تسجيل الدخولانكمشت نادية في زاوية سريرها الصغير، متلحفة بالظلام الذي لف غرفتها الضيقة في القصر . ظلت تبكي بحرقة وقهر، ودموعها تبلل وسادتها وهي تلعن حظها العاثر. كانت قبل ساعات فقط تظن أنها تمسك بكل خيوط اللعبة، وتتأرجح بين احتمالين كلاهما كان سيمنحها نصرا؛ إما أن تنفرد بهاشم كلياً عندما تتركه دارين وتغادر بغضبها ، أو الاحتمال الأسوأ في حساباتها—وهو أن تدوس دارين على كرامتها وكبرياءها وتتمسك بزوجها ، وفي هذه الحالة كانت دارين ستطرد نادية فوراً وتنال نادية حريتها المطلقة التي تشتاقها. لكن كل الظنون خابت، وارتد الفخ ليطبق على عنقها وحده. مدت جسدها الصغير المنهك فوق الفراش، وحدقت في السقف بـأعين متسعة يملؤها الرعب من الأيام القادمة التي باتت مجهولة وموحشة. ومع خيوط الصباح الأولى، انفتح باب الغرفة فجأة بـعنف ودون استئذان. استيقظت نادية فزعة من نومها المتقطع على أثر الصوت، وانتفضت جالسة فوق السرير وهي تفرك عينيها بـارتباك. كانت دارين تقف عند العتبة بـكامل أناقتها الصباحية وجفائها المعهود، وقالت بنبرة آمرة حادة: * "هيا.. استيقظي وارتدي ملابسكِ فوراً. سيأخذون منكِ عينة
رفعت دارين يدها بـعنجهية مفرطة، وقبضت على العقد الماسي وجذبتْه بقسوة من حول عنق نادية، حتى كاد النصل المعدني يقطع أنفاسها ويترك أثراً أحمر على بشرتها. انحنت دارين قليلاً، وهمست في أذنها بنبرة تقطر سماً زاحفاً: * "الخادمات لا يرتدين زينة سيداتهن! هيا.. لا أريد أن أرى ذيلكِ خارج غرفتكِ بعد الآن. لن تخرجي منها أبداً، وسيأتيكِ هاشم في مواعيد محددة ووفق جدول صارم.. وأنصحكِ بأن تسرعي في إتمام مهمتكِ لتغادري هذا القصر بلا عودة." نظرت نادية إلى هاشم نظرة أخيرة.. نظرة كانت مزيجاً حارقاً من الانكسار المرير والغل الأسود ، تفتش في عينيه عن ذرّة واحدة من ذلك الشغف الذي كان يغمرها به بالأمس، لكنها لم تجد سوى جدار متيبس من البرود. استدارت ونبضات قلبها تتلاحق بـإحساس خانق بالقهر ، وخرجت من الغرفة وهي تجر أذيال هزيمتها النكراء، محاولةً لملمة شتات كبريائها الذي سُحق تحت أقدام الزوجين. بمجرد إغلاق الباب، تحولت ملامح دارين فوراً؛ وتلاشت قسوتها لتحل محلها نظرة تفيض بـالشوق الجارف وحب التملك . تقدمت نحو هاشم بـتلهف، ورفعت يديها محيطة رقبته، وهي تبحث في ملامحه عن صك الغفرا
في تلك اللحظة، لم تعد دارين بحاجة للبقاء في مخبئها بعد أن سمعت اعتراف زوجها الصادم بوجه نادية؛ فخرجت من خلف ستائر الشرفة وعلامات الانتصار والفخر تكسو وجهها الأرستقراطي. نظرت إلى نادية الشاحبة والمصدومة بسخرية عارمة، وقالت بصوت عالٍ يملؤه التشفي: * "حقاً يا نادية؟! هل هذا هو زوجي الذي يذوب عشقاً فيكِ ويتوسل إليكِ لتنامي معه؟! يبدو أن أوهامكِ قد أعمتكِ عن حجمكِ الحقيقي!" تراجع هاشم خطوة إلى الخلف، وتغيرت ملامحه تماماً حين وقعت عيناه على زوجته وهي تخرج من شرفة الغرفة. لم يظهر على وجهه الفرح بعودتها، بل اشتعلت عيناه بشرر الغضب وارتسمت على محياه علامات الإهانة والاشمئزاز. التفت بنظراته القاتلة بين دارين ونادية، وصاح بغضب عارم زلزل أركان الجناح: * "أيّة صور أرسلتها إليكِ؟! وماذا كنتِ تفعلين في الشرفة يا دارين؟! هل أنا وسط تمثيلية رخيصة هنا؟! هل تلعبان معي أنتما الاثنين وتتآمران خلف ظهري؟!" تحول الموقف إلى بركان ثائر، والتف هاشم بجسده متجهاً نحو الباب بعنف وهو يهمّ بالخروج من الغرفة وترك القصر بأكمله لهما. أسرعت دارين نحوه بخوف حقيقي ، وأمسكت بذراعه
انفتح باب الجناح ببطء، ودخل هاشم بخطى ثقيلة وعلامات الإرهاق والوجوم تكسو وجهه. ألقى بمفاتيحه على الطاولة، والتفت ليتفاجأ بنادية تجلس في منتصف السرير، متأنقة بقميص نوم يفيض إثارة وإغواء ، بينما يلمع العقد الماسي الذي أهداها إياه صباحاً حول عنقها كطوق من النور. تصلبت ملامح هاشم فوراً، واستدعى غضب الصباح ليداري به شتاته، وقال بنبرة حادة وصارمة: * "ماذا تفعلين هنا يا نادية؟! ولماذا لستِ في حجرتكِ كما اتفقتُ معكِ؟!" خلف ستائر الشرفة الثقيلة، كانت دارين تحبس أنفاسها، وما إن سمعت لهجته الجافة والغاضبة حتى تنفست الصعداء، وارتسمت على وجهها ابتسامة نصر خافتة، ظناً منها أن كبرياء زوجها وحبه لها أقوى من أي إغواء. لكن نادية لم تتراجع؛ بل نهضت بخطوات وئيدة تضج بالأنوثة، واقتربت منه حتى لامس صدرها صدره، ثم رفعت ذراعيها الناعمتين بحركة انسيابية ولفت أطرافهما حول رقبته، وقالت بصوت متهدج ناعم: * "جئتُ إليك بالرغم من أنني المفروض أن أكون غاضبة ومكسورة مما فعلته بي هذا الصباح.. ولكنني فكرت وعلمت أنني أخطأت . لم أكن أعرف أن فاطمة ستفتح الباب في تلك اللحظ
ابتسمت نادية ابتسامة انتصار خبيثة وهي ترى دارين تتراجع خطوة تحت تأثير الصدمة، وقالت بنبرة هادئة ومستفزة: * "سأثبت لكِ صحة كلامي.. ولكن بشرط واحد فقط." اشتعلت دارين غضباً وصاحت بها بنبرة أرستقراطية متعالية تحاول لملمة كبريائها الجريح أمام فاطمة التي تراقب من بعيد: * "وهل أنا، دارين هانم، سأنتظر خادمة لتضع شروطها عليّ؟! اغربي عن وجهي الآن!" لوت نادية شفتيها ببرود ولم تتحرك من مكانها، وقالت بنبرة متهكمة: * "حسناً.. افعلي ما تشائين واطرديني. أنا أعلم أنكِ خائفة.. خائفة من مواجهة الحقيقة وتفضلين العيش في الوهم على أن تواجهى الواقع وتخسري زوجكِ إلى الأبد." وقفت دارين مكانها، وقد مسّت كلمات نادية وتراً حساساً في قلبها المليء بالشكوك والغيرة. استدارت ببطء ونظرت إليها بعينين ضيقتين قائلة: * "يبدو أنكِ واثقة من نفسكِ جداً أيتها الوقحة.. ولكن أحب أن أطمئنكِ، كل أحلامكِ فارغة بلا قيمة. هاشم لا يحب غيري، وما يفعله معكِ مجرد واجب يؤديه ليرضيني." خطت نادية نحوها بخطوات واثقة، واقتربت من أذنها تهمس بنبرة تقطر دهاءً: * "بما أنكِ واثقة من نفسكِ ومن حبه إلى هذا
وقفت نادية في منتصف الغرفة، وعيناها مثبتتان بذهول على دارين التي اقتحمت المكان كإعصار أعمى الغضب بصيرته. كانت أنفاس دارين المتلاحقة تملأ الغرفة، وعيناها تقدحان شرراً وهي تتجه صوبها بخطوات سريعة مهددة. لكن، وعلى غير العادة، لم تظهر نادية أي علامة من علامات الانكسار أو الخوف التي اعتادت إظهارها في المرات السابقة؛ بل وقفت شامخة، منتصبة القامة، وعيناها تتحديان كبرياء المرأة الأرستقراطية الواقفة أمامها. وفي الخلف، عند الباب المفتوح، كانت فاطمة تقف بترقب، تراقب ما يحدث وعلامات الفزع بادية على وجهها. قبل أن ترفع دارين يدها لتهوي بها على وجه نادية، تحركت نادية بسرعة البرق؛ وأمسكت بساعد دارين في الهواء بقوة حالت دون وصول الضربة إليها. اشتعلت دارين غضباً عارماً من هذه الجرأة غير المتوقعة، بينما شهقت فاطمة بالخلف بذهول ووضعت يدها على فمها غير مصدقة أن الخادمة تتجرأ على لمس سيدتها. أفلتت نادية يد دارين ببطء وبرود مستفز، ثم نفضت كفيها وقالت بنبرة هادئة ومتحدية: * "هل يمكنني أن أعرف سر كل هذا الغضب يا دارين هانم؟" اقتربت دارين منها حتى كادت أنفاسهما تلتقي، وقالت بن







