مشاركة

٣٠

last update تاريخ النشر: 2026-07-09 04:01:45

الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى

"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."

ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.

بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.

لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.

كان الخط مألوفًا...

باردًا...

وواثقًا.

كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...

بل يصدر حكمًا.

قال إيثان بهدوء:

"لا تفتحيه."

رفعت نظرها إليه.

"لماذا؟"

اقترب منها.

أخذ الظرف بحذر.

قلبه بين أصابعه.

ثم مرر إبهامه على حافته.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."

قطبت حاجبيها.

"لا أفهم."

قال وهو يناول الظرف إلى آدم:

"في الحرب..."

"...كل ما يريده خصمك أولًا..."

"...هو أول شيء يجب أن تؤجله."

نظر آدم إلى الظرف طويلًا.

ثم أومأ موافقًا.

"إيثان محق."

تنهدت إيلي.

رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...

وافقت.

"حسنًا."

لكنها لم تكن تعلم...

أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.

---

خرج الثلاثة من الممر السري.

كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.

لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.

توقف إيثان فجأة.

رفع يده.

إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القديمة.

أما إيلي...

فأصبحت تفهمها هي الأخرى.

توقف الجميع.

أرهفوا السمع.

من بعيد...

وصلتهم أصوات رجال يركضون.

وصوت أجراس الإنذار القديمة التي لم تُستخدم منذ سنوات.

همس آدم:

"القصر استيقظ."

نظر إليه إيثان.

"ليس القصر..."

"...إنها الحرب."

---

في الطابق الأرضي...

كان المشهد مختلفًا تمامًا.

الخدم يركضون في كل اتجاه.

الدخان يتصاعد من الجناح الغربي.

والمطر الغزير يزيد الفوضى بدلًا من أن يطفئها.

كان بيتر يصرخ بالأوامر.

"أخرجوا الجميع!"

"لا أحد يبقى داخل الجناح!"

اندفع رجلان يحملان أحد الحراس المصابين.

وفي الطرف الآخر...

كانت ماريا تحاول تهدئة إحدى الخادمات التي دخلت في نوبة بكاء.

رفع بيتر رأسه فجأة.

ورأى إيثان يخرج من الممر السري.

تنفس الصعداء.

"كنت سأدخل خلفك."

اقترب منه بسرعة.

ثم توقف عندما رأى آدم.

نظر إليه باستغراب.

لكن إيثان قال باختصار:

"هو معنا."

اكتفى بيتر بإيماءة.

فالثقة التي يمنحها إيثان لشخص...

لم تكن تُناقش.

---

تقدمت إيلي وسط الفوضى.

كانت تنظر إلى القصر وكأنها تراه لأول مرة.

هذا المكان الذي احتضن طفولتها...

أصبح ساحة حرب.

سقطت قطعة محترقة من السقف.

فانتفضت إحدى الخادمات خوفًا.

ركضت إيلي إليها دون تردد.

احتضنتها.

وقالت بهدوء:

"لن يحدث شيء."

"اهدئي."

كانت الخادمة ترتجف.

"سيدتي..."

"...إنهم سيعودون."

أجابت إيلي بثقة لم تكن تعرف أنها تملكها:

"إذن..."

"...سنكون مستعدين هذه المرة."

وقف إيثان يراقبها.

ولمعت ابتسامة صغيرة في عينيه.

همس لبيتر:

"هل تراها؟"

نظر بيتر إليها.

ثم عاد ينظر إليه.

"أراها."

قال إيثان بصوت خفيض:

"لقد أصبحت سيدة القصر."

---

بعد ساعة...

خمد الحريق.

لم تكن الخسائر كبيرة.

غرفة مهجورة...

وبعض الأثاث القديم.

لكن شيئًا واحدًا أثار انتباه إيثان.

قال أحد الحراس:

"لم يُسرق شيء."

عقد إيثان حاجبيه.

"مستحيل."

رد الحارس:

"فتشنا كل شيء."

تدخل آدم لأول مرة.

وقال بهدوء:

"إذن لم يأتوا ليسرقوا."

نظر الجميع إليه.

فأكمل:

"جاؤوا ليوصلوا رسالة."

في تلك اللحظة...

