مشاركة

نوتة الموت الاخيرة.

مؤلف: نيسوا
last update تاريخ النشر: 2026-03-24 00:48:24

 نوتة الموت الأخيرة (النسخة الموسعة)

توقفت السيارة المصفحة على بعد أمتار من المدخل الملكي لمسرح "رويال آلبرت هال". كان المبنى الدائري العريق يتلألأ تحت أضواء لندن، وكأنه تاج مرصع بالياقوت وسط ضباب الليل، لكن بالنسبة لـ أدهم، لم يكن هذا الصرح سوى مقبرة فخمة لأسرار دُفنت قبل عامين. ترجل أدهم من السيارة، وكان يرتدي بدلة "تكسيدو" سوداء فاخرة، بدت وكأنها درع عصري صُمم خصيصاً لجسده الرياضي الصلب. كانت هيبته في تلك اللحظة طاغية لدرجة أن حراس الأمن عند البوابة، والذين اعتادوا رؤية الملوك والأمراء، تراجعوا خطوة للخلف لا شعورياً ليفسحوا له الطريق، مسحورين بوقار نظراته الحادة التي لا تعرف التردد.

"سيرين، تذكري جيداً ما سأقوله الآن،" قال أدهم بصوت منخفض وعميق وهو يمد ذراعه لتتشبث بها سيرين، "أنتِ الآن لستِ مجرد رفيقة، أنتِ الجزء الأهم في هذه العملية. لا تظهري خوفكِ، ولا تنظري في أعين الحراس طويلاً؛ فالخوف رائحة يشمها المفترسون من مسافات بعيدة. كوني ظلي، واتبعي إيقاع خطواتي كأننا نعزف مقطوعة واحدة." كانت سيرين ترتدي فستاناً أسود بسيطاً وأنيقاً اختاره لها أدهم، وشعرت بأن وجودها بجانبه يمنحها حصانة غير مرئية، رغم أن قلبها كان يقرع طبول القلق مع كل خطوة يخطوانها نحو الداخل.

دخلا من مدخل كبار الشخصيات، حيث كان عبق العطور الغالية يختلط برائحة السجاد العتيق. انحنى الموظفون احتراماً لأدهم، ليس لأنه يحمل تذكرة ذهبية، بل لأن ملامحه الصارمة كانت توحي بسلطة عليا تجبر الجميع على الطاعة دون سؤال. اتجها بخطوات منتظمة نحو المصاعد الخلفية المؤدية للقبو العميق، بعيداً عن صخب الحفل الموسيقي الذي بدأ يعلو صوته في القاعة الكبرى. هناك، في الأسفل، كان الهواء بارداً ورائحة الرطوبة تعيد لأدهم ذكريات ليلة الانفجار المشؤومة؛ ليلة فقد فيها رفيقة دربه "إلين" وظن أنه فقد معها روحه.

توقفا أمام باب حديدي ضخم مغطى بطبقة من الخشب المعتق ليتموه مع الجدران، ليس له قفل ظاهري، بل شاشة رقمية مخفية وجهاز استشعار صوتي دقيق. "هنا دوركِ يا سيرين،" همس أدهم وهو يتراجع خطوة لتتقدم هي، واضعاً يده على مقبض سلاحه المخفي تحت سترته تحسباً لأي طارئ. "هذا الجهاز مبرمج على ترددات صوت عائلة 'عثمان' فقط. لا تقرئي الجملة بآلية، بل اقرئيها بروحكِ، كأنكِ تخاطبين والدكِ." كانت الجملة المكتوبة بضوء فسفوري هي: "الزهور لا تموت.. هي فقط تغفو في انتظار المطر".

أخذت سيرين نفساً عميقاً، وشعرت بوزن المسؤولية الملقى على عاتقها. نظرت نحو أدهم، فوجدت في عينيه ثقة مطلقة منحتها القوة. قرأت الجملة بصوت صافٍ وثابت، وفجأة، صدر صوت ميكانيكي عميق، وانفتح الباب الثقيل ببطء ليكشف عن غرفة سرية ضيقة، جدرانها مغطاة بملفات قديمة وأجهزة تخزين. في المنتصف، كانت هناك خزنة صغيرة مذهبة تحمل شعار "الأسد والقيثارة".

