Masukالفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب
"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب." لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل. اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى. أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم. لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا. اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه. وسط كل ذلك... لم تكن إيلي تسمع شيئًا. لا الطلقات. ولا صرخات الحراس. ولا أوامر بيتر. كل ما كانت تسمعه... هو أنفاس إيثان المتقطعة. كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها. وضعت يدها على كتفه. فامتلأت أصابعها بالدم. ارتجفت. "إيثان..." فتح عينيه بصعوبة. حاول أن يبتسم. لكن الألم كان أقوى. قال بصوت خافت: "هل أصابك شيء؟" نظرت إليه غير مصدقة. كان هو من ينزف... ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها. هزت رأسها بسرعة. "أنا بخير..." ثم أضافت وهي تكاد تبكي: "...لكن أنت لست بخير." اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس. شق القماش حول الجرح. نظر إليه سريعًا. ثم قال بجدية: "الرصاصة اخترقت الكتف." "يجب أن نوقف النزيف فورًا." أخرج أدواته الطبية. لكن إيثان أمسك معصمه. "ليس هنا." نظر إليه الطبيب باستغراب. "الطلقات قد تعود في أي لحظة." أجاب إيثان وهو يحاول الوقوف: "علينا أن نخرج أولًا." حاول النهوض. لكن الألم أسقطه على ركبتيه. شهقت إيلي. أمسكت به قبل أن يسقط على الأرض. رفع رأسه إليها. كانت قريبة جدًا منه. إلى درجة أنه استطاع أن يرى دموعها قبل أن تنزل. قال بابتسامة متعبة: "أخبرتك..." "...لا تبكي." انكسرت كل محاولاتها للتماسك. "ومن قال إنني أبكي؟" ابتسم رغم الألم. "عيناك تكذبان." خفضت رأسها حتى لا يرى دموعها. لكنها لم تستطع. أخذت تضع قطعة القماش فوق الجرح، تضغط بقوة لإيقاف النزيف. كان الدم يخرج بين أصابعها. كلما ازداد... ازداد خوفها. وللمرة الأولى منذ أن عاد إلى حياتها... شعرت برعب حقيقي من فكرة فقدانه. --- بعد نصف ساعة... وصل الجميع إلى القصر. تحول أحد أجنحة الطابق الأرضي إلى غرفة علاج مؤقتة. أغلق الطبيب الباب. ولم يسمح لأحد بالدخول. وقف فيليب أمام النافذة. بينما جلس بيتر يراجع ما حدث في المقبرة. أما إيلي... فكانت تقف أمام الباب. لم تتحرك. لم تجلس. لم تنطق بكلمة. اقتربت منها ماريا. وضعت يدها على كتفها. "سيكون بخير." لكن إيلي لم ترد. قالت بعد لحظات طويلة: "كلما اقتربت الحقيقة..." "...يدفع هو الثمن." احتضنتها ماريا. "لأنه يحبك." أغمضت إيلي عينيها. كانت هذه أول مرة ينطق أحد بهذه الحقيقة أمامها دون مواربة. ولم تستطع إنكارها. ولا حتى إنكار ما تشعر به هي. --- داخل الغرفة... كان الطبيب ينهي تضميد الجرح. قال لإيثان: "أنت محظوظ." ابتسم إيثان ساخرًا. "لا أشعر بذلك." ضحك الطبيب. "الرصاصة مرت بجوار العظم مباشرة." "لو انحرفت سنتيمترًا واحدًا..." "...لما كنا نتحدث الآن." ساد الصمت. ثم طرق الباب. دخل بيتر. اقترب من السرير. جلس بجوار إيثان. وظل ينظر إليه لحظات. ثم قال: "أنت أحمق." رفع إيثان حاجبه. "أعرف." "كان يمكن أن تموت." أجاب بهدوء: "وكان يمكن أن تموت هي." نظر بيتر إليه طويلًا. ثم ابتسم. "إذن كنت محقًا." "في ماذا؟" "حين قلت إنك لم تتوقف يومًا عن حبها." أدار إيثان وجهه نحو النافذة. كانت السماء تمطر من جديد. قال بصوت هادئ: "بعض الأشخاص..." "...لا يغادرون القلب مهما مرت السنوات." --- في المساء... استيقظ إيثان على صوت الباب يُفتح بهدوء. ظن أن الطبيب عاد. لكنه وجد إيلي. كانت تحمل صينية صغيرة. عليها كوب حساء ساخن. ودواء. وبعض الضمادات النظيفة. ابتسم عندما رآها. "هل أصبحتِ ممرضة؟" ابتسمت لأول مرة منذ الصباح. "لا." "لكن الطبيب قال إنك لن تلتزم بتعليماته." ضحك بخفة. "معه حق." اقتربت منه. وضعت الصينية على الطاولة. ثم جلست على حافة السرير. ساد صمت مريح. لا يحتاج إلى كلمات. كانت تنظر إلى الضماد الأبيض حول كتفه. همست: "آسفة." نظر إليها باستغراب. "على ماذا؟" "لو لم أكن هناك..." قاطعها بحزم. "لا تقولي ذلك." رفعت عينيها إليه. فأكمل: "لو عاد الزمن ألف مرة..." "...سأفعل الشيء نفسه." ارتعش قلبها. كانت هذه أبسط جملة قالها... لكنها كانت أصدق اعتراف سمعته منه. مدت يدها ببطء. ثم بدأت ترتب خصلات شعره التي بعثرتها الرياح والدماء. تجمد في مكانه. لم يتحرك. كان يراقبها فقط. وحين انتهت... حاولت سحب يدها. لكنه أمسكها برفق. ليس بقوة. بل كما لو كان يخشى أن تختفي. تشابكت نظراتهما طويلًا. قال بصوت منخفض: "هل ما زلتِ خائفة مني؟" هزت رأسها بالنفي. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "الغريب..." "...أنني أصبحت أخاف عليك أكثر مما أخاف منك." شعر أن قلبه توقف للحظة. اقترب منها قليلًا. لكن قبل أن يتكلم... سُمع طرق سريع على الباب. دخل بيتر دون انتظار. توقف في مكانه عندما رآهما. ابتسم بخبث. "يبدو أنني قاطعت لحظة مهمة." ابتعدت إيلي بسرعة، واحمر وجهها. أما إيثان فاكتفى بالتنهد. قال بيتر وقد اختفت ابتسامته سريعًا: "لدينا مشكلة." وقف إيثان فورًا رغم اعتراض إيلي. "ماذا حدث؟" ناول بيتر ظرفًا بنيًا صغيرًا. كان قد وُضع قبل دقائق على بوابة القصر. فتح إيثان الظرف. وجد بداخله صورة حديثة التقطت من نافذة هذا الجناح قبل أقل من ساعة. كانت الصورة تُظهر إيلي وهي تجلس بجوار سريره، تمسك بيده. وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة بالحبر الأسود: "راقبناها وهي تقع في حبك... والآن سنجعلها تشاهد موتك."الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد
الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت
الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه
الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول
الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث
الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى







