة، بعد أن انفصلت عن قوة أبوفيس. كانت المعركة القادمة ستكون سحرية شرسة، ليست سهلة، بل مليئة بالمخاطر والتضحيات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status