فتح أدهم الخزنة باستخدام المفتاح المصدوع، وبالداخل، وجدا مذكرات "إلين" المغلفة بجلد التمساح الأسود، وبجانبها جهاز تخزين بيانات (USB) صغير مصمم بشكل غريب. وبينما كانت سيرين تمد يدها لتلتقط المذكرات، أطبق أدهم يده على يدها فجأة بحركة سريعة وجمدها في مكانها. تجمدت أنفاس سيرين وهي تراه يلتفت ببطء نحو زاوية مظلمة في الغرفة، وعيناه تلمعان ببريق الموت.

"اخرج يا 'بارون'.. رائحة غدرك وعطرك الرخيص يسبقان خطواتك دائماً،" قال أدهم بصوت هادئ ومخيف هزّ سكون الغرفة. من خلف الأرفف الحديدية، خرج رجل في الستينيات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة ويحمل عصاً بمقبض ذهبي، لكن عينيه كانت تشبهان عيني الأفعى في مكرها. كان يحيط به أربعة قناصة مدربون، يوجهون أسلحتهم المزودة بكواتم صوت نحو رأس أدهم وسيرين.

"أدهم ستيرلينغ.. دائماً تسبقني بخطوة، لكنك هذه المرة وقعت في الفخ الذي نصبته لنفسك،" قال البارون بابتسامة صفراء باردة. "لقد جئت لي بالمفتاح، وبالبنت، وبالخزنة. هل تظن حقاً أن مذكرات امرأة ميتة تستحق أن تضحي بحياتك وحياة هذه الرقيقة من أجلها؟ سلمني المذكرات، وسأجعل موتكما سريعاً وغير مؤلم."

لم يهتز أدهم، بل جذب سيرين خلف ظهره تماماً بحركة حاسمة، ليصبح جسده الضخم درعاً فولاذياً يحجبها عن فوهات البنادق. "البارون.. أنت لم تفهم الدرس بعد،" قال أدهم بنبرة ساخرة جعلت القناصة يرتجفون. "أنا لا أحتاج لجيش لأبيد حشرات مثلك في حصني القديم. المذكرات ستبقى معي، وأنت ستخرج من هنا بطريقة واحدة فقط.. جثة بلا اسم."

في تلك اللحظة، ضغط أدهم على زر مخفي في ساعة يده، وانطلقت صافرات الإنذار دفعة واحدة، بينما انفجرت قنابل صوتية وضوئية في أرجاء القبو. ساد ظلام دامس تخللته ومضات بيضاء حارقة. شعرت سيرين بيد أدهم القوية تحيط بخصرها وتسحبها بسرعة البرق نحو مخرج طوارئ خلفي لا يراه أحد سواه. وسط صراخ رجال البارون الذين تاهوا في الظلام، كان أدهم يشق طريقه كالشبح، يطلق النار بدقة متناهية دون أن يتوقف عن الحركة.

"لا تنظري للخلف أبداً،" قال لها أدهم بهمس حازم وهو يدفعها داخل ممر ضيق يؤدي إلى مرآب السيارات السفلي. "لقد حصلنا على ما نريد، والآن سيبدأ الكابوس الحقيقي للبارون. اليوم ستعرفين يا سيرين لماذا كان والدكِ يخشى هذه المذكرات أكثر من خشيتة للموت نفسه."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الخامس عشر.

    أوركسترا الخديعة.تحت سماء لندن التي لم تتوقف عن بكاء رذاذها البارد، كان "برج الظل" ينتصب كخنجر زجاجي يطعن غيوم المدينة. في الطابق الخمسين، كانت الأضواء الذهبية تتراقص خلف الزجاج العازل، حيث أقام البارون حفله السنوي الماجن، جامعاً صفوة المجتمع من سياسيين وتجار سلاح وفاسدين، جميعهم يرتدون أقنعة مخملية تخفي خلفها وجوه الجشع. لكن الليلة، كان هناك قناعان إضافيان لم يحسب لهما البارون حساباً؛ قناع العازف المجهول، وقناع مساعدته الصامتة.داخل المصعد الخدمي المبطن بالمعدن، كان أدهم يقف بوقار يحبس الأنفاس. كان يرتدي بدلة "تكسيدو" سوداء صُممت خصيصاً لتخفي ترسانة صغيرة من الأسلحة وأجهزة التشويش، وفوق وجهه قناع أسود مطفأ يغطي نصفه العلوي، مما أبرز حدة فكه وقسوة شفتيه. بجانبه، كانت سيرين تبدو كأميرة من أساطير الشمال؛ فستان أسود من الحرير ينساب كالشلال، وشعرها مرفوع بعناية ليظهر قرطاً صغيراً ليس مجرد زينة، بل هو جهاز اتصال لاسلكي متطور."سيرين، تذكري.. نبضكِ هو عدوكِ الأول،" قال أدهم بنبرة منخفضة للغاية، وهو يضبط ربطة عنقه ببرود مذهل. "في هذه القاعة، العيون ليست للرؤية بل للقنص. إذا شعرتِ أن أحداً ي

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الرابع عشر.