شعرت إيلي بشيء بارد داخل يدها.

نظرت.

كان الظرف ما يزال معها.

ارتفع نبض قلبها.

هل...

كان الانفجار كله...

لكي تصلها هذه الرسالة؟

---

في وقت متأخر من الليل...

عاد الهدوء تدريجيًا.

وقف إيثان في الشرفة المطلة على الحديقة.

كان المطر قد خف.

لكن السماء بقيت ملبدة بالغيوم.

سمع خطواتها خلفه.

لم يلتفت.

عرفها قبل أن تتكلم.

وقفت إلى جواره.

صامتة.

كانت تحمل بطانية صوفية صغيرة.

رفعتها بهدوء.

وضعتها فوق كتفيه.

التفت إليها باستغراب.

قال مبتسمًا:

"أخشى أن صورتي كرجل لا يشعر بالبرد قد انتهت."

ابتسمت لأول مرة منذ ساعات.

"لا."

"لكن صورة الرجل الذي ينسى نفسه..."

"...انتهت."

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

"كنتِ مرهقة."

أجابت وهي تنظر إلى الحديقة:

"كنت خائفة."

"والآن؟"

سكتت قليلًا.

ثم قالت بصراحة:

"طالما أراك أمامي..."

"...أشعر أنني أستطيع مواجهة أي شيء."

توقف الزمن للحظة.

لم تكن جملة حب.

لكنها كانت أصدق من أي اعتراف.

اقترب منها إيثان خطوة.

كانت قطرات المطر تستقر على شعرها.

رفع يده بتردد.

ثم أزاح خصلة مبللة عن وجهها.

لم تبتعد.

بل بقيت تنظر إليه.

همس:

"إيلي..."

وقبل أن يكمل...

انفتح باب الشرفة بعنف.

دخل بيتر.

كان وجهه شاحبًا على غير عادته.

قال بصوت متوتر:

"إيثان..."

"يجب أن ترى هذا."

استدار الاثنان نحوه.

كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

وضعه على الطاولة.

كان الصندوق مغطى بالطين.

وكأنه دُفن منذ سنوات.

لكن ما جمد الدم في عروقهم...

لم يكن الصندوق.

بل الورقة المثبتة فوق غطائه.

ورقة جديدة...

كُتبت قبل ساعات فقط.

وكانت تحمل جملة واحدة:

"لقد فتحتم الباب الخطأ."

ظل الجميع ينظر إلى الصندوق.

لم يمد أحد يده نحوه.

كأن مجرد لمسه قد يوقظ كارثة جديدة.

اقترب إيثان أولًا.

انحنى قليلًا.

تفحص الورقة المثبتة على الغطاء.

لم تكن ملصقة.

بل ثُبتت بخنجر صغير مغروس في الخشب.

نزع الخنجر ببطء.

ثم قلبه بين أصابعه.

انعكس ضوء المدفأة على نصله.

تغيرت ملامحه فجأة.

لاحظت إيلي ذلك.

"ماذا؟"

ناولها الخنجر.

أمسكته بحذر.

كان المقبض مصنوعًا من الفضة، وعليه نقش صغير...

غراب يحمل مفتاحًا بين مخالبه.

همست:

"شعار سيدة القصر..."

أجاب آدم بصوت خافت:

"لا..."

"هذا هو الشعار الأصلي."

نظر إليه الجميع.

أكمل:

"أما الذي وجدتموه داخل الأنفاق..."

"...فكان النسخة التي استخدمتها العائلة بعد الانقسام."

انعقد حاجبا إيثان.

"أي انقسام؟"

تنهد آدم.

"ليس الآن."

"لدينا مشكلة أكبر."

فتح إيثان الصندوق بحذر.

لم يكن بداخله ذهب.

ولا وثائق.

ولا سلاح.

كان يحتوي على...

ساعة جيب قديمة.

توقفت عقاربها عند الثانية عشرة وخمس دقائق.

رفعها إيثان.

فتح الغطاء.

في الداخل صورة صغيرة.

تجمد مكانه.

لاحظت إيلي شحوب وجهه.

اقتربت.

نظرت داخل الساعة.

شهقت.

كانت الصورة تجمع أربعة أشخاص.

إليزابيث.

