LOGINمنذ اللحظة التي أمسكت فيها شروق ملف المشروع، شعرت وكأن شيئًا قد عاد للحياة بداخلها.
كانت تستيقظ مبكرًا كل يوم، تجلس أمام مكتبها الصغير لساعات طويلة، ترسم وتعدل وتمسح ثم تعيد من جديد. ولأول مرة منذ سنوات… كانت تنسى خوفها وهي تعمل. تحولت الشقة الهادئة إلى عالم كامل من الأوراق والرسومات والقياسات الهندسية. كانت عيناها تلمعان كلما خطرت لها فكرة جديدة. لم تكن تريد تصميمًا عاديًا. كانت تريد شيئًا مختلفًا… شيئًا يجعل من يراه يتوقف. بدأت تستغل كل مساحة داخل المشروع التجاري بطريقة ذكية. أماكن للضوء الطبيعي. ممرات واسعة لكنها غير مهدرة. تصميم حديث يسمح باستخدام كل زاوية بأفضل شكل. حتى أماكن الجلوس والحدائق الصغيرة داخل المجمع جعلتها تبدو كأنها جزء حي من المكان، لا مجرد ديكور. كانت أفكارها خارجة تمامًا عن المعتاد. ومع كل تعديل، كانت تشعر أكثر أنها تثبت للعالم أنها ليست مجرد فتاة تحمل ماضيًا ثقيلًا. بل عقل حقيقي يستطيع الإبداع. أما في شركة الريان… فكان علي يعيش حالة مختلفة تمامًا. بعد أيام من الاجتماعات، جمع أفضل التصميمات التي قدمها مهندسو الشركة، وبدأ يختار بينها المشروع الأقوى ليعرضه على صاحب المشروع النهائي. جلس داخل مكتبه، يراجع الأوراق بعصبية خفيفة. وليد يقف أمامه ممسكًا بعدة ملفات. — بصراحة يا علي، ده أفضل اللي عندنا. ألقى علي نظرة على التصميم ثم تنهد. — حلو… بس ناقصه روح. رفع وليد حاجبه: — إنت مستني حد يبني لك مدينة معلقة يعني؟ ابتسم علي نصف ابتسامة، لكنه ظل غير مقتنع تمامًا. كان يريد شيئًا مميزًا فعلًا. شيئًا لم يره من قبل. في الطرف الآخر… كانت نهال مستلقية على الأريكة داخل شقة شروق، تتحدث بحماس وانفعال كعادتها. — وأنا اللي كنت فاكراه هيتغير! كانت شروق ترسم بعض اللمسات الأخيرة على التصميم وهي تستمع لها مبتسمة. — وبعدين؟ تنهدت نهال بضيق: — سيبنا بعض خلاص. رفعت شروق عينيها نحوها بهدوء: — بعد قد إيه؟ — شهر ونص تقريبًا. ابتسمت شروق بخفة وهي تهز رأسها. — ن… نهال… لازم تتأني شوية قبل ما ترتبطي بحد. جلست نهال باعتدال وقالت بتمثيل درامي: — ما أنا بحب الحب يا شروق! ماعرفش أعيش من غير حب. ضحكت شروق لأول مرة منذ أيام ضحكة حقيقية قصيرة. ثم عادت تنظر إلى التصميم. وفجأة انتبهت نهال إلى الماكيت الموجود فوق الطاولة. اقتربت منه بانبهار. — يا نهار أبيض… إنتِ اللي عاملة ده كله؟! رفعت شروق كتفيها بخجل بسيط. لكن نهال كانت تدور حول الماكيت بإعجاب حقيقي. — ده تحفة! والله تحفة! وفي اللحظة نفسها، رن هاتف شروق. نظرت للشاشة بسرعة. — د… دكتور نجيب. ردت فورًا. — ألو؟ — خلصتي؟ نظرت شروق إلى التصميم والماكيت أمامها ثم قالت بفخر خافت: — أ… أيوه… جاهز. — ابعتيلي التصميم حالًا. أغلقت الهاتف بسرعة وأرسلت كل الملفات للدكتور نجيب. وفي شركة الريان… كان علي يستعد للخروج نحو الاجتماع النهائي مع الشركة المالكة للمشروع. أغلق حقيبته وهو يقول لوليد: — خلاص، هنمشي. لكن قبل أن يتحرك، دخل الدكتور نجيب إلى المكتب بهدوء وهو يحمل فلاشة صغيرة. نظر له علي باستغراب: — خير يا دكتور؟ ابتسم نجيب ابتسامة غامضة: — قبل ما تعتمد المشروع النهائي… بص على ده. أخذ علي الفلاشة بسرعة وفتح الملفات على اللابتوب. ومع أول تصميم ظهر أمامه… تغيرت ملامحه بالكامل. اقترب وليد بسرعة وهو يقول: — إيه؟ لكن بعد ثوانٍ… صمت هو الآخر. بدأ الاثنان يقلبان التصميمات بانبهار واضح. كل تفصيلة كانت مختلفة. ذكية. حديثة. واستغلال المساحات فيها عبقري بشكل غير متوقع. همس وليد: — ده أحسن من كل اللي اتعمل عندنا. ظل علي ينظر للشاشة طويلًا دون كلام. ثم قال ببطء: — أخيرًا… ده اللي كنت بدور عليه. رفع عينيه نحو الدكتور نجيب: — مين اللي عمل التصميم ده؟ لكن الدكتور نجيب اكتفى بابتسامة هادئة وقال: — شوفه بنفسك. نظر له علي باستغراب: — يعني إيه؟ — صاحب التصميم جاي الاجتماع بنفسه. ثم أضاف وهو يتحرك ناحية الباب: — وصدقني… هتتبسط بالمفاجأة. بعد قليل… داخل قاعة الاجتماعات الكبرى. كان أصحاب المشروع يجلسون حول الطاولة الزجاجية الطويلة، بينما وقف علي يعرض المشروع الذي اختارته شركته. ورغم إعجاب الحضور، ظل يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا. شيئًا يمنح المشروع روحًا مختلفة. وفجأة… فُتح باب القاعة ببطء. دخلت نهال أولًا وهي تحمل جزءًا من الماكيت، ثم ظهرت شروق خلفها. كانت تحمل الجزء الآخر بحذر، وعيناها تبحثان بتوتر داخل القاعة. وفي اللحظة التي رفعت فيها رأسها… تجمدت. أما علي… فتوقف عن الكلام تمامًا. الصمت ملأ القاعة للحظات. وليد فتح عينيه بصدمة: — لااا… أما علي فظل ينظر إليها غير مستوعب. هي. نفس الفتاة التي طردها بنفسه من الشركة. ونفس الفتاة التي وصفها بالمجنونة. لكن الآن… كانت تحمل بين يديها أفضل تصميم رآه منذ سنوات.بعد انصراف الدكتور نجيب، جلس الفريق يراجع تفاصيل المشروع بدقة، يحاولون استيعاب حجم الخطوة الجديدة وما تتطلبه من استعداد. تأملت شروق الأوراق للحظات، ثم قالت بتردد: — لكن المشروع في مرسى علم… ونحن على أعتاب فصل الشتاء، هل سنتمكن من البدء؟ وكيف سننظم العمل؟ من سيسافر؟ ومن سيتابع المكتب هنا؟ رفع علي نظره إليها وقال بهدوء: — أعتقد أن الأفضل أن نسافر أنا وأنتِ للإشراف على التنفيذ ومتابعة العمل على أرض الواقع، أما وليد فسيتولى الأمور الإدارية هنا ويتابع المكتب. ساد الصمت لثوانٍ. لاحظ وليد أن شروق لم تعلق، فابتسم وسألها: — ما الأمر؟ إلى أين أخذك التفكير؟ ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت منخفض: — لا أعرف… لكنها المرة الأولى التي أخرج فيها خارج الإسكندرية. تبادل علي ووليد نظرة سريعة، وكأن الإجابة لم تكن متوقعة. أما شروق… فخفضت عينيها نحو الأرض في هدوء، وقد شعرت بشيء من الخجل لأنها قالت ذلك دون أن تقصد. قال علي وهو يجمع الأوراق ويستعد للمغادرة: — إذًا جهزي نفسك… أمامنا أسبوع كامل ننتهي فيه من التصميمات والتجهيزات هنا، وبعدها سنسافر. يجب أن نبدأ التنفيذ مبكرًا حتى نُسلِّم المش