    ظلال الضباب اللندني.كانت لندن غارقة في وشاح من الضباب الكثيف الذي يبتلع الأضواء والأصوات، وكأن المدينة نفسها تحاول التستر على العائدين من الموت. توقفت السيارة السوداء المتربة أمام مدخل بناية قديمة في حي "سوهو"، واجهة البناية توحي بالإهمال، لكن خلف أبوابها الخشبية الثقيلة كان يقع أحد أكثر مخابئ أدهم سرية وتطوراً.ترجل أدهم بوقار لا يتأثر بالتعب، وكان معطفه الطويل يرفرف خلفه كأجنحة غراب يحرس الليل. لم يمد يده لـ سيرين هذه المرة؛ فقد أرادها أن تعتاد على التحرك باستقلالية المحاربين، لكن عينه لم تغادر محيطها لثانية واحدة. دخلا المصعد القديم الذي كان يتطلب رمزاً رقمياً معقداً وبصمة عين ليعمل."هنا سنكون 'أشباحاً' يا سيرين،" قال أدهم بصوته العميق الذي تردد صداه في المصعد الضيق. "منذ هذه اللحظة، أنتِ 'إيلينا فانس'، خبيرة أرشيف هولندية، وأنا 'الرائد جوليان'، ملحق عسكري متقاعد. لا وجود لسيرين وأدهم في شوارع لندن حتى ينتهي رأس الأفعى."فتح المصعد بابه على شقة واسعة بنوافذ تمتد من الأرض حتى السقف، لكنها مغطاة بطبقات من الزجاج الذكي الذي يسمح بالرؤية من الداخل فقط. كانت الغرفة تعج بالشاشات التي ت

  • صــدى الصمـــتْ   الثالث عشر.

    رقصة الموت فوق القمم البيضاء.لم يكن الرصاص الذي انهمر على منزل البروفيسور سايمون مجرد مقذوفات معدنية، بل كان سيمفونية من الغدر أعلنها ماضٍ رفض أن يموت. في قلب تلك الفوضى المنظمة، كان أدهم يتحرك بآلية مرعبة؛ لم يكن يذعر أو يرتبك، بل كان يحلل زوايا إطلاق النار وكأنه يقرأ نوتة موسيقية معقدة. جذب سيرين خلف الحائط الحجري السميك، وضغط بجسده الصلب فوقها ليحميها من شظايا الخشب والزجاج المتطاير. كان صدره العريض كالسد المنيع، ونظراته الحادة تمسح المكان ببرود لا يتناسب مع جحيم الرصاص في الخارج."سيرين، لا ترفعي رأسكِ مهما حدث،" قال أدهم بنبرة منخفضة وقاطعة، نبرة تحمل سلطة القائد الذي لا يُهزم. "سايمون، خذ الحقيبة واخرج من الممر السفلي. سأقوم بتأمين التغطية لكم. اذهبا نحو الكوخ الصخري عند قمة 'رأس الذئب'. هناك سألحق بكم.""ولكنك وحدك يا أدهم!" صرخت سيرين وهي تتشبث بسترتته التكتيكية، وشعرت برعب حقيقي ليس على حياتها، بل على هذا الرجل الذي صار حصنها الوحيد. نظر إليها أدهم، ولأول مرة رأت في عينيه وميضاً من "الاعتراف"؛ لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة رجل يثق بأنه سيعود ليطالب بما هو له. "أنا لست وحدي

  • صــدى الصمـــتْ   الثاني عشر.

