ログインالفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال
"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم." ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري. لم يتحرك. ولم يحاول الاقتراب. كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل. انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ. وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل. خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه... كانتا ثابتتين بصورة غريبة. رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد. "لا تتحرك." ابتسم آدم ابتسامة هادئة. "لو أردت إيذاءكما..." رفع يديه ببطء. "...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى." ساد الصمت. لم يُنزل إيثان سلاحه. قال ببرود: "كيف عرفت هذا المكان؟" تنهد آدم. ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة. "لأنني آخر من أغلق هذا الباب." تجمدت إيلي. رمشت عدة مرات. "ماذا تقصد؟" رفع بصره إليها. وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها. قال بصوت منخفض: "أنا من دفن أسرار والدتك." --- تقدمت إيلي خطوة. "أنت تكذب." هز رأسه بهدوء. "أتمنى لو كنت أفعل." أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا. قطعة فضية قديمة. علقها في الهواء بين أصابعه. شهقت إيلي. عرفتها فورًا. كانت نصف الميدالية التي تظهر في صورة قديمة تجمع والدتها برجل مجهول. أما النصف الآخر... فكان محفوظًا داخل صندوق ذكريات إليزابيث. همست: "هذه..." قال آدم: "كانت أمانة عندي." نظر إيثان إلى الميدالية. ثم إلى آدم. "من أنت؟" ابتسم الرجل ابتسامة حزينة. "اسمي ليس آدم." صمت. ثم أكمل: "اسمي الحقيقي..." "...آدم هاريس." نظر إيثان إليه دون أن يرمش. ذلك الاسم... سمعه من قبل. لكن أين؟ ثم تذكر فجأة. فتح الملف الذي كان يحمله في ذاكرته. "أنت..." "...الحارس الشخصي لإليزابيث مونتغمري." أومأ الرجل ببطء. "كنت كذلك." --- ساد صمت طويل. لم تعد إيلي تعرف ماذا تصدق. الرجل الذي كان يزرع الورود كل صباح... كان الحارس الشخصي لوالدتها؟ قالت بصوت مرتجف: "إذا كنت قريبًا منها..." "...فأين كنت ليلة مقتلها؟" انخفضت عيناه. ولأول مرة... ظهر الألم على وجهه. "كنت معها." اتسعت عينا إيلي. أما إيثان... فأخفض مسدسه ببطء. "إذن رأيت القاتل." رفع آدم رأسه. لكن إجابته جاءت كالصاعقة. "لا." "أنا من فتح له الباب." ساد صمت مرعب. ارتدت إيلي خطوة إلى الخلف. شحب وجهها. "ماذا...؟" أغمض آدم عينيه. "كنت أظن أنني أنقذها." "لكني..." "...قدتها إلى الموت بيدي." انقبضت أصابع إيثان حول المسدس. "اشرح." رفع آدم نظره إليهما. ثم قال: "إذا أردتما الحقيقة..." "...فعليكما أن تسمعا الليلة التي ماتت فيها إليزابيث..." "...