في منزل نهال… كان الجميع يجلسون في غرفة الضيوف. الأجواء هادئة من الخارج… لكن نهال كانت تشعر بثقل لا يراه أحد. كان شريف يجلس مع والدها يتحدثان عن العمل والمشروعات، بينما والدتها تبدو راضية عن سير الأمور. وفجأة… نظر شريف إلى والد نهال وقال بابتسامة: — ما رأيك أن نحدد موعد الخطوبة؟ ساد هدوء قصير. ثم رد والد نهال بهدوء: — لا بد أن نسأل نهال أولًا. ثم رفع صوته: — نهال… تعالي يا بنتي. دخلت نهال وجلست. نظر إليها والدها ثم قال بلطف: — شريف يسأل إن كنا سنحدد موعد الخطوبة. نظرت نهال للحظات. ثم قالت بهدوء: — أعتقد أننا نتسرع. نظر الجميع إليها. فأكملت بثبات: — نحن ما زلنا في مرحلة التعارف. ولا أرى أن من الصحيح أن نأخذ خطوة كبيرة ونحن لا نعرف بعضنا بما يكفي. ساد الصمت. بدت الدهشة على وجه والدتها. أما والدها فظل ينظر إليها للحظات. ثم قال: — تقصدين أنك تريدين وقتًا؟ هزت رأسها بهدوء: — نعم. أعتقد أن القرار يحتاج هدوءًا أكثر. نظر شريف إليها ثم ابتسم وقال: — لا مشكلة. من حقك أن تأخذي وقتك. لكن رغم هدوئه… شعرت نهال أن الحديث لم ينتهِ بعد. وفي الوقت نفسه… كانت شروق ق
قررت شروق أن تعود إلى جلساتها مع دكتورة ريهام. لم تكن متأكدة إن كانت تريد الحديث فعلًا… لكنها شعرت أن الهروب هذه المرة لن يفيد. وصلت في موعدها. جلست كعادتها. لكن دكتورة ريهام لاحظت الفرق منذ اللحظة الأولى. هدوء أكثر من المعتاد. وتعب لا يشبه التعب الجسدي. ابتسمت وقالت بلطف: — تبدين مختلفة اليوم. رفعت شروق كتفيها محاولة التجاهل. لكن دكتورة ريهام لم تضغط. بدأ الحديث عن الأيام الأخيرة. عن العمل. وعن الإحباط. وعن شعورها بأنها تعود خطوات إلى الخلف كلما حاولت أن تتقدم. استمعت إليها ريهام حتى انتهت. ثم سألت بهدوء: — شروق… هل سألتِ نفسك يومًا لماذا تضعين حدودًا صارمة جدًا مع الرجال؟ صمتت شروق. لم تُجب مباشرة. فأكملت ريهام: — لا أقصد أن هذا خطأ. لكن يبدو أحيانًا أن الأمر ليس مجرد حذر… كأنه دفاع قديم. ظلّت شروق صامتة. ثم قالت بعد وقت: — ربما… لأنني لم أشعر بالأمان لفترة طويلة. نظرت إلى الأرض ثم أكملت: — بعد الأحداث التي مررت بها… والفترة التي قضيتها خارج بيتي… كان العنف والعصبية شيئًا أراه كثيرًا. وأصبحت أميل للعزلة أكثر. ثم سكتت. لكن دكتورة ريهام انتظرت. فقا
نظرت شروق إلى نهال طويلًا… ثم قالت بهدوء: — ماذا حدث مع علي؟ تنهدت نهال وأخفضت نظرها. ثم قالت بصوت متعب: — حاولت أن أتحدث معه… لكني أشعر أن الأمور لن تعود كما كانت. لا أعرف… لكن هناك شيء تغيّر. كان هادئًا جدًا… وهذا ما أخافني أكثر. سكتت لحظة ثم أضافت: — أشعر بألم كبير… ليس لأننا تشاجرنا، لكن لأنني لأول مرة أشعر أن المسافة بيننا حقيقية. ظلت شروق تستمع إليها بصمت. ثم قالت بهدوء: — لا تتعجلي بالحكم. أحيانًا الناس عندما تتعب… لا تبتعد لأنها لم تعد تهتم. بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتصرف. أعطيه وقتًا. وحاولي أن تتحدثي معه مرة أخرى عندما تهدأ الأمور. أنا متأكدة أنه سيفهم. رفعت نهال عينيها إليها وقالت: — وهل أنتِ مقتنعة بما تقولينه فعلًا؟ ابتسمت شروق ابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت. ثم قالت: — لا أعرف… لكنني أتمنى ذلك. ساد الصمت للحظات. ثم قالت شروق فجأة: — أما أنا… فأعتقد أنني سأخبر علي أنني لن أستطيع الاستمرار في العمل. التفتت نهال إليها بسرعة وقالت باستغراب: — ماذا؟ قالت شروق وهي تنظر أمامها: — منذ أن بدأنا وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادرة. لكن كلما شعرت أن
ظلت كلمات نهال تتردد في ذهن شروق. ثم عادت تتذكر ما حدث خلال اليوم. المشروع. العميلة. الخسارة. وذلك الصمت الذي غلّف ملامح علي. ولسبب لم تستطع تفسيره… عاد إليها ذلك الشعور الذي ظنت أنها تجاوزته منذ زمن. أن كل شيء تقترب منه… ينتهي بطريقة سيئة. أن كل بداية تحمل معها نهاية مؤلمة. أغمضت عينيها للحظة. ثم هزّت رأسها وكأنها تحاول طرد هذه الأفكار. لكنها بقيت هناك… في مكان لا تصل إليه المحاولات. بعد أن غادرت نهال منزل شروق… وقفت قليلًا أمام المبنى. كانت تعلم أن الاستمرار في الصمت سيجعل الأمر أكثر سوءًا. تنفست بعمق. ثم اتجهت إلى منزل علي. وقفت أمام الباب مترددة. رفعت يدها أكثر من مرة ثم أعادتها. وفي النهاية… ضغطت الجرس. فتح علي الباب. بدا مرهقًا. ملامحه هادئة أكثر مما توقعت. وهذا جعل الأمر أصعب. نظر إليها دون أن يتكلم. فقالت بهدوء: — علي… أريد أن تتحدث معي. نظر إليها لحظة ثم قال: — ليس الآن يا نهال. أريد أن أبقى وحدي. اقتربت خطوة وقالت بصوت أكثر هدوءًا: — أرجوك. لا تجعل ما رأيته اليوم يكون حكمك النهائي. تنهد وقال: — قلت ليس الآن. لكنها لم تتحرك. وقالت بعد ص
لم يكن النجاح الذي بدأ علي يحققه يروق لحمدي الريان. في البداية تعامل معه باعتباره اندفاعًا مؤقتًا… محاولة لإثبات الذات ستنتهي سريعًا، ثم يعود علي إلى مكانه الطبيعي داخل المجموعة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. الأيام مرّت. والمكتب الصغير لم يتراجع. العمل بدأ يتزايد. العملاء يتحدثون عنهم. والاسم الذي بدأ كفكرة… صار يتردد في السوق. وهنا أدرك حمدي أن الأمر لم يعد مجرد عناد. جلس في مكتبه يتأمل التقارير أمامه، ثم قال بصوت هادئ يخفي ضيقًا واضحًا: — كنت أظن أنه سيعود أسرع من هذا. جلست وفاء أمامه في هدوء، ثم قالت: — علي لا يتراجع بسهولة… وأنت أكثر من يعرف ذلك. رفع نظره إليها. فأكملت: — لكنه أيضًا لا يحتمل أن يرى شيئًا تعب فيه ينهار أمامه. توقفت لحظة ثم قالت بنبرة محسوبة: — إذا لم نستطع أن نجعله يعود بإرادته… فلنجعل الطريق أمامه يضيق حتى لا يجد غير العودة. ثبت حمدي نظره عليها. ثم قال: — يبدو أن لديكِ فكرة. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — دع الأمر لي. وإذا نجح… فلن يفكر في البقاء خارج الشركة يومًا إضافيًا. ارتسمت على وجه حمدي ابتسامة خفيفة وقال: — وإن حدث ذلك… فلديّ لك







