LOGINدفعته مرة أخرى، وهذه المرة كانت أقرب إلى محاولة يائسة لإخفاء ارتباكها.«أنت تعرف جيدًا ما الذي تفعله!»أمسك تامر بيدها برفق قبل أن تدفعه مجددًا، ثم قال وهو ينظر إلى عينيها:«لا، لا أعرف. ولهذا أسألكِ.»حاولت سحب يدها، لكنه أرخى قبضته فورًا، فتمكنت من إبعادها دون أي مقاومة منه.وكانت تلك الحركة البسيطة كافية لتزيد ارتباكها.لقد تركها.لم يجبرها على البقاء، ولم يستخدم قوته ليمنعها من الابتعاد، ولم يحاول أن يفرض نفسه عليها كما كان يفعل في السابق.كان يحترم حدودها فعلًا.وهذا ما جعلها تشعر بالغضب، والضيق، والحيرة، وكلها مشاعر لم تكن مستعدة للاعتراف بها.رفعت عينيها إليه، فوجدته يراقبها بصمت، وقد خفتت ملامح المزاح من وجهه.«ربى، أنا لا أريد أن نتشاجر. إذا كنتِ لا تريدين الحديث معي، فلن أضغط عليكِ. لكن أرجوكِ، لا تحولي كل كلمة أقولها إلى معركة.»ابتلعت ريقها، ثم أشاحت بوجهها عنه.لم تعرف لماذا شعرت فجأة برغبة في البكاء، ولماذا بدت لها كلماته أكثر إيلامًا من أي جدال خاضاه معًا.ربما لأنها أدركت أنه بدأ يتعلم كيف يبتعد عنها.وربما لأنها، لم تكن متأكدة تمامًا من أنها تريد منه أن يفعل ذلك.⸻سا
ردت عليه بلهجة معاندة:«قلت لك إنني لا أريد ذلك!»«وأنا قلت لك إن الوقت متأخر!»ساد الصمت بينهما للحظة، ولم يكن يسمع سوى أنفاسهما المتوترة وأصوات السيارات البعيدة.ثم قالت ربى بنبرة ساخرة:«حسنًا، وماذا عن نور؟ ألن تتركها بذلك وحدها؟»تغيرت ملامح تامر، وحدق فيها باستغراب.«ما بكِ؟ لماذا تذكرين نور في كل مرة؟»رفعت ذقنها بتحدٍّ.«لأنك كنت منشغلًا بها طوال الأمسية، ويبدو أنني أفسدت عليك وقتك الممتع.»ظل ينظر إليها لحظات، ثم بدأت ملامحه تتبدل تدريجيًّا، وكأن فكرة معينة خطرت بباله.«انتظري لحظة.»توقفت ربى عن الحركة، ونظرت إليه بحذر.اقتربت ابتسامة صغيرة من شفتيه، ثم سألها:«هل أنتِ تغارين منها؟»تجمدت ربى في مكانها.«ماذا؟!»رفع تامر حاجبيه، وقد بدا عليه أنه بدأ يربط بين نظراتها طوال الأمسية وإصرارها المفاجئ على المغادرة.«هل تغارين من نور يا ربى؟»حدقت فيه بذهول، ثم انفجرت غاضبة:«أغار منها؟! أنا؟! على ماذا أغار تحديدًا؟ هل فقدت عقلك أم أنك تتعمد قول أشياء سخيفة؟»كاد يبتسم، لكنه حاول التماسك.«أنا لم أقل شيئًا سوى ما يبدو واضحًا أمامي.»«واضح أمامك؟ أنت لا ترى شيئًا! كف عن تفسير كل تصر
ألا تعرف أن هذه المسافة لا تسمح لها بلمس وجه رجل بهذه الألفة؟ثم توقفت فجأة، وكأنها صُدمت من أفكارها نفسها.وما شأنها هي إن كانت نور تلمس وجه تامر أم لا؟ليس لها الحق في الاعتراض. ليست زوجته، ولم تمنحه وعدًا، بل إنها حذرته صراحة من أن يتجاوز الحدود التي رسمتها بينهما.ومع ذلك، لم تستطع تحمل المشهد.رأت نور تضحك، ثم ترفع يدها إلى خد تامر مرة أخرى، وتقرصه بخفة كما لو كانا ما زالا طالبين في الجامعة، قبل أن تقترب منه وتطبع قبلة سريعة على خده.اتسعت عينا ربى.شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها، وانقبض صدرها على نحو جعلها ترغب في الابتعاد عن المكان بأكمله.لم تعد تريد رؤية شيء آخر.التقطت حقيبتها من فوق الطاولة، ثم ألقت نظرة سريعة نحو لينا، التي كانت لا تزال منشغلة مع ضيوفها، وقررت أن تغادر دون أن تزعجها في يوم زفافها.لم يكن عليها أن تشرح لأحد سبب مغادرتها.تحركت نحو المخرج بخطوات سريعة، محاوِلة ألا تلتفت إلى الخلف.لكن تامر، الذي كان يتحدث مع نور، لمح حركتها من طرف عينه.اختفت ابتسامته تدريجيًّا وهو يراها تبتعد، ثم نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط. كان الوقت قد تأخر، وكان يعلم أنها لم تأتِ بسيار
