LOGINكان تامر واقفًا بالقرب من النافذة، والهاتف إلى أذنه، بينما كانت رُبى تجلس في الجهة الأخرى من الغرفة، تراقبه بصمت وهي تحاول أن تفهم ما الذي يحدث من حولهما.ظل يستمع إلى الرجل الذي يتحدث معه عبر الهاتف، ولم يقاطعه إلا بأسئلة قصيرة بين الحين والآخر.— وهل تأكدتم من المكان؟صمت للحظات وهو يستمع إلى الإجابة، ثم عقد حاجبيه قليلًا.— وماذا وجدتم؟جاءه الرد من الطرف الآخر، فظل تامر ساكنًا لثوانٍ، قبل أن يقول بلهجة حاسمة:— لا تقتربوا من المكان مرة أخرى. وإذا ظهر أي شيء جديد، أخبرني فورًا.أنهى المكالمة، وأنزل الهاتف ببطء، ثم استدار نحو رُبى.كانت تنظر إليه بترقب، وكأنها تنتظر منه أن يخبرها بما سمعه.ثبت تامر عينيه عليها للحظات، ثم قال:— ألم أقل لكِ إن تيم هو من أبلغ الشرطة؟رفعت رُبى حاجبيها باستغراب، وكأنها لم تفهم سبب عودته إلى الأمر الآن.— ولماذا تقول ذلك؟تقدم تامر بضع خطوات إلى داخل الغرفة، ثم أجابها بنبرة جادة:— لأنني عرفت للتو أنه أرسل رجالًا يبحثون عنا في المكان.لم تتردد رُبى في الرد، بل قالت وهي تحاول ترتيب الأحداث أمامها:— هذا ليس دليلًا على أنه أبلغ الشرطة.توقف تامر أمامها، ف
قالها فؤاد بذهول، وكأن سماع الاسم في هذا التوقيت زاد الأمر تعقيدًا بدلًا من أن يمنحه تفسيرًا.— هل تقصد رُبى التي…لم يدعه تيم يكمل جملته، فأجابه مباشرة:— نعم، هي.ظل فؤاد ينظر إليه للحظات، وكأن الإجابة أكدت شيئًا لم يكن مستعدًا لسماعه. ثم اقترب من المكتب أكثر، بينما بقي تيم في مكانه دون أن يغير من هدوئه.— وماذا يفعل تامر هناك؟أجابه تيم ببساطة، وكأنه يخبره بأمر واضح بالنسبة إليه:— هو في شقتها.اتسعت عينا فؤاد قليلًا، وظل صامتًا للحظة قبل أن يسأل بنبرة تحمل شيئًا من الاستنكار:— هل أنت متأكد؟رفع تيم عينيه إليه، ولم يتردد في إجابته:— نعم، رأيته هناك بنفسي.بدا أن تلك الإجابة جعلت الأمر أكثر غرابة بالنسبة إلى فؤاد، فمرر يده على ذقنه، وظل يفكر للحظات قبل أن يعود بنظره إلى تيم.— لماذا رُبى تحديدًا؟لم يجب تيم فورًا.أراح ظهره إلى مقعده، وظلت عيناه ثابتتين على والده، وكأنه يحاول هو الآخر أن يجد تفسيرًا منطقيًا لما حدث.ثم قال بهدوء:— لست قادرًا على فهم ذلك بصراحة.قطّب فؤاد حاجبيه، ولم يبدُ مقتنعًا بالإجابة.— ألم تسأله؟هز تيم رأسه نافيًا.— لا.ظل فؤاد ينظر إليه لحظة، ثم سأله مستف
عاد تيم إلى واقعه على صوت طرقات متتالية على باب مكتبه. رفع رأسه عن الملفات الموضوعة أمامه، وكأن الصوت انتشله فجأة من الذكرى التي غرق فيها للحظات. بقي ساكنًا لثانية، ثم استعاد ملامحه الهادئة وأغلق الملف الموجود أمامه. — ادخل. انفتح الباب بعد لحظات، ودخل فؤاد بخطوات سريعة. كانت ملامحه تحمل قدرًا واضحًا من القلق والانزعاج، وكأن أمرًا مهمًا دفعه إلى الحضور بنفسه بدلًا من الاكتفاء بإرسال أحد الموظفين. تقدم حتى وصل إلى المكتب، ثم توقف أمام تيم وقال مباشرة: — تحددت أول جلسة في قضية تامر. رفع تيم عينيه إليه باهتمام، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يسأله: — هل أخبرك المحامي عن وضعه في القضية بعد الدفاع عنه؟ تنهد فؤاد بضيق، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يجيبه: — لا. لم يحدد وضعه. ظل تيم ينظر إليه للحظات، وكأنه كان يتوقع هذه الإجابة، ثم قال بهدوء: — أنا عرفت مكانه. توقف فؤاد عن الحركة فورًا، ورفع عينيه إليه بدهشة واضحة. — حقًا؟ أومأ تيم برأسه، وظلت ملامحه ثابتة دون أن يظهر عليه أي انفعال. — نعم. اقترب فؤاد من المكتب أكثر، وقد بدا الفضول والقلق واضحين في عينيه. — وكيف عرفت؟ أجاب تيم بع
