LOGINوصل غسان وغدير إلى جزر المالديف في جناح رئاسي خاص، مطل على المحيط الهندي، بمسبح خاص وشاطئ رملي أبيض لا تطؤه إلا أقدامهما. كان المكان حلماً حقيقياً، لكن الجو بينهما كان أبعد ما يكون عن الرومانسية.
عندما دخلا الجناح، وقفت غدير في منتصف الصالة، وذراعاها متقاطعتان، وعيناها الخضراوان تفحصان المكان. ثم نظرت إلى غرفة النوم الرئيسية، حيث سرير كبير مزدوج، ووسائد حريرية، وستائر بيضاء ترفرف مع نسيم البحر.
"هناك سرير واحد،" قالت ببرود.
"نعم،" قال غسان وهو يخلع سترته. "وهذا طبيعي، لأننا متزوجان."
"متزوجان على الورق فقط،" قالت بسرعة. "أنا سأنام في الغرفة الثانية."
نظر غسان إليها، رفع حاجباً واحداً: "الغرفة الثانية؟"
"نعم، رأيت غرفة صغيرة بجانب المطبخ، سأنام فيها."
"لكنها غرفة الخدم،" قال غسان بدهشة.
"لا يهمني،" قالت وهي تسحب حقيبتها. "أفضل أن أنام في غرفة الخدم على أن أنام بجانبك."
تنهد غسان، وابتسم بتلك الابتسامة المتعجرفة التي لم تعد تظهر كثيراً: "كما تريدين يا سيدة غدير. لكن لا تشتكي إذا سمعتِ صوت الأمواج طوال الليل."
"لن أشتكي."
"ولا تشتكي إذا كان السرير صغيراً."
"لن أشتكي."
"ولا تشتكي إذا..."
"غسان!" قاطعته، ورمت وسادة نحوه، فأمسكها بسرعة وضحك.
"حسناً، حسناً، فهمت. سأنام في غرفتي، وأنتِ في غرفتك. وكأننا في فندق، وليس في شهر عسل."
"بالضبط."
---
في صباح اليوم التالي، استيقظ غسان مبكراً، وقرر أن يعد الفطور بنفسه كبادرة حسن نية. أعدّ بيضاً مقلياً، وخبزاً محمصاً، وعصير برتقال طازج، وقهوة تركية. رتب الطاولة على الشرفة المطلة على البحر، ووضع وردة حمراء في إناء صغير.
جاءت غدير بعد ساعة، ترتدي روباً أبيض، وشعرها مبلل من الاستحمام، وعيناها لا تزالان متورمتين من النوم. نظرت إلى الطاولة، ثم إلى غسان، ثم إلى الطاولة مرة أخرى.
"ما هذا؟" سألت.
"فطور،" قال بابتسامة. "أعددته بنفسي."
"لماذا؟"
"لأنني... أردت أن أفعل شيئاً لطيفاً؟"
"لا أريد شيئاً لطيفاً منك،" قالت وهي تجلس. "نحن في صفقة، تذكر؟"
جلس غسان أمامها، وأخذ لقمة من البيض. لكن غدير نظرت إلى البيض، وقالت: "هذا البيض غير مطبوخ جيداً."
"إنه طري، كما تحبين."
"لكنه بارد."
"لأنك تأخرتِ ساعة."
"هل تقصد أنني أنا السبب؟"
"لم أقل ذلك."
"لكنك قلت."
"لم أقل!"
"قلت!"
"غدير،" قال غسان وهو يضع الملعقة. "هل يمكن أن نتناول الفطور بسلام؟"
"لا،" قالت بصراحة. "لا يمكن. لأنك طبخت بيضاً بارداً ووضعته على طاولة في الهواء الطلق، حيث تطير الحشرات، ثم تتوقع مني أن آكله بسعادة."
"إذاً لا تأكليه."
"لن آكله."
"جيد."
"جيد!"
قامت غدير من الطاولة، ودخلت إلى المطبخ، وأعدت لنفسها كوباً من القهوة السوداء. ثم عادت وجلست على الكرسي المقابل له، تشرب قهوتها ببطء، وتنظر إليه بازدراء.
"هل تعلم شيئاً يا غسان؟" قالت بعد صمت طويل.
"ماذا؟"
"أنت لا تعرف كيف تتعامل مع النساء."
"وأنتِ لا تعرفين كيف تكونين لطيفة."
"لماذا أكون لطيفة معك؟ أنت توظفني كزوجة، لا كحبيبة."
"إذاً أنا أوظفك، وأنتِ موظفة، فلما لا تطيعين أوامري؟"
"لأنني لست موظفة عادية، أنا نائبة الرئيس التنفيذي، تذكر؟"
"لكنكِ الآن في شهر العسل، ولستِ في العمل."
"وهل تعتقد أنني سأنام معك لأننا في شهر عسل؟"
"لم أقل ذلك!"
"قلت!"
"غدير، أنتِ مستحيلة!"
"وأنت متعجرف!"
"قبيحة!"
"قصير!"
ساد الصمت فجأة.
نظر غسان إلى غدير، وكانت عيناها تشتعلان غضباً. أدرك أنه تجاوز الحد. لكنه لم يعتذر، بل قام من الطاولة، وأخذ طبق البيض، ورماه في سلة المهملات، ثم دخل إلى غرفته وأغلق الباب بقوة.
جلست غدير وحدها على الشرفة، تنظر إلى البحر، وتشرب قهوتها الباردة، وفي داخلها شعور غريب: هل أنا أيضاً تجاوزتُ الحد؟
---
بعد ساعتين، قررت غدير أن تسبح في المسبح الخاص. ارتدت ملابس السباحة البوركيني المحتشم، ونزلت إلى الماء، وكانت تسبح بهدوء.
لم تكن تعلم أن غسان كان يراقبها من شرفة غرفته.
ابتسم بمكر، ثم نزل بسرعة إلى المسبح، وخلع قميصه، وبقي بملابس السباحة. اقترب من حافة المسبح، وصاح: "صباح الخير يا زوجتي العزيزة!"
التفتت غدير إليه، وكانت على وشك أن ترد، لكنه قفز في الماء بقوة، وأحدث موجة عارمة غطتها بالكامل. غرقت للحظة، ثم ظهرت وهي تلهث، وشعرها المبلل يغطي وجهها.
"غسان!" صرخت. "أنت مجنون!"
"لماذا؟" قال ببراءة مصطنعة. "ألم تسمعي عن المرح في المسبح؟"
"سأقتلك!"
"حاولي."
اندفعت نحوه، وحاولت أن تغرقه، لكنه كان أقوى منها، فأمسك بذراعيها ودفعها بلطف إلى الخلف. لكنها لم تستسلم، بل رفعت ركبتها وضربته في بطنه (لكن ليس بقوة كافية لإيذائه)، فتظاهر بالألم.
"آه! لقد أصبتيني!"
"جيد! تستحق!"
"لكنني سأموت!"
"لا تبالغ!"
"أنا أموت... أموت..." ثم أغلق عينيه وغطس في الماء.
انتظرت غدير لحظة، ثم خافت: "غسان؟ غسان!"
اقتربت منه، وحاولت رفع رأسه، لكنه فتح عينيه فجأة، وضحك، وسحبها معه إلى الماء.
"أنت... أنت..." كانت تلهث. "أنت طفل!"
"وأنتِ طفلة!"
"أنا لست طفلة!"
"بل أنتِ طفلة عنيدة! تتصرفين وكأنك في السابعة من عمرك!"
"وأنت تتصرف وكأنك في الخامسة!"
ضحك غسان، وسحب نفسه من الماء، وجلس على حافة المسبح، والشمس تتسلل إلى جسده المبلل. نظر إليها، وقال بصوت هادئ: "غدير، هل يمكن أن نتوقف عن هذا؟"
"عن ماذا؟"
"عن الشجار على كل شيء. نحن في أجمل مكان في العالم، ونتصرف كأطفال."
نظرت إليه، وكانت لا تزال واقفة في الماء، والماء يقطر من شعرها. قالت بتردد: "أنت بدأت."
"أنا أعرف،" قال. "وأنا آسف."
تجمدت غدير.
"ماذا قلت؟"
"قلت آسف،" قال وهو ينظر إلى البحر. "آسف لأنني رميت البيض في سلة المهملات. وآسف لأنني قلت إنك قبيحة. أنتِ لستِ قبيحة. أنتِ..." توقف. "أنتِ جميلة."
شعرت غدير بأن قلبها يقفز. لم تتوقع هذا الاعتذار. لم تتوقع أن يخفض غسان المتعجرف رأسه ويعتذر.
خرجت من الماء، وجلست بجانبه على حافة المسبح، والماء يتساقط من جسدها. نظرت إليه، وقالت بصوت خافت: "أنا أيضاً آسفة."
"على ماذا؟"
"على أنني كنتُ قاسية. أنت أعددتَ فطوراً، وأنا انتقدته. كان يجب أن أشكرك."
"لا بأس."
"لا، ليس لا بأس. أنت حاولت، وأنا... أنا..." توقفت، ثم قالت بصدق: "أنا خائفة."
نظر إليها: "من ماذا؟"
"من أن أصدقك. من أن أرتاح لك، ثم أكتشف أن كل هذا كان تمثيلاً. أنت كنت تكرهني في الجامعة، وأنا كنت أكرهك. كيف يمكن أن نكون الآن... هكذا؟"
صمت غسان لحظات، ثم قال: "أنا لا أعرف. لكنني أعرف أنني لستُ ذلك الشخص الذي كان في الجامعة. أو على الأقل، أحاول ألا أكون."
نظرت إليه، وفي عينيها الخضراوين شيء جديد: خجل. نعم، كانت تشعر بالخجل من نفسها، من قسوتها، من شكوكها.
"غسان،" قالت بصوت خافت. "ربما... ربما يمكننا أن نبدأ من جديد. ليس كزوجين، بل كصديقين."
"صديقين؟"
"نعم. صديقان في صفقة. هل هذا ممكن؟"
ابتسم غسان: "أظن ذلك."
مد يده، وصافحها. كانت يده دافئة، ولمسة يده أرسلت قشعريرة في جسدها.
"صفقة جديدة،" قال. "صداقة."
"صداقة،" ردت، وابتسمت.
--
بعد الغداء، قررا أن يتنزها على الشاطئ. كانت الشمس تميل نحو الغروب، والسماء تتزين بألوان البرتقالي والذهبي والوردي. مشيا بجانب بعضهما، حافيي القدمين، والرمال الناعمة تدغدغ أقدامهما، وصوت الأمواج يرافقهما.
كان الصمت بينهما مريحاً، ليس ذلك الصمت المشحون بالتوتر، بل صمت هادئ، وكأن كل واحد منهما غارق في أفكاره.
نظر غسان إلى الأفق، ورأى الشمس تختفي ببطء خلف المحيط. وفجأة، شعر بشيء غريب: لقد تزوجتُ حقاً.
لم يعد الأمر لعبة. لم يعد صفقة على ورق. هو الآن واقف على شاطئ في المالديف، بجانب امرأة اسمها غدير، وهي زوجته. يحق له أن يمسك يدها، وأن ينام بجانبها، وأن يبني معها حياة. لكنه بدلاً من ذلك، كان ينام في غرفة منفصلة، ويتشاجر معها على البيض البارد.
"ما هذا الهراء؟" فكر في نفسه. "أنا غسان آل سيف، رجل أعمال محترم، أتزوج امرأة وأتصرف كطفل في السابعة؟"
نظر إلى غدير، ورأى عينيها الخضراوين تنظران إلى الأفق، وشعرها يتطاير مع النسيم. كانت جميلة. لم يكن يعترف بذلك في الجامعة، لكنها كانت جميلة. ليس الجمال التقليدي، بل جمال العقل، والروح، والقوة.
"غدير،" قال.
التفتت إليه: "نعم؟"
"هل تعتقدين أننا أحمقان؟"
ضحكت: "لماذا؟"
"لأننا نتشاجر على أشياء تافهة، ونحن في أجمل مكان في العالم. نحن متزوجان، وغداً سنعود إلى الحياة الحقيقية، إلى الشركة، إلى الصراع مع رامي. لماذا نضيع هذه الأيام في الشجار؟"
نظرت إليه غدير، وشعرت بنفس الشعور. لقد تزوجت حقاً. لم يعد الأمر لعبة. هي الآن زوجة غسان آل سيف. وعليها أن تتصرف كزوجة، لا كطفلة عنيدة.
"أنت محق،" قالت. "نحن أحمقان."
"إذاً..." توقف، ونظر إلى البحر. "ماذا لو بدأنا من جديد؟ ليس صديقين، بل... زوجين."
"زوجين؟"
"نعم. زوجين يتعلمان كيف يحبان بعضهما. أو على الأقل، كيف يحترمان بعضهما."
نظرت إليه غدير، وفي عينيها دموع لم تسقط. قالت بصوت متشقق: "غسان، أنا لا أعرف كيف أحب. لم أحب أحداً في حياتي. كنت دائماً مشغولة بالعمل، بالعائلة، بالبقاء على قيد الحياة. لا أعرف كيف أكون زوجة."
"وأنا لا أعرف كيف أكون زوجاً،" قال بصدق. "لكن يمكننا أن نتعلم معاً."
مد يده، وأمسك بيدها. لم تقاوم هذه المرة. كانت يدها صغيرة في يده، ودافئة.
"صفقة؟" سأل.
"صفقة،" ردت، وابتسمت.
وسارا على الشاطئ، ويداهما متشابكتان، والشمس تغرب خلفهما، وموجة خفيفة تلامس أقدامهما.
---
في تلك الليلة، عادا إلى الجناح. كانت غدير متعبة، ودخلت إلى غرفتها الصغيرة (غرفة الخدم سابقاً)، لكنها توقفت عند الباب.
نظرت إلى غسان، الذي كان يقف في منتصف الصالة، ينظر إليها.
"غسان،" قالت.
"نعم؟"
"الغرفة الصغيرة... ضيقة جداً. والسرير غير مريح."
"أعرف."
"وأنت... غرفتك كبيرة، والسرير مريح."
"أعرف."
"هل... هل يمكنني أن أنام في غرفتك؟"
نظر إليها غسان، وابتسم: "فقط إذا وعدتِ ألا تشتكي من البرد."
"لن أشتكي."
"ولا من صوت الأمواج."
"لن أشتكي."
"ولا..."
"غسان!"
ضحك، ومد يده: "تعالي."
أمسكت بيده، ودخلت معه إلى الغرفة الكبيرة. كانت الغرفة مضاءة بشموع خفيفة، والستائر ترفرف مع نسيم البحر. نظرت غدير إلى السرير الكبير، وشعرت بالخجل.
"سأنام على الجانب الأيسر،" قالت.
"وأنا على الأيمن."
"لكن لا تحاول أن تقترب."
"لن أقترب."
"ولا تحاول أن تلمسني."
"لن ألمسك."
"ولا..."
"غدير،" قال وهو يجلس على السرير. "أعدكِ أنني سأكون محترماً. أنتِ زوجتي، ولن أفعل شيئاً دون رضاكِ."
نظرت إليه، وشعرت بالراحة. استلقت على الجانب الأيسر، وأدارت ظهرها له. استلقى هو على الجانب الأيمن، وأدار ظهره لها.
ساد الصمت، لكنه لم يكن صمتاً مشحوناً. كان صمتاً هادئاً، وكأن كلاً
منهما كان يبتسم في الظلام.
"غسان،" همست بعد دقائق.
"نعم؟"
"شكراً."
"على ماذا؟"
"على أنك اعتذرت. لم يتوقع أحد أن يعتذر غسان آل سيف."
ضحك بصوت خافت: "حتى أنا لم أتوقع."
"تصبح على خير، غسان."
"تصبحين على خير، غدير."
وأغمض كل منهما عينيه، وفي قلبهما شعور جديد: ربما... ربما يمكن أن ينجح هذا الزواج بعد كل شيء.
بعد اعتقال ليلى، عاد غسان وغدير إلى القصر في منتصف الليل. لم ينما. جلسا في غرفة المعيشة، أمامهما أكواب الشاي تبرد دون أن يلمساها. كان الصمت ثقيلاً، مشحوناً بالخوف والترقب."غسان،" قالت غدير أخيراً، "يجب أن نحمي أنفسنا. رامي ليس شخصاً عادياً. هو يعرف كل شيء عن الشركة، عن نظام الأمن، عن..." توقفت، ووضعت يدها على بطنها."عن ماذا؟""عن نقاط ضعفك. وأنا الآن نقطة ضعفك الأكبر."نظر غسان إليها، وفي عينيه ألم: "لا تقولي ذلك. أنتِ لستِ نقطة ضعف. أنتِ قوتي.""لكن رامي سيعرف كيف يستغل حملي. سيحاول أن يخيفني، أن يؤذيني، حتى تفقد التركيز، أو...""لن يلمسكِ. أقسم بكل ما أملك، لن يلمسكِ.""غسان، أنا لا أخاف على نفسي. أخاف على الطفل. أخاف عليك. رامي يريد تدميرك، وأنا لن أكون السبب في..."قاطعها غسان، ووضع إصبعه على شفتيها برفق: "اسمعيني. أنتِ لم تكوني يوماً سبباً في أي شيء سيء. رامي هو من اختار طريق الكراهية. وأنا اخترتُ طريق الحماية. وأنا لن أتراجع."في تلك اللحظة، رن هاتف غسان. كان الرقم مجهولاً.نظر إلى غدير، ثم رد."مرحباً يا أخي،" جاء صوت رامي من الطرف الآخر، بارداً كالثلج. "اشتقتُ إليك.""رامي.