من الرجل الذي كان يقف بجوارها حتى اللحظة الأخيرة." وخارج الغرفة السرية... دوى فجأة صوت انفجار هائل اهتزت له جدران القصر كلها. تطاير الغبار من سقف الممر. وانطفأت نصف المصابيح الزيتية. نظر الثلاثة إلى بعضهم في اللحظة نفسها. همس إيثان: "لقد بدأوا." لم يكد صدى الانفجار يخفت... حتى تساقط غبار كثيف من سقف الممر. اهتزت الأرض تحت أقدامهم لثوانٍ، ثم عاد كل شيء إلى سكون ثقيل. أسرع إيثان نحو مدخل الغرفة. ألقى نظرة عبر الممر المؤدي إلى الخارج. لا شيء. لكن رائحة الدخان كانت قد بدأت تزحف إلى الداخل. قال دون أن يلتفت: "الانفجار وقع داخل القصر... وليس خارجه." عقد آدم حاجبيه. "إذن وجدوه." استدار إليه إيثان بسرعة. "من؟" نظر آدم إلى الظلام الممتد خلفهما. ثم قال بصوت خافت: "الذين يبحثون عن السجل الحقيقي." قطب إيثان جبينه. "السجل الحقيقي؟" ابتسم آدم ابتسامة باهتة. "ما وجدتموه قبل قليل ليس سوى نسخة." شعرت إيلي بأن أعصابها توشك على الانهيار. "نسخة؟" "نعم." اقترب آدم من الطاولة الحجرية. مرر أصابعه فوق سطحها المغطى بالغبار. "إليزابيث لم تكن تثق بأحد." نظر إلى إيلي. "ولا حتى بنفسها أحيانًا." "لذلك صنعت سجلين." "أحدهما يحتوي على ما يجب أن يعرفه الجميع." "والآخر..." توقف. "...يحتوي على الحقيقة التي لا يجب أن يعرفها أحد." ساد صمت ثقيل. قال إيثان بحدة: "أين هو؟" رفع آدم عينيه إليه. "لو كنت أعرف مكانه..." "...لما بقيت أزرع الورود في هذا القصر عشرين عامًا." ظلت إيلي تحدق في الرجل. كل ذكرى صغيرة عنه بدأت تتغير داخل رأسها. كان دائمًا موجودًا. يصنع لها أرجوحة وهي طفلة. يعلمها أسماء الزهور. يبتسم كلما مرت بجواره. لم يكن مجرد بستاني... كان يراقبها. يحرسها. همست: "إذن... كنت تعرفني منذ ولادتي." أومأ آدم. "حملتك بين ذراعي أول مرة." ارتجفت شفتاها. "ولماذا لم تخبرني؟" تنهد ببطء. "لأن أمك أقسمت عليّ." أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا. كان أصفر اللون، وقد بهتت أطرافه. ناولها إياه. "قالت لي..." "...إذا متُّ قبل أن تكبر إيلي، فلا تسلمها هذه الرسالة حتى تصبح قادرة على الاختيار بنفسها." ترددت إيلي. ثم أخذت الظرف. كان اسمها مكتوبًا بخط إليزابيث. إلى ابنتي... عندما تصبحين امرأة. ارتعشت أصابعها. لكنها لم تفتحه. ضمت الرسالة إلى صدرها فقط. راقبها إيثان بصمت. ثم عاد بنظره إلى آدم. "ما الذي حدث تلك الليلة؟" أغمض الرجل عينيه. وكأنه يرى الماضي أمامه. "كانت إليزابيث تعلم أنهم قادمون." "قبل الهجوم بثلاثة أيام." نظر إليه إيثان بدهشة. "كيف؟" ابتسم آدم بمرارة. "لأن من أخبرها..." "...كان أحدهم." ساد الصمت. "كان هناك رجل داخل جماعتهم." "عمل معنا سرًا سنوات طويلة." "وكان يرسل إلينا كل تحركاتهم." قالت إيلي بسرعة: "من هو؟" هز آدم رأسه. "لا أعرف اسمه." "إليزابيث وحدها كانت تعرفه." "وكانت تناديه..." "...بالغراب الأبيض." تبادل إيثان وإيلي النظرات. الاسم غريب. ومتناقض. لكن إليزابيث كانت تقصد شيئًا بالتأكيد. قال آدم: "في الليلة الأخيرة..." "وصلت رسالة منه." "قال فيها إن ريتشارد سيأتي بنفسه." قبض إيثان على فكه. "إذن كانت مستعدة." "نعم." "لكن..." انخفض صوت آدم. "...