لم تكن ربى قد توقفت عن مراقبة تامر منذ أن رأت نور تعانقه، لكنها حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها. فلتكن زميلته القديمة، أو صديقته، أو حتى المرأة التي يرغب في قضاء بقية الأمسية معها؛ ما شأنها هي بذلك؟أليست هذه حياته التي أصرت على أن تتركها له؟ومع ذلك، لم تستطع منع عينيها من العودة إليهما كل بضع دقائق.كان تامر يقف إلى جوار نور، يتحدث معها بارتياح واضح، وقد اختفى التوتر الذي لازم ملامحه طوال الأمسية. كانت نور تضحك على شيء قاله، ثم تضرب ذراعه بخفة وكأنها تعاتبه على مزحة قديمة، بينما يرد عليها بابتسامة واسعة.قالت نور وهي تنظر إليه بتسلية:«ما زلت كما أنت! لم تتغير أبدًا، حتى طريقتك في إزعاج الآخرين بقيت كما هي.»رفع تامر حاجبيه باعتراض مصطنع.«عفوًا؟ أنا؟ أعتقد أنكِ تتذكرين الأمور بصورة خاطئة.»ضحكت نور، ثم هزت رأسها.«هل نسيت ما كنت تفعله في الجامعة؟ كنت تتعمد أخذ مقعدي كل صباح، ثم تتظاهر بأنك لا تعرف أنه مقعدي.»أطلق تامر ضحكة خفيفة.«لأنكِ كنتِ تصلين متأخرة كل يوم، وتتركين مقعدك فارغًا. لم أكن أستطيع أن أتركه هكذا بينما هناك طالب محترم مثلي يحتاج إلى مكان يجلس فيه.»«طالب محترم
ألم تكن هي من حذرته من تجاوز حدودها، وأخبرته أنها لن تسمح له بالضغط عليها مجددًا؟إذًا، لماذا بدا لها ابتعاده الآن مختلفًا إلى هذا الحد؟شدت أصابعها قليلًا فوق كتفه، ثم أدركت ما فعلته فأرخت يدها سريعًا.لم يلاحظ تامر ذلك، أو ربما لاحظه واختار ألا يعلق عليه.كان ينفذ ما طلبته منه حرفيًّا. لن يفرض نفسه عليها، ولن يطالبها بأن تمنحه فرصة أخرى، ولن يحاول أن يجعلها تشعر بالذنب لأنها لا تبادله مشاعره.إذا أرادت أن تعيش حياتها بعيدًا عنه، فسوف يسمح لها بذلك.وإذا اختارت يومًا رجلًا آخر، فلن يكون له الحق في التدخل.كانت تلك الفكرة مؤلمة، لكنه قرر أن يتقبلها بدلًا من أن يواصل محاصرتها بمشاعره.أما ربى، فكلما أدركت أنه لم يعد يحاول الاقتراب منها، ازدادت تلك الغصة غموضًا.أرادت أن تنظر إلى وجهه لتعرف ما إذا كان غاضبًا منها، أو ما إذا كان قد ملَّ أخيرًا من محاولاته التي لم تجلب له سوى الرفض. لكنها لم تفعل، خوفًا من أن يلتقي نظرهما فتضطر إلى مواجهة أسئلة لم تكن مستعدة لطرحها على نفسها.استمرت الرقصة، ومرّت الثواني بطيئة وثقيلة.وحين انتهت الموسيقى، سحب تامر يده برفق، ثم ابتعد خطوة إلى الخلف.«شكرًا
ارتفعت الموسيقى في القاعة، وانسابت الأضواء الدافئة فوق الطاولات المزينة بالورود البيضاء، بينما اتجهت أنظار الحاضرين إلى تيم ولينا اللذين وقفا في منتصف ساحة الرقص.كانت يد لينا تستقر في يد زوجها، والأخرى فوق كتفه، بينما أحاطت ذراعه بخصرها برفق. تحركا مع الموسيقى في هدوء، لا يلتفتان إلى أحد، وكأن القاعة بأكملها اختفت ولم يبقَ فيها سواهما.ابتسمت لينا وهي تنظر إلى عينيه، ثم همست مازحة:«أنت متوتر.»رفع تيم حاجبه مستنكرًا.«أنا؟ على الإطلاق.»«حقًا؟ إذًا لماذا تمسك بيدي بهذه القوة؟»نظر إلى يده التي تحتضن يدها، ثم خفف قبضته قليلًا، قبل أن يقترب منها ويقول بصوت خافت:«لأنني لا أريد أن أستيقظ غدًا فأكتشف أن كل هذا كان حلمًا.»هدأت ابتسامتها، وامتلأت عيناها بمشاعر رقيقة. اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها إلى كتفه للحظات.«لن يكون حلمًا يا تيم. أنا هنا، وسأظل هنا.»ضمها إليه برفق، ثم تابع الرقص معها، بينما علت التصفيقات من حولهما.وعلى مسافة غير بعيدة، وقف تامر يشاهد أخاه بابتسامة صادقة. كان سعيدًا من أجله، وربما شعر بشيء من الراحة وهو يرى تيم يحصل أخيرًا على السعادة التي انتظرها طويلًا.لكنه لم