إيثان وهو في السابعة عشرة.

ورجلًا يقف خلفهما.

أما الشخص الرابع...

فكان آدم.

قالت إيلي ببطء:

"التُقطت قبل عشرين عامًا."

أومأ آدم.

"قبل موت والدتك بأسبوع."

لكن عيني إيثان بقيتا معلقتين بالصورة.

كان هناك شيء آخر.

في زاوية الصورة...

ظهر طرف كتف رجل خامس.

وجهه مقطوع بسبب إطار الصورة.

لكن يده كانت واضحة.

وفي إصبعه...

خاتم يحمل شعار الغراب.

همس إيثان:

"لم نكن أربعة..."

"...كان هناك شخص خامس."

قلب آدم الصورة.

وجد كتابة باهتة على ظهرها.

قرأها بصوت منخفض:

"العهد لا يكتمل إلا بحضور الخمسة."

ساد الصمت.

قال بيتر:

"ومن هو الخامس؟"

لم يجب أحد.

لأن الحقيقة...

لم يكن يعرفها أحد.

في تلك اللحظة...

دخل أحد الحراس مسرعًا.

كان يلهث.

"سيدي..."

"وجدنا شيئًا عند البوابة الشمالية."

استدار إيثان.

"ماذا وجدتم؟"

"رجلًا."

"حي؟"

هز الحارس رأسه.

"لا."

"ميت."

تجمدت إيلي.

لكن الحارس أكمل:

"والغريب..."

"...أن أحدًا لم يقتله."

نظر إليه إيثان بحدة.

"اشرح."

ابتلع الحارس ريقه.

"يبدو أنه مات قبل ساعات..."

"...لكن على صدره كانت هناك ورقة."

"ماذا كُتب فيها؟"

أجاب الحارس وهو ينظر إلى إيلي مباشرة:

"هذه أول ضحية لأن سيدة القصر عادت."

ساد صمت ثقيل.

خفضت إيلي رأسها.

شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها.

همست:

"كل من يقترب مني..."

"...يتأذى."

رفع إيثان رأسها بإصبعه برفق حتى التقت عيناهما.

كانت هذه أول مرة يلمسها أمام الجميع دون أن يهتم بمن يراه.

قال بصوت هادئ لكنه حاسم:

"انظري إليّ."

فعلت.

"لا تكرري هذا الكلام."

"لكن..."

قاطعها.

"القاتل هو من اختار طريقه."

"أما أنت..."

اقترب خطوة أخرى.

"...فأنت السبب الذي يجعلنا نقاتل."

لم تستطع الرد.

شعرت بأن كلماتها اختفت.

أما بيتر...

فنظر إلى آدم ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

وهمس:

"أخيرًا..."

"قال نصف ما في قلبه."

سمعها إيثان.

فنظر إليه ببرود.

"سمعتك."

ضحك بيتر لأول مرة منذ أيام.

حتى إيلي...

ابتسمت رغم كل ما يحدث.

كانت ابتسامة صغيرة...

لكنها بددت شيئًا من الظلام الذي خيم على القصر.

غير أن تلك اللحظة لم تدم.

إذ دخل حارس آخر مسرعًا، ووجهه شاحب.

"سيدي..."

"هناك امرأة عند البوابة."

نظر إليه إيثان.

"من هي؟"

أجاب الحارس:

"لا تذكر اسمها."

"تقول فقط..."

"...إنها جاءت لتسترد حق عائلة مونتغمري."

تبادل إيثان وآدم النظرات.

ثم همس آدم:

"مستحيل..."

"ظننت أنها ماتت منذ سنوات."

ساد صمت ثقيل داخل القاعة.

ظل الجميع ينظر إلى الحارس.

قال إيثان بهدوء:

"أدخلها."

تردد الحارس.

"سيدي..."

"إنها رفضت."

رفع إيثان حاجبه.

"رفضت؟"

"قالت إنها لن تدخل هذا القصر..."

"...إلا إذا خرجت إليها سيدة القصر بنفسها."

التفتت الأنظار إلى إيلي.

لكن إيثان سبق الجميع بالكلام.

"لن تخرج."

قالها بحزم.

وأضاف:

"إذا كانت تريد شيئًا... فلتدخل هي."