كان تيم يجلس خلف مكتبه في مقر عمله، محاطًا بالملفات التي تراكمت أمامه منذ الصباح.كانت عيناه تتحركان بين الأوراق، لكنه لم يكن يقرأ شيئًا حقًا.منذ أن رأى ربى في الشقة التي كانت تختبئ فيها، ظل وجهها يعود إلى ذاكرته دون إرادة منه.لم يكن يعرف لماذا حدث ذلك.ربما لم يعد يحمل تجاهها المشاعر نفسها التي كانت تملأ قلبه قديمًا، وربما تغير كل شيء بينهما منذ سنوات طويلة، لكن بعض الذكريات لا تحتاج إلى مشاعر حتى تستيقظ.يكفي أن يرى الشخص الذي ارتبطت به ذات يوم…حتى تفتح الذاكرة أبوابها دفعة واحدة.أغمض تيم عينيه للحظة، فوجد نفسه يعود إلى سنوات مضت.إلى ذلك اليوم الذي قرر فيه أن يأخذ ربى إلى شقة بعيدة عن كل شيء.كان قد اختار مكانًا لا يعرفهما فيه أحد، بعيدًا عن منطقتها، وبعيدًا حتى عن الأماكن التي اعتاد أفراد عائلته التردد عليها.لم يكن يريد أن يراهما أحد معًا.خصوصًا بعد حديث تامر معه.كان يعلم أن أخاه لن يتهاون في الأمر، وأن معرفته بعلاقته بروبا قد تضعها هي قبل أي شخص آخر في مرمى غضبه.توقف تيم أمام باب الشقة، ثم فتحه ودخل.وما إن أغلق الباب خلفه حتى أخذ يبحث عنها بعينيه.— ربى؟لم يجبه أحد.تقد
دخلت تالين إلى الغرفة بخطوات هادئة، بعدما اطمأنت إلى أن آدم قد غفا أخيرًا.اقتربت من سريره الصغير، ثم انحنت فوقه وسحبت الغطاء برفق حتى غطته جيدًا.بقيت للحظات تراقب وجهه الصغير.كان نائمًا بهدوء، وملامحه التي بدت أكثر براءة وهو غارق في النوم جعلت قلبها يلين رغماً عنها.مدت يدها بحذر، وسوت طرف الغطاء فوق كتفه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.لكن في اللحظة التالية، تحرك آدم في نومه، واستدار بوجهه إلى الجهة الأخرى، مانحًا إياها ظهره.توقفت تالين مكانها.اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وظلت تنظر إليه بصمت.ربما لم يكن الأمر مقصودًا.وربما كان مجرد حركة عفوية أثناء النوم.لكنها لم تستطع منع ذلك الشعور الذي تسلل إلى قلبها.شعرت أن آدم ما زال لا يتقبل وجودها.سحبت يدها ببطء، ثم استقامت وألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تتجه نحو الباب.خرجت من غرفة آدم وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم اتجهت إلى غرفتها.كانت خطواتها بطيئة، وملامحها حزينة على نحو لم تستطع إخفاءه.لم تكن غاضبة من آدم.على العكس…كان قلبها يؤلمها من أجله.كان صغيرًا جدًا على أن يفهم كل ما حدث، وصغيرًا جدًا على أن يتحمل فقدان والدته وكل تلك التغييرات ا
ساد الصمت بينهما للحظات. كان التوتر يزداد داخل الغرفة، وكل واحد منهما يرفض أن يتراجع خطوة. ثم كسر تامر الصمت، وقال بصرامة: — مهما كان ما تريده، أنهِ علاقتك بهذه الفتاة. تغير وجه تيم فورًا. ثبت نظره على أخيه، وقال بحدة: — هذه ليست لك أن تقررها. تقدم تامر خطوة أخرى، ولم يخفِ غضبه هذه المرة. — بل سأقرر ما دمت أرى أنك تعرض اسم عائلتنا للخطر. لم يرد تيم. اقترب تامر منه أكثر، ثم قال بلهجة قاطعة: — أنهِ علاقتك بهذه الفتاة. ظل تيم ينظر إليه دون إجابة. لكن الصمت الذي أعقب كلمات تامر لم يكن صمت شخصٍ يفكر في التراجع… بل كان صمت رجلٍ يخفي شيئًا. شيئًا لم يكن تامر يعرف عنه شيئًا. ولأول مرة، شعر تامر أن الفتاة التي رآها إلى جوار أخيه لم تكن مجرد عاملة نظافة… وأن علاقتها بتيم قد تكون أعمق بكثير مما تخيل.___عاد تامر إلى واقعه على صوت ارتطامٍ قوي جاء من داخل الكوخ.فتح عينيه سريعًا، واعتدل في جلسته، ثم التفت نحو الباب.بدا الصوت وكأنه صادر من الداخل.نهض من مكانه واتجه إلى الكوخ بخطوات سريعة، وما إن دخل حتى وجد ربى واقفة في منتصف الغرفة، بينما كانت قطع الزجاج متناثرة حول قدميها.نظر







