LOGINمدّت يدها إليه ببطء، ثم حملته بين كفيها، ظلت تحدق في الفتاة التي ترتدي الفستان الأبيض داخل الصورة.
كانت تبتسم... ابتسامة صغيرة، مترددة، لكنها صادقة. ابتسامة فتاة آمنت أن الوقت قادر على أن يصنع ما عجزت عنه البداية. أما نوح... فوقف بجوارها بملامحه الهادئة المعتادة، لا تبدو عليه السعادة، ولا الضيق. مجرد وجه جامد... كأنه يؤدي واجبًا لا أكثر. تذكرت يومها جيدًا، لم تكن تنتظر منه أن يحبها منذ اللحظة الأولى. كانت تطلب فرصة فقط، فرصة تسمح لهما بأن يتعارفا بعيدًا عن ضغوط العائلة، وبعيدًا عن كونه زواجًا رتبته الحاجة سلوى. ولذلك... لم تغضب عندما عاد إلى عمله في صباح اليوم التالي للزفاف. ولم تغضب حين ألغى أول عشاء خططت له بسبب اجتماع طارئ. ولا حين لم سهتم بعيد زواجهما الأول، كانت تقول لنفسها في كل مرة: "هو لا يعرف كيف يعبّر... سيعتاد وجودي مع الوقت." لكن السنوات... لم تفعل شيئًا سوى أنها علمتها أن الوقت لا يبني بيتًا، إذا كان أساسه خاليًا من الرغبة في البناء. مررت أطراف أصابعها فوق زجاج الإطار، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة. - يبدو أنني كنت المهندسة الوحيدة التي حاولت ترميم مبنى لم يُرد صاحبه أن يكتمل. وضعت الصورة داخل الصندوق، ثم أغلقته برفق، ساد الصمت. ولأول مرة... لم تشعر أن قلبها ينكسر. بل شعرت أنه توقف أخيرًا عن حمل ما يفوق طاقته. وفي تلك اللحظة... سمعت صوت باب الشقة يُفتح، صعد نوح بعدما صف سيارته بالأسفل، أو ربما حتى لا تراه لارا وهو يصعد رفقة تالين، فمن المؤكد أنه لم يخبرها بعد بكونه يعيش في نفس الطابق. خرجت من غرفة العمل بخطوات هادئة، كان يقف عند المدخل يخلع سترته، ثم وضع حقيبة حاسوبه فوق الأريكة دون أن ينتبه إلى الصندوق الموضوع في منتصف الغرفة. رفع رأسه إليها، وانتبه لتوه إلى عودتها الباكرة، فعلق بغطرسته المعهودة: - عدتِ مبكرًا. أومأت برأسها. - نعم. توجه نحو المطبخ ليصب لنفسه كوبًا من الماء، ثم عاد وهو يرتشف منه بهدوء. - وصلني اليوم طلب نقلك. نظرت إليه. - توقعت ذلك. سألها بعدم اهتمام: - لماذا لم تخبريني قبل تقديمه؟ سألها السؤال وهو ينظر إلى هاتفه، كأنه ينتظر جوابًا عابرًا. ابتسمت ابتسامة خافتة. - لأنك كنت ستعرف على أي حال. رفع عينيه إليها هذه المرة. - ليس هذا ما قصدته. - أعلم. وضعت يدها على حافة الصندوق. - لكنني لم أعد أرى فرقًا. انعقد حاجباه، وسألها: - ماذا تقصدين؟ أخذت نفسًا هادئًا. - طوال سنوات زواجنا، كنت آخر من يعلم أي شيء يخص حياتي... فوجدت أنه من الطبيعي أن تكون آخر من يعلم هذا أيضًا. ساد الصمت، وللمرة الأولى... أغلق نوح شاشة هاتفه ووضعه جانبًا. نظر إلى الصندوق، ثم إلى لفافات المخططات التي بدت من بين أغراضه، واستطرد: - هل تنوين الانتقال فعلًا؟ - نعم. - ومتى؟ - قريبًا. اقترب خطوة، ظل ينظر إلى الصندوق للحظات، ثم أعاد بصره إليها. - هل ستتركين الشقة؟ جالت عينا تالين في أرجاء المكان، على الجدران التي اختارت ألوانها بنفسها، وعلى وحدات الإضاءة التي قضت أيامًا ترسم توزيعها. وعلى الزاوية الصغيرة التي خصصتها لنباتاتها، لأنها كانت تؤمن أن كل منزل يحتاج إلى شيء ينبض بالحياة. ابتسمت ابتسامة هادئة. - سأترك كل ما لا يخصني. ظل يراقبها دون أن يفهم مقصدها. ثم قال بعد لحظة: - وهل انتقالك إلى المشروع الجديد يستدعي كل هذا؟ نظرت إليه طويلًا. - لا... انتقالي ليس السبب. انعقد حاجباه. - إذًا؟ تنفست ببطء. - ذهبت اليوم إلى جدتك. ساد الصمت، كان اسم الحاجة سلوى وحده كافيًا ليجعله يرفع رأسه إليها باهتمامٍ حقيقي. - لماذا؟ ثبتت عينيها عليه. - لأنني أردت أن أخبرها بقراري قبل أن أخبرك. ظل ينتظر بقية حديثها، أما هي... فلم تعد تؤجل الكلمات. - طلبت منها أن تسمح لي بإنهاء هذا الزواج. لم يتحرك، لكن ملامحه جمدت للحظة قصيرة، لحظة لم تستغرق سوى ثانية... إلا أنها كانت أول تغيير حقيقي تراه على وجهه منذ سنوات. قال بصوت منخفض: - ماذا قلتِ؟ تحكمت برجفة جسدها، وأخبرته دون موارية: - أريد الطلاق يا نوح.كانت جُمان تجلس أمام مكتب أدهم، بينما كان هو يتابع بعض الملفات التي تراكمت أمامه منذ الصباح. وبينما كان يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، لاحظ أن جُمان لم تكن تتابع ما حولها كعادتها.كانت تجلس في هدوء، لكن ملامحها كانت أكثر جدية من المعتاد، وكأنها جاءت وفي ذهنها أمر لا يحتمل التأجيل.وضعت هاتفها فوق المكتب، ثم رفعت عينيها إليه وقالت:— هناك مشكلة أخرى يجب أن ننهيها.توقف أدهم عن مراجعة الملفات، ورفع عينيه إليها باهتمام.— ما المشكلة؟تنفست جُمان ببطء، وكأنها تستعد لقول أمر تعرف أنه لن يكون سهلًا.ثم أجابت:— أبي.قطب أدهم حاجبيه قليلًا، ووضع القلم الذي كان يمسكه جانبًا.— ماذا حدث؟نظرت إليه جُمان للحظات قبل أن تقول:— منذ أن عرف أبي أنك تموّل شركة الراوي، بدأ يرفض عددًا من الصفقات التي تأتيه من السيد فؤاد.تغيرت ملامح أدهم قليلًا، فقد كان يعرف أن موقف كمال منه لم يتغير تمامًا، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى التأثير في عمل الشركتين.— بسبب وجودي؟أومأت جُمان.— نعم. أبي ما زال يعتقد أنك كنت تستغل علاقتك بي من أجل مصالحك، وما دام لا يعرف الحقيقة، فسيستمر في اتخاذ موقفه منك.ظل أدهم صامتًا
تردد الطبيب قليلًا، وبقي صامتًا لعدة ثوانٍ، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.راقبه نوح دون أن يرمش، ثم قال بصرامة:— سألتك كيف حدث الحمل.لم يُجب الطبيب فورًا.زاد ذلك من حدة نظرات نوح، فتقدم خطوة أخرى نحو المكتب.— تكلم، كيف حدث؟رفع الطبيب عينيه إليه، ثم قال بحذر:— السيد نوح، الأمر يتعلق بملف طبي خاص بالمريضة، وأنا—قاطعه نوح بحدة:— لا أريد محاضرة عن الخصوصية.