    مذكرات الموتى.ساد صمت ثقيل في غرفة المعيشة المتواضعة بمنزل البروفيسور سايمون، صمت لا يقطعه إلا أزيز مدفأة الحطب القديمة وصوت الرياح التي تعول في الخارج فوق قمم جبال "إيدن". كان اسم "ماركوس" يتردد في أذني أدهم كأنه طلقة مرتدة من الماضي؛ الرجل الذي ظن أنه أرسله إلى الجحيم قبل عامين في عملية "السراب"، الرجل الذي كان يوماً ما ذراعه اليمنى قبل أن يغويه بريق المال والمنظمة.أحكم أدهم قبضته على سلاحه، وبرزت عروق جبهته من شدة التركيز والغضب المكبوت. "ماركوس لا يزال حياً؟" سأل أدهم وصوته يشبه احتكاك الصخور، نبرة جعلت سايمون يتراجع خطوة للخلف رعباً. "إذا كان حياً، فالباب الذي أغلقته بالدماء قد فُتح مجدداً، والبارون ليس سوى واجهة لهذا الشيطان."أومأ سايمون برأسه بأسى، وتوجه نحو لوحة زيتية قديمة تمثل غابة اللافندر، أزاحها ليكشف عن خزنة فولاذية حديثة مدمجة في الجدار الحجري. "لقد كان ماركوس هو من استلم الشحنة الأخيرة من 'المشروع سين' قبل الانفجار يا أدهم. هو يملك النصف الرقمي، ووالد سيرين، عثمان، ترك النصف المادي هنا.. في هذا الصندوق."أخرج سايمون صندوقاً معدنياً أسود صغيراً، ثقيل الوزن ومحاطاً بأ

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الحادي عشر.

    طريق "إيدن" المفقود.كان دوي انفجار طائرة الدرون في سماء الريف الإنجليزي بمثابة ناقوس خطر أعلن نهاية الهدوء المؤقت. لم يمنح أدهم لـ سيرين لحظة واحدة لاستيعاب الصدمة؛ فبمجرد أن هبط الحطام المشتعل وسط حقول اللافندر، كان قد وصل إلى باب القبو وجذبها بقوة من يدها. كانت ملامحه حادة كالنصل، وعيناه تمسحان الأفق بآلية مرعبة لا تعرف التعب."الحقيبة الجاهزة، الآن!" قال أدهم بصوت منخفض وآمر وهو يدفعها نحو السيارة الرباعية الدفع المموهة والمخبأة تحت غطاء من الأغصان الصناعية. لم تنتظر سيرين، بل قفزت إلى المقعد المجاور، بينما كان أدهم يضع بندقية القنص في المقعد الخلفي ببرود مذهل. انطلقت السيارة بقوة، مخلفةً وراءها سحابة من الغبار ورائحة اللافندر المحترق، متجهةً نحو الممرات الجبلية الوعرة التي تربط بين "كوتسولدز" وقرية "إيدن" المعزولة.طوال الساعة الأولى من الرحلة، كان أدهم يقود بسرعة جنونية وسط المنعطفات الخطرة، وعيناه لا تغادران مرآة الرؤية الخلفية وشاشة الرادار الصغيرة المثبتة على لوحة القيادة. كانت سيرين تراقب أصابعه القوية وهي تتحكم في المقود بسلاسة مذهلة، وشعرت بأن هيبة هذا الرجل تزداد كلما ا

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل العاشر.

    صقل النصر ( النسخة المطورة).في المدى الشاسع لحقول اللافندر المحيطة بالمنزل الريفي، كان ضوء الفجر الرمادي ينسل بخجل من وراء التلال. لم يكن هذا الصباح للراحة؛ فبالنسبة لـ أدهم، الراحة هي الثغرة التي يتسلل منها الموت. وقف في الشرفة الخشبية، وقد لفّ كتفه المصاب بضمادة طبية محكمة تحت قميصه الأسود، وكان يراقب سيرين وهي تقف في الساحة الترابية أمام مجموعة من الأهداف الخشبية."التوازن ليس في قدميكِ يا سيرين، بل في عقلكِ،" قال أدهم بصوته الجهوري الذي كان يقطع سكون الصباح كحد السيف. كان يقف خلفها مباشرة، وهيبته الطاغية تجعل الهواء من حولها يبدو ثقيلاً. "السلاح لا يقتل؛ الإنسان هو من يقتل. إذا اهتزت يدكِ لأنكِ تشعرين بالخوف، فأنتِ ميتة قبل أن تضغطي على الزناد."كانت سيرين تمسك بمسدس صغير من طراز "سيغ ساور"، تشعر بثقله المعدني البارد في كفها الرقيقة التي اعتادت ملمس بتلات الورود. كانت أنفاسها متلاحقة، وعيناها مجهدتان من قلة النوم. التفتت إليه قائلة بنبرة تحمل مزيجاً من الإرهاق والتحدي: "أنا بائعة زهور يا أدهم، لستُ جندية في وحدتك الخاصة. كيف تتوقع مني أن أتحول إلى قاتلة في ليلة وضحاها؟"اقترب أده

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status