الرسالة كانت ناقصة." رفع إيثان حاجبه. "ناقصة؟" "لم تذكر أن ريتشارد لن يأتي وحده." توقف الرجل عن الكلام. كان واضحًا أن استكمال الذكرى يثقل صدره. اقتربت إيلي منه. ولأول مرة... لم تنظر إليه كخادم. بل كرجل يحمل ذنبًا عمره عشرون عامًا. قالت برفق: "لا تجبر نفسك." ابتسم بحزن. "بل يجب أن أفعل." "تعبت من الصمت." رفع رأسه. ثم نظر إلى إيثان مباشرة. "حين فتحت البوابة..." "...لم يدخل رجل واحد." "دخل ثلاثة." تجمد إيثان. "ريتشارد..." "...ورجلان آخران." "أحدهما مات بعد سنوات." "أما الآخر..." سكت فجأة. اتسعت عيناه. ثم استدار نحو باب الغرفة. كأنه سمع شيئًا. أخرج إيثان مسدسه في اللحظة نفسها. "ماذا هناك؟" همس آدم: "لسنا وحدنا." ساد الصمت. ثم... صدر صوت احتكاك حذاء بالحجر. خطوة. تلتها أخرى. ثم ثالثة. كان شخص ما يتحرك في الممر الخارجي ببطء شديد. ويتعمد أن يسمعوه. انطفأ أحد المصابيح الزيتية. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى لم يبق سوى ضوء الفانوس الذي يحمله آدم. أمسك إيثان بيد إيلي دون وعي. وجذبها خلفه. أصبحت تقف خلف كتفه مباشرة. قال بصوت منخفض: "لا تبتعدي." ولم تعترض. بل تشبثت بطرف معطفه. بينما ثبت هو نظره على ظلام الممر... منتظرًا أن يظهر القادم. ثبت إيثان قدميه أمام إيلي. أصبحت هي خلفه مباشرة. حتى إنها استطاعت أن تشعر بحرارة ظهره رغم برودة الممر الحجري. لم يقل لها ابتعدي. ولم تطلب هي أن ترى ما يحدث. كانت تثق... أنه إذا وقف أمامها، فلن يسمح لأي شيء بالوصول إليها. خرج الصوت مرة أخرى. خطوة... ثم أخرى. بطيئة. متعمدة. رفع إيثان مسدسه أكثر. "اخرج." لم يجبه أحد. لكن الخطوات توقفت. ساد صمت ثقيل. ثم انطلق حجر صغير من آخر الممر، وارتطم بالجدار أمامهم. استدار إيثان بسرعة نحو مصدره. وفي اللحظة نفسها... همس آدم بحدة: "لا!" لكن الأوان كان قد فات. ضغطت إحدى البلاطات الحجرية تحت قدم إيثان. صدر صوت ميكانيكي مكتوم. ثم انفتح جزء من الأرض فجأة. اختل توازن إيثان. وانزلقت قدمه داخل الفتحة. سقط المسدس من يده. صرخت إيلي: "إيثان!" لم تفكر. ألقت بنفسها نحوه. أمسكت ذراعه بكلتا يديها قبل أن يسقط في الهوة. ارتطم جسده بحافة الحجر بقوة. تأوه من الألم. وخاصة كتفه المصاب. كانت الفتحة عميقة. لا يُرى قاعها. قال وهو يحاول التماسك: "ابتعدي..." هزت رأسها بعنف. "لن أتركك." بدأت قدما إيثان تنزلقان أكثر. الحافة كانت تتكسر تحت وزنه. شعرت إيلي أن قوتها لن تكفي. التفتت إلى آدم. "ساعدني!" اندفع الرجل فورًا. أمسك بذراع إيثان الأخرى. لكن الحافة استمرت في الانهيار. قال آدم بصوت مضغوط: "إذا تحركنا دفعة واحدة... سنسقط جميعًا." كانت أصابع إيلي تؤلمها. لكنها لم تتركه. نظر إليها إيثان. ورغم الموقف... ابتسم. قال بصوت متقطع: "كنتِ دائمًا عنيدة." كادت تبكي. "اسكت." "إيلي..." "قلت اسكت." كانت دموعها قد بدأت تنهمر. "لن أسمح لك أن تسقط." نظر إليها طويلًا. لأول مرة... لم ير في عينيها أي محاولة لإخفاء مشاعرها. كان الخوف عليه واضحًا بصورة مؤلمة. قال آدم بسرعة: "اسمعاني." "هناك سلسلة حديدية بجانب الحائط." التفتت إيلي. وجدتها بالفعل. لكنها كانت بعيدة. إذا تركت يد إيثان... سيسقط. فكر إيثان للحظة. ثم قال بهدوء غريب: "عندما أعد إلى ثلاثة..." "...