ساد الصمت من جديد.ثم قال نوح ببطء:— أريد الحقيقة فقط.ظل الطبيب مترددًا، فتابع نوح بنبرة أكثر تهديدًا:— وإذا حاولت حماية شخص على حساب إخفاء معلومات قد تكون مرتبطة بمخالفة قانونية، فأنت بذلك تضع نفسك في موقف أسوأ بكثير.تغيرت ملامح الطبيب.نظر إلى نوح للحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا.— الحمل...توقف مرة أخرى.لم يمنحه نوح فرصة للتراجع.— أكمل.ابتلع الطبيب ريقه، ثم قال أخيرًا:— تم الحمل عن طريق إحدى تقنيات الإخصاب المساعد.لم يبدُ على نوح الرضا.اقترب قليلًا، وقال بوضوح:— أريد إجابة واضحة.تنفس الطبيب ببطء قبل أن يقول:— تم الحمل عن طريق الحقن المجهري.ساد الصمت للحظات.بقي نوح ينظر إليه، وكأنه كان يستوعب المعلومة الأخيرة
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأنها تريد أن تمنعه من فهم الأمر بهذه الطريقة. — لم يكن الأمر بهذه الطريقة! لكن نوح لم يتراجع. — بل كان كذلك. قالها بمرارة، وقد بدأ الغضب يمتزج بالخذلان في صوته. — أردتِ طفلًا بأي ثمن، ثم قررتِ أن تجعلي هذا الطفل وسيلة لإبقائي إلى جوارك. هزت رأسها بسرعة، والدموع تغطي وجهها. — كنت خائفة أن أخسرك. نظر إليها نوح بنظرة قاسية، ثم قال: — والخوف لا يعطيكِ الحق في أن تخدعيني. تراجعت لارا خطوة، وكأن كلماته دفعتها بعيدًا عنه أكثر من أي حركة. تابع نوح: — ولا أن تعطي لنفسك الحق في أن أعيش كذبة أخرى. رفعت عينيها إليه، تبحث عن أي شيء يمكن أن تتمسك به. — لكنني أحبك. ظل ينظر إليها للحظات، ثم أجابها بصوت قاسٍ: — حبك لم يعد يكفيني لأصدقك. ثم استدار واتجه نحو الباب، وقد حسم قراره بالمغادرة. ارتفع صوتها خلفه: — نوح... توقف عند الباب، لكنه لم يلتفت. ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تسأله بصوت خائف: — ماذا ستفعل؟ أجاب بهدوء حاسم، دون أن ينظر إليها: — سأعرف الحقيقة كاملة. ثم سكت لحظة، قبل أن يضيف: — لكن شيئًا واحدًا تأكدي منه، لن أُسجَّل أبًا لطفل لا أعرف من
حاولت لارا أن تمنعه من المغادرة، ومدت يدها نحوه مرة أخرى، وقد انهارت مقاومتها تمامًا. لم تعد قادرة على الحفاظ على هدوئها أو التظاهر بأن لديها تفسيرًا آخر يمكن أن ينقذ الموقف.— نوح، أرجوك... لا تذهب.توقف نوح عند الباب، لكنه لم يلتفت إليها. ظل للحظات في مكانه، وكأنه يحاول استيعاب كل ما سمعه قبل أن يقرر ما سيفعله.نهضت لارا من السرير بصعوبة، رغم شعورها بالدوار، ثم لحقت به وأمسكت بطرف سترته. راحت تتشبث به وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها إذا تركته.— صدقني، أرجوك. أنا لم أخنك.أبعد يدها عنه بهدوء قاسٍ، ثم استدار إليها بنظرة لم تحمل أي تردد.— إذًا قولي الحقيقة.هزت رأسها والدموع تنهمر على وجهها، ولم تعد تعرف كيف يمكنها إقناعه بما تريد.— أنا أحبك يا نوح.لم يجبها. ظل صامتًا، وكأن كلماتها لم تعد قادرة على تغيير شيء في داخله.اقتربت منه أكثر، وصوتها يرتجف من الخوف:— أحبك منذ سنوات... وسأموت إن تركتني الآن.التفت إليها أخيرًا، وكانت نظراته خالية من التعاطف الذي كانت تبحث عنه.— لا تستخدمي حبك لي حتى تهربي من الحقيقة.شهقت، وهزت رأسها بسرعة، وكأنها شعرت بأن كلماته جرحتها أكثر مما توقعت.— أن