مرّ شهر على حفل التنصيب، وعادت الحياة إلى طبيعتها في قصر غسان وغدير. أصبحت غدير نائبة الرئيس التنفيذي الفعلية، وكانت تدير اجتماعات الشركة بنفسها، بينما كان غسان يتولى الجانب الخارجي: العلاقات، الصفقات الكبرى، والمستثمرين.في صباح يوم الخميس، كانت غدير في مكتبها تراجع التقارير المالية، عندما شعرت بدوار مفاجئ. أمسكت بحافة المكتب، وانتظرت حتى مرّت اللحظة. ثم نهضت، وذهبت إلى دورة المياه، وعادت بعد دقائق وهي شاحبة."سيدة غدير، هل أنتِ بخير؟" سألت السكرتيرة بقلق."نعم، فقط... لم أنم جيداً."لكنها في داخلها عرفت. كانت قد لاحظت تأخر الدورة، والتعب المستمر، والغثيان في الصباح. أخذت هاتفها، واتصلت بطبيبها الخاص، وحجزت موعداً بعد الظهر.في عيادة الطبيبة، جلست غدير تنتظر النتيجة. كانت يداها ترتجفان. بعد عشر دقائق، دخلت الطبيبة، وكانت تبتسم."مبروك يا سيدة غدير. أنتِ حامل. في الأسبوع السادس."تجمدت غدير. "حامل؟""نعم. الحمل سليم، والحمد لله. لكن يجب أن ترتاحي، وتتجنبي التوتر.""حامل..." همست غدير، ووضعت يدها على بطنها. "أنا... سأصبح أماً."شعرت بمزيج من الفرح والخوف. فرح لأنها ستحمل طفلاً، وخوف ل
خرج عادل آل سيف من المستشفى بعد أسبوعين، وكان وجهه ما زال شاحباً، لكن عينيه استعادتا بعضاً من بريقهما القديم. في السيارة التي أقلته إلى قصره، كان غسان بجانبه، بينما كانت غدير تجلس في المقعد الخلفي مع والدته سهام."أبي،" قال غسان بصوت هادئ، "هناك شيء يجب أن أخبرك به."نظر عادل إليه: "ماذا يا بني؟""رامي... رامي سافر. ترك الشركة والبلد. قال إنه يحتاج إلى وقت ليعيد ترتيب أفكاره."صمت عادل لحظات، ثم تنهد بعمق: "كنت أخاف من هذا اليوم. رامي دائماً كان... مختلفاً. لم يكن يشبهني، ولا يشبه أخيه. كان دائماً يبحث عن شيء لا يعرفه.""أنا آسف يا أبي.""لا تأسف يا بني. كل ابن يختار طريقه. وأنا لن أجبر أحداً على طريق لا يريده."نظر عادل من النافذة، ثم التفت إلى غسان: "وأنت؟ هل أنت مستعد للمنصب؟""سأبذل قصارى جهدي.""لا،" قاطعه عادل بحزم. "لا تكتفِ بالجهد. أثبت أنك تستحق. الشركة ليست مجرد أموال، إنها اسم العائلة، وشرفها، وتعب سنواتي.""أفهم يا أبي.""وغدير،" قال عادل، والتفت إلى المقعد الخلفي. "أنا لم أنسَ ما فعلتِه من أجل الشركة. أنتِ لست فقط زوجة ابني، بل شريكة حقيقية. وأنا أعتبرك من العائلة."شعرت
مرّ أسبوع على الحادثة، وعادل آل سيف لا يزال في المستشفى تحت المراقبة. الأطباء قالوا إن قلبه ضعيف، وإن أي صدمة أخرى قد تكون قاتلة. رامي اختفى من الشركة، لكنه لم يختفِ من الحياة. كان يخطط في الظلام.في صباح يوم الاثنين، دخلت غدير إلى مكتب غسان وهي تحمل ملفاً سميكاً، وعيناها تلمعان بقلق."غسان، يجب أن ترى هذا."وضعت الملف على مكتبه، وفتحته. كانت بداخله عقود بيع أسرار الشركة إلى شركة منافسة، موقعة من رامي، ومؤرخة قبل أسبوعين."إنه يبيع أسرار الشركة،" قالت بصوت مرتجف. "كل خططنا، كل استراتيجياتنا، كل شيء. الشركة المنافسة ستعرف كل تحركاتنا قبل أن نفعلها."