همس آدم:

"اعذرني..."

"...لكن أظن أننا يجب أن نستمع إليها."

نظر إليه إيثان.

"أثق بك."

"لكنني لا أثق بأحد يأتي بعد منتصف الليل."

بعد دقائق...

كان إيثان يقف خلف نافذة القاعة الكبيرة.

ينظر إلى البوابة الحديدية.

تحت المطر...

وقفت امرأة ترتدي معطفًا أسود طويلًا.

غطاء الرأس أخفى معظم ملامحها.

لكنها لم تتحرك.

كانت تقف بثبات...

كأنها تعرف أن أحدًا يراقبها.

رفعت رأسها ببطء.

ونظرت مباشرة إلى نافذة القصر.

رغم المسافة...

شعر إيثان وكأنها تنظر إليه.

قال بهدوء:

"ليست خائفة."

أجابه آدم:

"لأنها لم تأتِ لتقاتل."

"إذن لماذا جاءت؟"

تنهد الرجل العجوز.

"لتخبرنا أن الوقت انتهى."

اقتربت إيلي من النافذة.

وقفت بجوار إيثان.

كان كتفاهما يلامسان بعضهما دون أن ينتبها.

قالت وهي تحدق في المرأة:

"أشعر..."

"...أنني رأيتها من قبل."

نظر إليها آدم بسرعة.

"أين؟"

هزت رأسها.

"لا أعرف."

"ربما وأنا صغيرة."

صمت آدم.

لكن ملامحه تغيرت.

كان يحاول تذكر شيء دفنه الزمن.

قطع الصمت صوت ماريا.

دخلت وهي تحمل صينية عليها أكواب قهوة.

توقفت عندما رأت الجميع واقفين.

ابتسمت محاولة كسر التوتر.

"إذا استمررتم هكذا..."

"...سينتهي الليل وأنتم لم تأكلوا شيئًا."

ابتسمت إيلي لها.

كانت أول ابتسامة هادئة منذ ساعات.

اقتربت ماريا منها.

وضعت الكوب بين يديها.

ثم همست:

"أنتِ شاحبة."

"أنا بخير."

ابتسمت ماريا بحنان.

"كلما قلتِ هذه الجملة..."

"...أعرف أنك لستِ بخير."

لاحظ إيثان ارتجاف أصابع إيلي وهي ترفع الكوب.

لم يقل شيئًا.

بل أخذ الكوب منها بهدوء.

ووضعه على الطاولة.

ثم خلع سترته الجلدية.

ووضعها على كتفيها.

نظرت إليه باستغراب.

"إيثان..."

قال دون أن ينظر إليها:

"أنتِ ترتجفين."

ابتسمت بخجل.

"من البرد."

التفت إليها أخيرًا.

وفي عينيه ابتسامة هادئة.

"لا."

"من كثرة ما تحملينه وحدك."

ساد صمت قصير.

خفضت إيلي رأسها.

كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن أحدًا يرى ما تخفيه فعلًا.

قطع اللحظة طرقٌ قوي على الباب الرئيسي.

ثلاث طرقات متتالية.

فتح الحارس الباب بحذر.

دخلت المرأة.

خلعت غطاء رأسها.

انحبس نفس آدم.

وشحب وجه ماريا.

أما بيتر...

فأمسك سلاحه دون وعي.

كانت امرأة في منتصف الخمسينيات.

ملامحها قوية.

وشعرها الفضي منحها هيبة غريبة.

لكن أكثر ما لفت انتباه إيلي...

هو عيناها.

كانتا تشبهان عيني والدتها بصورة أربكتها.

تقدمت المرأة حتى أصبحت أمام إيلي مباشرة.

ثم انحنت لها انحناءة خفيفة.

وقالت بصوت هادئ:

"تشبهين إليزابيث..."

"...أكثر مما كنت أتمنى."

سادت القاعة حالة من الترقب.

ثم رفعت المرأة نظرها إلى إيثان.

وقالت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه:

"قبل أن تبدأوا حربكم مع ريتشارد..."

"...عليكم أن تعرفوا الحقيقة."

"ريتشارد..."

توقفت لثانية.

"...ليس أخطر رجل في عائلة مونتغمري."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status