كانت لارا لا تزال مستلقية على سرير المستشفى، تراقب نوح بصمت، بينما ظل واقفًا أمامها، ينتظر إجابة السؤال الذي طرحه.لم يكن في ملامحه أي تردد هذه المرة. كان يريد تفسيرًا واضحًا، وأي محاولة للمراوغة لن تمر عليه بسهولة.ظل الصمت بينهما ثقيلًا لثوانٍ، قبل أن تسارع لارا إلى الكلام، محاولةً إخفاء الارتباك الذي بدأ يظهر عليها:— لا أعرف لماذا تفكر بهذه الطريقة. لا بد أنك أخطأت في حساب المدة.لم يرمش نوح، وبقيت عيناه ثابتتين عليها.— أخطأت؟أومأت بسرعة، وكأنها تتمسك بهذه الحجة الأخيرة.— نعم.ثم أسرعت تضيف، محاولةً إقناعه:— أنت لم تكن تتابع التواريخ بدقة، وربما أخطأت في تقدير المدة التي مرت منذ آخر مرة...قاطعها نوح بحدة، ولم يسمح لها بإكمال كلامها:— أعرف جيدًا كم مضى من الوقت.توقفت لارا عن الكلام، وشعرت بأن حجتها بدأت تنهار أمامه.اقترب منها خطوة، ثم قال بنبرة أكثر حسمًا:— والطبيب أكد لي أن الحمل في بداية الشهر الثاني.ابتلعت لارا ريقها، وحاولت الحفاظ على هدوئها رغم التوتر الذي ازداد داخلها.— والطفل ابنك.ظل نوح ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول أن يقرأ الحقيقة من عينيها.ثم سألها:— أنتِ م
أومأ الطبيب بهدوء.— نعم.ظل نوح صامتًا للحظات.بدأ ذهنه يستعيد التواريخ، وكأنه يحاول التأكد من حساباته قبل أن يسأل من جديد.ثم قال:— هل أنت متأكد؟نظر الطبيب إليه باستغراب، قبل أن يجيبه بثقة:— بالطبع. الفحوصات واضحة، والحمل في بداية الشهر الثاني.بقي نوح ينظر إليه دون أن يتحدث.وكأنه شاردًا بتفكيره عنه..لاحظ الطبيب ما يظهر على ملامحه، فسأله:— هل هناك شيء غير واضح؟رفع نوح عينيه إليه، وحاول أن يخفي الاضطراب الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه.أجاب بعد لحظة:— لا... لا شيء.ثم ابتعد عن الطبيب، لكنه لم يستطع التخلص من السؤال الذي بدأ يضغط داخل رأسه.كيف؟---بعد فترة...فتح نوح باب الغرفة ودخل.كانت لارا مستلقية على السرير، وقد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.تحركت عيناها ببطء، وما إن وقعتا عليه حتى اتسعتا قليلًا.كان أول شعور سيطر عليها هو الارتياح.لقد جاء.لم يتركها.بل بقي حتى اطمأن عليها.رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت ضعيف:— نوح...اقترب منها بخطوات هادئة، ثم توقف بالقرب من السرير.— كيف تشعرين؟حركت لارا رأسها قليلًا، ثم أجابت:— أفضل.جلس نوح على المقعد القريب منها، وظل يراقبها للحظات.كا