قرأ غسان الأوراق، ووجهه يتحول من الدهشة إلى الغضب إلى الحزن. "رامي... أخي... كيف وصل إلى هذا؟""الطمع يا غسان. الطمع والكراهية.""يجب أن نوقف هذا فوراً. سنرفع قضية.""لا،" قالت غدير بحزم. "إذا رفعنا قضية، سيعرف والدك. وسينهار.""إذاً ماذا نفعل؟""نواجه رامي وحدنا. نعطيه فرصة للتراجع، وإلا...""وإلا ماذا؟""إلا نستخدم هذه الأوراق ضده، ونطالبه بالتنازل عن حقه في المنصب، ومغادرة الشركة، والابتعاد عن العائلة."نظر غسان إليها، وفي عينيه إعجاب: "
عاد غسان وغدير إلى المدينة بعد أسبوع في المالديف، وكانت السماء رمادية كأنها تتنبأ بما سيحدث. في المطار، كانت سيارة رولز رويس تنتظرهما، والسائق يفتح الباب بصمت.جلسا في المقعد الخلفي، وبينهما مسافة صغيرة، لكنها لم تكن تلك المسافة الباردة التي كانت قبل شهر العسل. كانت هناك ابتسامات خفية، ونظرات سريعة، وصمت مريح."غداً الاجتماع الأول مع الإدارة،" قال غسان وهو ينظر من النافذة. "سأعلن تعيينك رسمياً نائبة للرئيس التنفيذي.""هل أنت متأكد؟" سألت غدير. "رامي سيعترض.""ليعترض ما شاء. أنا أملك صلاحية التعيين، وأنتِ الأجدر."نظرت إليه، وشعرت بشيء لم تختبره من قبل: الامتنان. ليس لأنه يعطيها منصباً، بل لأنه يثق بها."شكراً يا غسان.""لا تشكريني،" قال بابتسامة خفيفة. "أنتِ تستحقين."---في صباح اليوم التالي، اجتمع مجلس الإدارة في قاعة الاجتماعات الكبرى. كان والده عادل آل سيف حاضراً على كرسي متحرك، شاحباً لكن عينيه لا تزالان حادتين. جلس رامي في الجهة المقابلة، بعضلاته المفتولة ووجهه الصارم، بجانبه ثلاثة من المديرين الموالين له.دخل غسان وغدير معاً. كانت غدير ترتدي بدلة عمل أنيقة من ديور، مجوهراتها ها
وصل غسان وغدير إلى جزر المالديف في جناح رئاسي خاص، مطل على المحيط الهندي، بمسبح خاص وشاطئ رملي أبيض لا تطؤه إلا أقدامهما. كان المكان حلماً حقيقياً، لكن الجو بينهما كان أبعد ما يكون عن الرومانسية.عندما دخلا الجناح، وقفت غدير في منتصف الصالة، وذراعاها متقاطعتان، وعيناها الخضراوان تفحصان المكان. ثم نظرت إلى غرفة النوم الرئيسية، حيث سرير كبير مزدوج، ووسائد حريرية، وستائر بيضاء ترفرف مع نسيم البحر."هناك سرير واحد،" قالت ببرود."نعم،" قال غسان وهو يخلع سترته. "وهذا طبيعي، لأننا متزوجان.""متزوجان على الورق فقط،" قالت بسرعة. "أنا سأنام في الغرفة الثانية."نظر غسان إليها، رفع حاجباً واحداً: "الغرفة الثانية؟""نعم، رأيت غرفة صغيرة بجانب المطبخ، سأنام فيها.""لكنها غرفة الخدم،" قال غسان بدهشة."لا يهمني،" قالت وهي تسحب حقيبتها. "أفضل أن أنام في غرفة الخدم على أن أنام بجانبك."تنهد غسان، وابتسم بتلك الابتسامة المتعجرفة التي لم تعد تظهر كثيراً: "كما تريدين يا سيدة غدير. لكن لا تشتكي إذا سمعتِ صوت الأمواج طوال الليل.""لن أشتكي.""ولا تشتكي إذا كان السرير صغيراً.""لن أشتكي.""ولا تشتكي إذا..."