ستتركين يدي." صرخت فيه: "مستحيل." "ثقي بي." "لن أفعل." نظر إليها. كانت ترتجف. لم يكن خوفها من الموت... بل من فقدانه. قال بصوت أكثر لينًا: "أنتِ قلتِ منذ قليل إنك تعرفين متى أكذب." أومأت وهي تبكي. ابتسم. "إذن صدقيني هذه المرة." ترددت. ثانية... ثانيتين... ثم أغمضت عينيها. وفي اللحظة التي أفلتت فيها يده... اندفع إيثان بجسده كله نحو الجدار المقابل. كان قد لمح بروزًا حجريًا صغيرًا. أمسكه بيده السليمة. وفي الوقت نفسه... التقط آدم السلسلة الحديدية وقذفها إليه. لفها إيثان حول معصمه. ثم جذب نفسه بصعوبة حتى عاد إلى الأرض. ظل الجميع يلهث لعدة ثوانٍ. لم يتكلم أحد. وفجأة... اندفعت إيلي نحوه. احتضنته بقوة. دون تفكير. دون خجل. دفنت وجهها في صدره وهي تلهث. "ظننت..." "...ظننت أنني خسرتك." تجمد إيثان. لم يتوقع ذلك. رفع يديه ببطء. ثم أحاطها بذراعيه. وكأنه يخشى أن تختفي إذا تركها. أغمض عينيه. وقال همسًا: "أنا هنا." "ولن أرحل." ابتعدت إيلي بعد لحظات عندما أدركت ما فعلته. احمر وجهها. خفضت رأسها بسرعة. أما إيثان... فلم يعلق. لكنه لم يستطع منع الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على وجهه. راقبهما آدم بصمت. ثم ابتسم هو الآخر. وهمس لنفسه: "إليزابيث..." "لو كنتِ هنا الآن..." "...لعرفتِ أن نبوءتك بدأت تتحقق." لكن تلك اللحظة الهادئة لم تدم. فجأة... دوى صوت إطلاق نار داخل الممر. ارتطمت الرصاصة بالحائط على بعد سنتيمترات من رأس إيلي. أطفأت الفانوس. وغرق المكان كله في ظلام دامس. ثم جاء صوت رجل بارد من قلب العتمة: "انتهت اللعبة..." "وسيدة القصر لن تغادر هذا المكان حيّة." ابتلع الظلام الممر كله. لم يعد أحد يرى الآخر. لم يبق سوى رائحة البارود، وصدى الرصاصة الذي ارتطم بالحجارة ثم تلاشى ببطء. ثبت إيثان مكانه. مد ذراعه خلفه حتى لامست أصابعه يد إيلي. ضغط عليها برفق. كانت الإشارة التي تعرفها جيدًا... لا تتحركي. أطبقت أصابعها على يده دون أن تنطق. أما آدم... فانخفض تلقائيًا خلف أحد الأعمدة الحجرية. همس: "إنه يعرف المكان." رد إيثان بصوت يكاد لا يُسمع: "إذن ليس دخيلًا." ساد الصمت ثانية. ثم جاء الصوت نفسه من مكان آخر. "ألقي السلاح يا إيثان." انعقد حاجباه. الصوت لم يعد أمامه... بل أصبح على يساره. إذن الرجل يتحرك. ويستغل الظلام أفضل منهم. قال إيثان بهدوء: "لن يحدث." ضحكة قصيرة ترددت داخل الممر. "كنت أعلم أنك ستقول ذلك." بدأت عينا إيثان تتأقلمان تدريجيًا مع العتمة. لاحظ خيطًا رفيعًا من الضوء يتسلل من فتحة في السقف. ضوء القمر. لم يكن كافيًا للرؤية... لكنه كان كافيًا لرؤية الظلال. وفجأة... تحرك ظل بسرعة بين عمودين. أطلق إيثان رصاصة واحدة. ارتد صوتها في الأنفاق. تبعها صوت ارتطام جسد بالحائط. لكن لم يسقط أحد. قال الرجل ساخرًا: "أصبحت أبطأ مما كنت." تصلب فك إيثان. كان يعرف هذه النبرة. سمعها من قبل. لكن أين؟ وفي تلك اللحظة... همست إيلي: "إيثان..." "انظر إلى الأرض." خفض بصره. كانت أرضية الممر مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار. وفوقها... آثار أقدام واضحة. ليست مجموعة واحدة. بل مجموعتان. إحداهما حديثة جدًا. والأخرى... تتجه إلى الحائط الأيمن ثم تختفي. فهم إيثان فورًا. ليس حائطًا. بل باب مخفي. همس: "آدم..." "كم عدد المخارج هنا؟" أجاب بسرعة: "اثنان فقط." هز إيثان رأسه. "لا." وأشار إلى الآثار. "هناك ثالث." نظر آدم إلى الأرض. واتسعت عيناه. "مستحيل..." "أنا لا أعرف هذا الممر." ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة. "إذن الشخص الذي يطاردنا..." "...يعرف القصر أكثر منك." لم ينتظر أكثر. أمسك إيلي من يدها. وركضا باتجاه الحائط. صرخ الرجل من الظلام: "توقف!" ثم انطلقت رصاصتان متتاليتان. ارتطمت الأولى بالسقف. أما الثانية... فمرت بجوار كتف آدم. سقط الرجل أرضًا. صرخت إيلي: "آدم!" لكن آدم رفع يده بسرعة. "أنا بخير..." "مجرد خدش." استغل إيثان اللحظة. بدأ يتحسس الحجارة بسرعة. حتى توقفت يده عند نقش صغير... شكل غراب. ضغط عليه. صدر صوت احتكاك قديم. وتراجع جزء من الحائط إلى الخلف. ظهر ممر ضيق بالكاد يتسع لشخص واحد. قال بسرعة: "إيلي... ادخلي." هزت رأسها بعناد. "لن أترككما." نظر إليها بحدة. "هذه ليست مناقشة." تقدمت نحوه خطوة. ورغم صوت الرصاص... قالت بثبات: "إما أن نخرج معًا..." "...أو لا يخرج أحد." نظر إليها لثانية. ثم تنهد مستسلمًا. كانت هذه إيلي الجديدة. لم تعد الفتاة التي تختبئ خلف الآخرين. دخل الثلاثة الممر. وما إن تجاوزوا المدخل... حتى أغلق الباب الحجري نفسه تلقائيًا. انقطع صوت الرصاص. لكن بقي صوت الرجل... يضحك. كانت ضحكة بعيدة. باردة. ومليئة بالثقة. قال: "اهربوا..." "فكل طريق في هذا القصر..." "...ينتهي عندي." توقف الثلاثة بعد عدة دقائق. كان الممر ينتهي بغرفة صغيرة دائرية. في وسطها... طاولة حجرية يتوسطها صندوق أسود. لا نقوش. لا أقفال. لا زخارف. مجرد صندوق. اقترب آدم منه. ثم تراجع فجأة. وشحب وجهه. لاحظ إيثان ذلك. "ماذا؟" أجاب بصوت خافت: "كنت أظنه مجرد أسطورة." "ما هو؟" أشار إلى الصندوق. "هذا..." "...هو صندوق العهد." التفتت إليه إيلي. "العهد؟" قال آدم: "كل سيدة للقصر..." "...كانت تضيف إليه شيئًا واحدًا." "رسالة..." "اعترافًا..." "أو سرًا..." "ثم تغلقه." سأل إيثان: "ومن يفتحه؟" نظر آدم إلى إيلي مباشرة. وأجاب: "السيدة الأخيرة فقط." ساد صمت طويل. اقتربت إيلي ببطء. مدت يدها نحو الصندوق. لكن قبل أن تلمسه... لاحظت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها. كان فوق الغطاء... ظرف أبيض حديث. ليس قديمًا. ولا مغطى بالغبار. وكأنه وُضع قبل دقائق. ارتجفت أصابعها. رفعت الظرف ببطء. كان مكتوبًا على واجهته بخط واضح... "إلى إيلي..." "لقد سبقتك بخطوة." — ريتشاردالفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد
الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت
الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه
الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول
الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث
الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى







