LOGINحارس المستوى صفرلم يتحرك أحد.لم يكن السبب هو الخوف وحده، بل ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحهم جميعًا لحظة وقعت أنظارهم على الرجل الواقف في نهاية الممر الأبيض. كان السكون الذي يحيط به غير طبيعي، وكأن المكان نفسه يخضع لوجوده، حتى أزيز الأجهزة القديمة اختفى تمامًا، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس المجموعة المتقطعة.قبض آدم على سلاحه أكثر، ثم تقدم نصف خطوة أمام الجميع.قال بصوت حازم:"مين إنت؟"لم تصل أي إجابة.ظل الرجل واقفًا في مكانه، رأسه منخفض قليلًا، ويداه خلف ظهره، كأنه ينتظر اقترابهم لا أكثر.همس عمر بتوتر:"هو سامعنا أصلًا؟"رد يوسف وهو يراقبه بعينين ضيقتين:"سامع... لكنه متعمد يسكت."التفت جلال إلى سليم وسأله بصوت خافت:"إحنا فعلًا في المستوى صفر؟"أجاب سليم وهو ينظر حوله في ذهول:"أيوه... بس... المكان مختلف."رفع آدم حاجبيه."مختلف إزاي؟"قال سليم:"المستوى صفر كان المفروض يكون مجرد غرفة أرشيف... مش مدينة كاملة تحت الأرض."رفع الجميع أبصارهم للمرة الأولى ليتأملوا المكان جيدًا.كان الممر الأبيض يمتد لمسافة طويلة، وعلى جانبيه أبواب زجاجية ضخمة، وخلف كل باب معامل مغلقة وأجهزة لم يمسها ا
الهوية المجهولة"تم التعرف على جميع الهويات... باستثناء هوية واحدة."لم تكن الكلمات التي ظهرت على الشاشة مجرد رسالة إلكترونية عابرة، بل كانت صفعة عنيفة أسقطت آخر ما تبقى من شعور بالأمان داخل المصعد المعدني. انحبست الأنفاس، وتجمدت الأعين على السطر الأخير، بينما استمر المصعد في الهبوط ببطء وسط هدير المحركات القديمة التي كانت تهتز كأنها توشك على الانهيار.أول من كسر الصمت كان عمر، وقد ارتسم الرعب على وجهه بوضوح."يعني إيه هوية واحدة؟! هو فيه حد معانا وإحنا مش شايفينه؟!"تحرك آدم بسرعة، ورفع مصباحه الكشاف ليفحص كل زاوية داخل المصعد، بينما تولى زين تفتيش السقف وفتحات التهوية بعينين لا يفوتهما شيء.قال آدم بحزم:"محدش يتحرك من مكانه."وقف الجميع كما هم، حتى ليان وتاليا تشابكت أيديهما أكثر، وكأن كل واحدة منهما أصبحت تخشى أن تفقد الأخرى مرة ثانية.كان جلال يحدق في الشاشة بعينين ضيقتين، ثم قال بصوت منخفض:"لا... الرسالة دي مش معناها إن فيه حد مستخبي."التفت إليه يوسف بسرعة."أمال معناها إيه؟"أجاب جلال بعد لحظة تردد:"معناها إن النظام مش قادر يحدد هوية واحد من الموجودين."ساد صمت ثقيل.قال كري
الفصل الرابع عشر بعد المئةالرصاصة التي غيّرت كل شيءشقّت الصرخة سكون الظلام كالسكين، وترددت أصداؤها بين الجدران الخرسانية الضيقة حتى بدا وكأن المجمع بأكمله قد استفاق على وقعها. تجمدت الأنفاس، ولم يعد أحد قادرًا على تمييز اتجاه الصوت أو معرفة من أصيب، بينما كانت لمبات الطوارئ الحمراء تومض ببطء قبل أن تعود للإضاءة تدريجيًا، كاشفة مشهدًا لم يكن أحد مستعدًا لرؤيته.كانت الرصاصة قد استقرت في كتف آدم.وقف مترنحًا وهو يضغط بيده على موضع الإصابة، بينما سالت الدماء بين أصابعه، لكنه رغم الألم لم يُنزل سلاحه، بل ظل واقفًا أمام المجموعة كالسد المنيع.صرخت نهى بفزع:"آدم!"رد عليها وهو يزفر بقوة:"أنا كويس... مجرد خدش... محدش يقرب!"لكن الجميع كان يعلم أن الإصابة لم تكن مجرد خدش.في المقابل، كان نادر قد خفض سلاح الرجل الذي أطلق النار من رجاله بعنف، ثم صفعه أمام الجميع.قال بغضب بارد:"أنا قلت محدش يضرب نار!"ارتبك الرجل وهو يتمتم:"افتكرته هيهرب..."نظر إليه نادر باحتقار."لو كررتها... هتبقى آخر غلطة في حياتك."تبادل آدم ونادر النظرات.قال آدم ساخرًا رغم ألمه:"غريبة... أول مرة أشوف زعيم بيعاقب ر
الفصل الثالث عشر بعد المئةذاكرة لا ينبغي أن تعود"…أنا أعرفك."خرجت الكلمات من فم الفتاة كهمسة تائهة، لكنها سقطت فوق القاعة كلها كقنبلة مزقت آخر ما تبقى من تماسك الجميع. تجمدت الحركة تمامًا، حتى أصابع آدم التي كانت تضغط على زناد سلاحه توقفت في منتصف الطريق، بينما بقي باب المصعد مفتوحًا خلفهم يطلق صفيرًا متقطعًا يعلن أن ثواني الأمان تتسرب سريعًا.ارتسمت على وجه نادر ابتسامة بطيئة، لم تكن ابتسامة انتصار فحسب، بل ابتسامة شخص انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة.قال بهدوء:"كنت واثق إن الذكريات هترجع... حتى لو متأخرة."أخذت الفتاة تتراجع خطوة إلى الخلف، واضعة يدها فوق رأسها، وكأن ألمًا حادًا بدأ يمزقها من الداخل.همست بصوت متقطع:"أنا... مش فاكرة... بس... وشك... أنا شوفته..."أسرعت تاليا إليها دون تفكير، وأمسكت كتفيها."بصيلي... متضغطيش على نفسك."رفعت الفتاة عينيها إليها، وكانت دموعها تتجمع بصمت."كل ما بحاول أفتكر... بشوف نار... وصراخ... وواحد شايلني..."ساد الصمت.أما جلال، فقد شحب وجهه بصورة واضحة.نظر إليه سليم سريعًا، ثم قال بحدة:"إوعى تقول اللي أنا فاكره."خفض جلال رأسه، لكنه لم ينكر.ف
دوّى صوت إطلاق النار في الممر الحجري كالرعد، فترددت أصداؤه بين الجدران الخرسانية الضيقة حتى بدا وكأن المجمع بأكمله قد استيقظ من سباته الطويل. تجمد الجميع لجزء من الثانية، ثم تحرك آدم بغريزته العسكرية، فأطفأ أحد المصابيح الجانبية وأشار إليهم بسرعة أن يلتصقوا بالجدار.قال بصوت منخفض وحازم:"محدش يتحرك... هما بقوا قريبين جدًا."حبست تاليا أنفاسها وهي تنظر نحو مدخل القاعة، بينما كانت يدها لا تزال متشابكة مع يد زين دون أن تشعر. كانت أصابعه تضغط على كفها بثبات، وكأنها الرسالة الوحيدة التي تحتاجها حتى لا تنهار.في المقابل، كان سليم ينظر إلى شاشة المراقبة التي تُظهر المسلحين وهم يقتربون بسرعة مذهلة.همس جلال بقلق:"هما وصلوا أسرع من المتوقع..."أجابه سليم وهو يضغط عدة أزرار على لوحة التحكم:"لأن نادر حافظ المجمع ده عن ظهر قلب... هو اللي صمم أنظمة الحماية بنفسه."اشتعل الغضب في عيني كريم."يبقى هو اللي كان بيسهّل عليهم الطريق طول الوقت!"أومأ سليم بصمت، ثم التفت إليهم فجأة."اسمعوني كويس... من اللحظة دي مفيش وقت لأي نقاش. لازم ننزل بالمصعد قبل ما يوصلوا."لكن قبل أن يتحرك أحد، انطلقت رصاصة اخت
القاتل الذي عادساد صمت مرعب داخل القاعة السفلية بعد كلمات سليم، حتى إن أصوات الإنذارات الحادة بدت بعيدة للحظات، وكأن عقولهم جميعًا رفضت استيعاب ما سمعته للتو. كانت الصورة على الشاشة واضحة هذه المرة؛ رجل في أواخر الخمسينيات، طويل القامة، ملامحه حادة وباردة بصورة مخيفة، يتحرك وسط المسلحين بثقة شخص لا يقتحم مكانًا مجهولًا، بل يعود إلى منزل يعرف كل زاوية فيه.شعرت تاليا ببرودة تجتاح جسدها بالكامل.حدقت في الشاشة دون أن ترمش.ثم همست:"أنا شفته..."التفتت الأنظار إليها فورًا.قال آدم بسرعة:"فين؟"ابتلعت ريقها بصعوبة."في صورة قديمة... كانت مع ملفات بابا."تقدم كريم خطوة للأمام.وعيناه مثبتتان على الرجل."يعني ده كان يعرف والدنا؟"أجاب سليم دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:"مش بس يعرفه."ثم أردف بصوت قاتم:"كان أقرب واحد ليه."تبادل الجميع النظرات.أما جلال فأغلق عينيه للحظة وكأنه يستعيد ذكرى مؤلمة.قال يوسف ببطء:"اسمه إيه؟"ساد الصمت ثانية.قبل أن يجيب سليم:"نادر."وبمجرد نطق الاسم، تغير وجه جلال بالكامل.أما فؤاد فانخفض رأسه وكأنه تلقى ضربة مباشرة في صدره.لاحظت نهى ذلك."واضح إنكم كلكم ت
الإنسان حين يخاف فقدان شخص، يبدأ لأول مرة في إدراك قيمته، والمشكلة أن هذا الإدراك يأتي متأخرًا أحيانًاحين خرج السؤال من فمها، "إنت كنت بتحب ليلى قد إيه؟"، شعرت تاليا فورًا أنها ارتكبت خطأ، ليس لأنها سألت، بل لأن نبرة صوتها لم تكن محايدة كما أرادت، كان هناك شيء خافت فيها، شيء أقرب للقلق، أو الفضول
في تلك الليلة، وبعد أن صعدت تاليا إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، لم تتجه مباشرة لتبديل ملابسها أو ترتيب حقيبتها كما تفعل دائمًا بعد يوم طويل، بل جلست فوق طرف السرير للحظات، ساكنة تمامًا، بينما عقلها يعيد تفاصيل اليوم بشكل أزعجها، ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، فلم يكن هناك اعتراف، ولا لمسة طويلة،
منذ اللحظة التي وافقت فيها تاليا على مقابلة رامي، بدأت تشعر بذلك التوتر الخفي الذي يسبق الأشياء غير المضمونة، الإحساس نفسه الذي يجعل اليوم يبدو أطول من المعتاد، وكأن الساعات تتحرك ببطء متعمد فقط لتعذبك أكثر.حاولت الانشغال بالعمل.غرقت في الملفات.أجابت على الرسائل.حضرت الاجتماعات.لكن عقلها ظل يع
لم تتحرك تاليا بعد خروج ليلى من المكتب مباشرة، وظلت جالسة أمام الشاشة المفتوحة بينما المؤشرات والأرقام والجداول التي كانت تعمل عليها قبل دقائق فقدت معناها فجأة، لأن عقلها لم يعد هنا أصلًا، بل ظل عالقًا عند جملة واحدة فقط، جملة قيلت بهدوء شديد وكأنها لا تحمل قدرة على إرباك أحد:"أنا كنت خطيبته."الم







