INICIAR SESIÓNعاد غسان وغدير إلى المدينة بعد أسبوع في المالديف، وكانت السماء رمادية كأنها تتنبأ بما سيحدث. في المطار، كانت سيارة رولز رويس تنتظرهما، والسائق يفتح الباب بصمت.
جلسا في المقعد الخلفي، وبينهما مسافة صغيرة، لكنها لم تكن تلك المسافة الباردة التي كانت قبل شهر العسل. كانت هناك ابتسامات خفية، ونظرات سريعة، وصمت مريح.
"غداً الاجتماع الأول مع الإدارة،" قال غسان وهو ينظر من النافذة. "سأعلن تعيينك رسمياً نائبة للرئيس التنفيذي."
"هل أنت متأكد؟" سألت غدير. "رامي سيعترض."
"ليعترض ما شاء. أنا أملك صلاحية التعيين، وأنتِ الأجدر."
نظرت إليه، وشعرت بشيء لم تختبره من قبل: الامتنان. ليس لأنه يعطيها منصباً، بل لأنه يثق بها.
"شكراً يا غسان."
"لا تشكريني،" قال بابتسامة خفيفة. "أنتِ تستحقين."
---
في صباح اليوم التالي، اجتمع مجلس الإدارة في قاعة الاجتماعات الكبرى. كان والده عادل آل سيف حاضراً على كرسي متحرك، شاحباً لكن عينيه لا تزالان حادتين. جلس رامي في الجهة المقابلة، بعضلاته المفتولة ووجهه الصارم، بجانبه ثلاثة من المديرين الموالين له.
دخل غسان وغدير معاً. كانت غدير ترتدي بدلة عمل أنيقة من ديور، مجوهراتها هادئة لكنها فاخرة، وعيناها الخضراوان تلمعان بثقة.
جلس غسان في مقدمة الطاولة، وأشار لغدير أن تجلس بجانبه. نظر رامي إليهما بازدراء.
"ما هذا يا غسان؟" قال رامي بصوته العميق. "أحضرت زوجتك إلى اجتماع مجلس الإدارة؟"
"نعم،" قال غسان بهدوء. "لأنني سأعينها نائبة للرئيس التنفيذي."
ساد الصمت. ثم انفجر رامي: "ماذا؟! تعين زوجتك في منصب حساس؟ هذا تعدٍ صارخ على مبادئ الشركة! والدي، هل تسمع هذا؟"
عادل، الأب، رفع يده ببطء: "اسمع أولاً يا رامي. ثم احكم."
قام غسان، وبدأ يعرض خطة غدير الجديدة لتطوير السوق الخليجية. كانت غدير قد أعدت العرض بنفسها، بالأرقام والتحليلات والاستراتيجيات. تحدثت بثقة، وأجابت على أسئلة المديرين بوضوح، حتى أن مدير المالية، الذي كان موالياً لرامي، أومأ برأسه بإعجاب.
عندما انتهت، ساد الصمت. ثم قال عادل بصوت متعب لكن حازم: "أنا أوافق على تعيين السيدة غدير."
انتفض رامي: "لكن يا أبي..."
"قلتُ ما قلته،" قاطعه عادل. "وأريد أن أذكركما بشيء: بعد ثلاثة أشهر، سأقيّم أداءكما. من يثبت جدارته، سيأخذ المنصب. أما أنت يا رامي،" نظر إلى ابنه الأكبر بحدة، "فبدلاً من الاعتراض على تعيينات أخيك، اهتم بأدائك أنت."
خرج رامي من القاعة وهو يغلي. لكن قبل أن يخرج، مر بجانب غدير، وهمس لها بصوت خافت: "أنتِ تلعبين مع النار يا غدير. وأنا لا أحب من يلعب معي."
تجمدت غدير، لكنها لم ترد. نظرت إلى غسان، الذي كان يتحدث مع المديرين، ولم يلاحظ ما حدث.
---
بعد أسبوعين من العمل، أصبحت غدير نائبة الرئيس التنفيذي رسمياً. كان مكتبها بجوار مكتب غسان، مع سكرتيرة خاصة، وصلاحيات واسعة.
لكنها بدأت تلاحظ أشياء غريبة.
في إحدى الليالي، كانت تراجع التقارير المالية المتأخرة، فوجدت تحويلات مالية مشبوهة من حساب الشركة إلى حساب في الخارج. المبلغ: 5 ملايين دولار. التوقيع: رامي آل سيف. التاريخ: قبل ثلاثة أيام.
"5 ملايين دولار... إلى حساب في جزر الكايمن... دون موافقة الرئيس التنفيذي؟"
قلبت الصفحات، ووجدت أن رامي كان يحوّل مبالغ مماثلة كل شهر منذ ستة أشهر، أي منذ أن بدأ والده يعاني من مشاكل في القلب. لكن الأخطر من ذلك، أنها وجدت فواتير مزورة باسم الشركة، مقابل خدمات لم تُقدَّم قط.
"إنه يسرق الشركة... ويزوّر الفواتير،" همست لنفسها. "إنه يسرق من والده."
أمسكت الهاتف، كادت تتصل بغسان، لكنها توقفت. "لا، ليس بعد. أحتاج أدلة أكثر."
في اليوم التالي، دخلت إلى مكتب غسان، وأغلقت الباب خلفها. كان غسان يراجع بعض الأوراق، فنظر إليها بدهشة: "ما الأمر؟"
"غسان، هناك شيء يجب أن تعرفه."
جلست أمامه، ووضعت الملف على مكتبه.
"رامي يحوّل أموال الشركة إلى حساباته الخاصة منذ ستة أشهر. 5 ملايين دولار شهرياً. وهناك فواتير مزورة."
فتح غسان الملف، وقلب الصفحات، ووجهه يتغير من الدهشة إلى الغضب إلى الصدمة.
"هذا... هذا مستحيل. رامي قد يكون طموحاً، لكنه ليس سارقاً."
"الأرقام لا تكذب يا غسان. وهناك المزيد."
"ماذا؟"
"أحد المصادر أخبرني أن رامي يتفاوض مع شركة منافسة لبيع أسرار الشركة."
نظر غسان إليها، وعيناه تتسعان: "من أخبركِ؟"
"لا يهم. المهم أنك بحاجة إلى التحرك قبل أن يدمّر الشركة."
صمت غسان لحظات، ثم قال بصوت خافت: "أبي... إذا عرف، سينهار."
"أعرف. لهذا يجب أن نتعامل مع الأمر بحكمة. نجمع الأدلة، ثم نواجه رامي وحدنا، دون أن يعرف والدك."
نظر إليها غسان، وشعر بشيء جديد: الامتنان العميق. لم تكن مجرد موظفة، ولم تكن مجرد زوجة صفقة. كانت شريكة حقيقية.
"غدير،" قال بصوت متشقق. "شكراً."
"لا تشكرني. أنا شريكتك، تذكر؟"
ابتسم، ومد يده، وأمسك بيدها: "شريكتي."
في تلك اللحظة، فُتح الباب فجأة. كان وسيم، المستشار القانوني.
"غسان، هناك..." توقف عندما رأى يديهما متشابكتين.
سحبت غدير يدها بسرعة، واحمرّ وجهها.
"ماذا هناك يا وسيم؟" سأل غسان، محاولاً استعادة رباطة جأشه.
"رامي... رامي يطلب اجتماعاً طارئاً لمجلس الإدارة غداً. يقول إن لديه معلومات خطيرة عن نائبة الرئيس التنفيذي."
تجمدت غدير.
نظر غسان إليها، ثم إلى وسيم: "ماذا يقول بالضبط؟"
"يقول إن السيدة غدير... متورطة في قضية تزوير كبيرة، وأنها تخفي شيئاً عن الشركة."
---
في تلك الليلة، كانا في قصرهما. غدير جالسة في غرفة المعيشة، تحتضن وسادة، وعيناها زائغتان. غسان كان يمشي ذهاباً وإياباً.
"ما الذي يتحدث عنه؟" سأل غسان. "ما هذا الاتهام بالتزوير؟"
"لا أعرف،" قالت غدير بصوت مرتجف. "أنا لم أزوّر شيئاً في حياتي. أنا فتاة عادية من عائلة فقيرة، درست، عملت، تعبت. لا شيء مخفي."
"لكن رامي لا يهدد بدون دليل. هو ماكر."
"غسان، أنا خائفة. ربما يحاول أن يلصق بي تهمة، أو يستغل شيئاً من ماضي."
"مثل ماذا؟"
صمتت لحظات، ثم قالت: "قبل خمس سنوات، عندما كنت في الجامعة، كنت أعمل في مطعم في الليل لأدفع رسومي. في أحد الأيام، جاء رجل ثري إلى المطعم، وحاول أن يضايقني. أنا دفعته، وصرخت، فتم طردي من العمل. الرجل كان صديقاً لرامي. ربما يحاول رامي أن يشوه سمعتي بهذه القصة، لكن هذا لن يكون تزويراً."
نظر غسان إليها، وعيناه تتسعان. "هل هذا ما يتحدث عنه رامي؟"
"لا أعرف. لكن هذا هو أسوأ شيء في ماضي."
صمت غسان لحظات، ثم قال: "غدير، هذا ليس عاراً. أنتِ ضحية، وليست مذنبة. ومن يحاول استغلاله سيواجهني."
"لكن الناس قد يشككون فيّ."
"لن يجرؤ أحد. أنا معك."
اقترب منها، ورفع يده لتمسح دمعة سقطت على خدها. لمسة يده كانت دافئة، وأرسلت قشعريرة في جسدها. نظرت إليه، ولأول مرة، لم تشعر بالخوف.
"غسان،" همست.
"نعم؟"
"لماذا تفعل هذا؟ لماذا تدافع عني إلى هذا الحد؟"
نظر إليها، وفي عينيه شيء لم يعترف به بعد. قال بصوت خافت: "لأنكِ... لأنكِ أكثر من مجرد صفقة."
تجمدت غدير. لم تتوقع هذه الكلمات. نظرت إليه، وقلبها يدق كالمجنون.
"غسان، هل تقصد..."
"لا أعرف ماذا أقصد،" اعترف بصدق. "لكنني أعرف أنني لا أريد أن أرى دموعك. لا أريد أن أرى خوفك. أريدكِ أن تكوني قوية، كما كنتِ دائماً. غدير التي تنعتني بالقصير، وتكسر كبريائي، وتطلب كل شيء."
ضحكت غدير وسط دموعها: "إذاً أنت تحبني عندما أكون مزعجة؟"
"أحبك عندما تكونين نفسك،" قال، ثم تجمد. "أنا... لم أقصد أن أقول..."
"قلت."
"لم أقل!"
"قلت!"
"غدير..."
"غسان..."
اقتربت منه، حتى أصبح وجهها قريباً من وجهه. نظرت إلى عينيه، وقالت بصوت خافت: "أنا أيضاً... لا أعرف ماذا أشعر. لكنني أعرف أنني لم أعد أكرهك."
ابتسم غسان: "هذا بداية."
"بداية ماذا؟"
"بداية شيء جديد."
أمسك بيدها، ورفعها إلى شفتيه، وقبّلها برفق. كانت قبلة خفيفة كالريشة، لكنها حملت معنى لم يستطع أي منهما التعبير عنه.
---
في صباح اليوم التالي، كان الاجتماع الطارئ. جلس جميع أعضاء مجلس الإدارة حول الطاولة، وعادل آل سيف في المقدمة على كرسيه المتحرك.
دخل رامي، وابتسامة النصر على وجهه. كان يحمل ملفاً كبيراً، ووضعه على الطاولة أمام والده.
"أبي، أعضاء المجلس،" بدأ رامي بصوته العميق. "اليوم سأكشف لكم حقيقة السيدة غدير، التي عيّنها أخي نائبة للرئيس التنفيذي دون استشارة أحد."
فتح الملف، وأخرج أوراقاً. كانت فواتير مزورة تحمل توقيعاً يشبه توقيع غدير، وعقوداً وهمية مقابل خدمات لم تُقدَّم، وتحويلات مالية إلى حساب باسمها.
"هذه السيدة،" قال رامي بإبتسامة ساخرة، "زوّرت فواتير بقيمة 20 مليون دولار، وحوّلتها إلى حسابها الخاص. هل هذه هي المرأة التي تريدونها نائبة للرئيس التنفيذي؟ امرأة سارقة ومزوّرة؟"
ساد الصمت. نظر الجميع إلى غدير، التي كان وجهها شاحباً كالقمر، لكن عينيها كانتا ثابتتين على رامي.
قام غسان بسرعة، ووجهه أحمر من الغضب: "كاذب! أنت تكذب! هذه الأوراق مزورة، وأنت من زوّرها!"
"أنا لا أكذب،" قال رامي وهو يرفع ورقة. "هذه تواقيعها، وهذه حساباتها. اسألوا أي خبير."
"هذا مستحيل!" صاحت غدير، ووقفت. "أنا لم أوقّع على أي من هذه الأوراق! لم أرها في حياتي! هذا تزوير، وأنا مستعدة لأقسم على ذلك!"
"أقسامك لا تعني شيئاً،" ضحك رامي. "الأدلة واضحة."
في تلك اللحظة، رفع عادل آل سيف يده ببطء. ساد الصمت.
"رامي،" قال بصوت متعب لكن حازم. "هذه الأوراق... أين حصلت عليها؟"
"من الأرشيف المالي، يا أبي. وجدتها بالصدفة."
"بالصدفة؟" قال عادل، وعيناه تضيقان. "إذاً لماذا لم تأتِ بها إليّ مباشرة، بدلاً من إحضارها إلى مجلس الإدارة كاملة؟"
تردد رامي: "لأنني... لأنني أردت أن يعرف الجميع الحقيقة."
"أم لأنك أردت إحراج أخيك أمام الجميع؟"
ساد الصمت.
نظر عادل إلى غدير، وقال: "ابنتي، هل أنتِ مستعدة لمواجهة تحقيق مستقل في هذه الأوراق؟"
"نعم،" قالت غدير بصوت ثابت. "أنا مستعدة. ولديّ ما يثبت براءتي."
نظر الجميع إليها بدهشة.
"ماذا لديكِ؟" سأل عادل.
أخرجت غدير هاتفها، وقالت: "لديّ نسخة من جميع الفواتير الحقيقية، موقعة مني ومن مدير المالية، مع أرقام تسلسلية. ولديّ سجل كاميرات المراقبة في الأرشيف المالي، الذي يثبت أن رامي دخل إلى الأرشيف ليلاً قبل ثلاثة أيام، وأخذ ملفات، ووضع أخرى."
ساد الصمت. نظر الجميع إلى رامي، الذي كان وجهه قد شحب.
"هذا... هذا كذب!" صرخ رامي. "هي تخدعكم!"
"إذاً لنشاهد التسجيل،" قالت غدير بهدوء، ووصلت هاتفها بشاشة القاعة.
ظهر التسجيل: رامي يدخل الأرشيف ليلاً، يفتح الخزانة، يأخذ ملفاً، ويضع ملفاً آخر. ثم يخرج مسرعاً.
ساد الصمت.
نظر عادل إلى ابنه الأكبر، وقال بصوت مكسور: "رامي... هل هذا صحيح؟"
لم يرد رامي. كان وجهه أحمر، ويداه ترتجفان.
"أجبني!" صرخ عادل، ثم أمسك صدره، وشعر بألم حاد.
"أبي!" صرخ غسان، واندفع نحوه.
"اتصلوا بالإسعاف!" صرخت غدير.
---
بعد أن نُقل عادل إلى المستشفى، واستقرت حالته، عاد غسان وغدير إلى مكتبه. أغلقت غدير الباب، وانهارت على الكرسي، ووضعت وجهها بين يديها.
جلس غسان بجانبها، ووضع يده على ظهرها.
"غدير، لا تبكي. أنتِ قوية."
"أنا لستُ قوية،" قالت بصوت متهدج. "أنا خائفة. رامي لن يتوقف. سيحاول مرة أخرى، ومرة أخرى، حتى يحطمنا."
"لن ينجح."
"كيف تعرف؟"
"لأننا معاً."
نظرت إليه، ورفعت رأسها. كانت عيناها حمراء، لكنها كانت جميلة، حتى في حزنها.
"غسان،" قالت. "هل تقصد ما قلته أمس؟"
"ماذا قلت؟"
"أنني أكثر من مجرد صفقة."
صمت غسان، ثم قال: "نعم، أقصد."
"إذاً..." ترددت، ثم قالت: "أنا أيضاً. لم أعد أراك مجرد صفقة."
اقترب منها، ورفع يده، ومسح دمعة عن خدها. كانت بشرتها ناعمة، وعيناها الخضراوان تنظران إليه بثقة جديدة.
"غدير،" همس.
"غسان،" همست.
اقترب أكثر، حتى لامست شفتيه شفتيها. كانت قبلة حقيقية هذه المرة، ليست خفيفة
كالريشة، بل عميقة، دافئة، تحمل كل ما لم يستطيعا قوله.
عندما ابتعدا، كانت غدير تبتسم.
"هذا... هذا كان أفضل من الشجار على البيض."
ضحك غسان: "أوافقك."
"لكننا ما زلنا في صراع مع رامي."
"أعرف. لكننا سنواجهه معاً."
"معاً،" قالت، ومدت يدها.
أمسك بيدها، وقال: "صفقة؟"
"صفقة."
-
بعد اعتقال ليلى، عاد غسان وغدير إلى القصر في منتصف الليل. لم ينما. جلسا في غرفة المعيشة، أمامهما أكواب الشاي تبرد دون أن يلمساها. كان الصمت ثقيلاً، مشحوناً بالخوف والترقب."غسان،" قالت غدير أخيراً، "يجب أن نحمي أنفسنا. رامي ليس شخصاً عادياً. هو يعرف كل شيء عن الشركة، عن نظام الأمن، عن..." توقفت، ووضعت يدها على بطنها."عن ماذا؟""عن نقاط ضعفك. وأنا الآن نقطة ضعفك الأكبر."نظر غسان إليها، وفي عينيه ألم: "لا تقولي ذلك. أنتِ لستِ نقطة ضعف. أنتِ قوتي.""لكن رامي سيعرف كيف يستغل حملي. سيحاول أن يخيفني، أن يؤذيني، حتى تفقد التركيز، أو...""لن يلمسكِ. أقسم بكل ما أملك، لن يلمسكِ.""غسان، أنا لا أخاف على نفسي. أخاف على الطفل. أخاف عليك. رامي يريد تدميرك، وأنا لن أكون السبب في..."قاطعها غسان، ووضع إصبعه على شفتيها برفق: "اسمعيني. أنتِ لم تكوني يوماً سبباً في أي شيء سيء. رامي هو من اختار طريق الكراهية. وأنا اخترتُ طريق الحماية. وأنا لن أتراجع."في تلك اللحظة، رن هاتف غسان. كان الرقم مجهولاً.نظر إلى غدير، ثم رد."مرحباً يا أخي،" جاء صوت رامي من الطرف الآخر، بارداً كالثلج. "اشتقتُ إليك.""رامي.
مرّ شهر على حفل التنصيب، وعادت الحياة إلى طبيعتها في قصر غسان وغدير. أصبحت غدير نائبة الرئيس التنفيذي الفعلية، وكانت تدير اجتماعات الشركة بنفسها، بينما كان غسان يتولى الجانب الخارجي: العلاقات، الصفقات الكبرى، والمستثمرين.في صباح يوم الخميس، كانت غدير في مكتبها تراجع التقارير المالية، عندما شعرت بدوار مفاجئ. أمسكت بحافة المكتب، وانتظرت حتى مرّت اللحظة. ثم نهضت، وذهبت إلى دورة المياه، وعادت بعد دقائق وهي شاحبة."سيدة غدير، هل أنتِ بخير؟" سألت السكرتيرة بقلق."نعم، فقط... لم أنم جيداً."لكنها في داخلها عرفت. كانت قد لاحظت تأخر الدورة، والتعب المستمر، والغثيان في الصباح. أخذت هاتفها، واتصلت بطبيبها الخاص، وحجزت موعداً بعد الظهر.في عيادة الطبيبة، جلست غدير تنتظر النتيجة. كانت يداها ترتجفان. بعد عشر دقائق، دخلت الطبيبة، وكانت تبتسم."مبروك يا سيدة غدير. أنتِ حامل. في الأسبوع السادس."تجمدت غدير. "حامل؟""نعم. الحمل سليم، والحمد لله. لكن يجب أن ترتاحي، وتتجنبي التوتر.""حامل..." همست غدير، ووضعت يدها على بطنها. "أنا... سأصبح أماً."شعرت بمزيج من الفرح والخوف. فرح لأنها ستحمل طفلاً، وخوف ل
خرج عادل آل سيف من المستشفى بعد أسبوعين، وكان وجهه ما زال شاحباً، لكن عينيه استعادتا بعضاً من بريقهما القديم. في السيارة التي أقلته إلى قصره، كان غسان بجانبه، بينما كانت غدير تجلس في المقعد الخلفي مع والدته سهام."أبي،" قال غسان بصوت هادئ، "هناك شيء يجب أن أخبرك به."نظر عادل إليه: "ماذا يا بني؟""رامي... رامي سافر. ترك الشركة والبلد. قال إنه يحتاج إلى وقت ليعيد ترتيب أفكاره."صمت عادل لحظات، ثم تنهد بعمق: "كنت أخاف من هذا اليوم. رامي دائماً كان... مختلفاً. لم يكن يشبهني، ولا يشبه أخيه. كان دائماً يبحث عن شيء لا يعرفه.""أنا آسف يا أبي.""لا تأسف يا بني. كل ابن يختار طريقه. وأنا لن أجبر أحداً على طريق لا يريده."نظر عادل من النافذة، ثم التفت إلى غسان: "وأنت؟ هل أنت مستعد للمنصب؟""سأبذل قصارى جهدي.""لا،" قاطعه عادل بحزم. "لا تكتفِ بالجهد. أثبت أنك تستحق. الشركة ليست مجرد أموال، إنها اسم العائلة، وشرفها، وتعب سنواتي.""أفهم يا أبي.""وغدير،" قال عادل، والتفت إلى المقعد الخلفي. "أنا لم أنسَ ما فعلتِه من أجل الشركة. أنتِ لست فقط زوجة ابني، بل شريكة حقيقية. وأنا أعتبرك من العائلة."شعرت
مرّ أسبوع على الحادثة، وعادل آل سيف لا يزال في المستشفى تحت المراقبة. الأطباء قالوا إن قلبه ضعيف، وإن أي صدمة أخرى قد تكون قاتلة. رامي اختفى من الشركة، لكنه لم يختفِ من الحياة. كان يخطط في الظلام.في صباح يوم الاثنين، دخلت غدير إلى مكتب غسان وهي تحمل ملفاً سميكاً، وعيناها تلمعان بقلق."غسان، يجب أن ترى هذا."وضعت الملف على مكتبه، وفتحته. كانت بداخله عقود بيع أسرار الشركة إلى شركة منافسة، موقعة من رامي، ومؤرخة قبل أسبوعين."إنه يبيع أسرار الشركة،" قالت بصوت مرتجف. "كل خططنا، كل استراتيجياتنا، كل شيء. الشركة المنافسة ستعرف كل تحركاتنا قبل أن نفعلها."قرأ غسان الأوراق، ووجهه يتحول من الدهشة إلى الغضب إلى الحزن. "رامي... أخي... كيف وصل إلى هذا؟""الطمع يا غسان. الطمع والكراهية.""يجب أن نوقف هذا فوراً. سنرفع قضية.""لا،" قالت غدير بحزم. "إذا رفعنا قضية، سيعرف والدك. وسينهار.""إذاً ماذا نفعل؟""نواجه رامي وحدنا. نعطيه فرصة للتراجع، وإلا...""وإلا ماذا؟""إلا نستخدم هذه الأوراق ضده، ونطالبه بالتنازل عن حقه في المنصب، ومغادرة الشركة، والابتعاد عن العائلة."نظر غسان إليها، وفي عينيه إعجاب: "
عاد غسان وغدير إلى المدينة بعد أسبوع في المالديف، وكانت السماء رمادية كأنها تتنبأ بما سيحدث. في المطار، كانت سيارة رولز رويس تنتظرهما، والسائق يفتح الباب بصمت.جلسا في المقعد الخلفي، وبينهما مسافة صغيرة، لكنها لم تكن تلك المسافة الباردة التي كانت قبل شهر العسل. كانت هناك ابتسامات خفية، ونظرات سريعة، وصمت مريح."غداً الاجتماع الأول مع الإدارة،" قال غسان وهو ينظر من النافذة. "سأعلن تعيينك رسمياً نائبة للرئيس التنفيذي.""هل أنت متأكد؟" سألت غدير. "رامي سيعترض.""ليعترض ما شاء. أنا أملك صلاحية التعيين، وأنتِ الأجدر."نظرت إليه، وشعرت بشيء لم تختبره من قبل: الامتنان. ليس لأنه يعطيها منصباً، بل لأنه يثق بها."شكراً يا غسان.""لا تشكريني،" قال بابتسامة خفيفة. "أنتِ تستحقين."---في صباح اليوم التالي، اجتمع مجلس الإدارة في قاعة الاجتماعات الكبرى. كان والده عادل آل سيف حاضراً على كرسي متحرك، شاحباً لكن عينيه لا تزالان حادتين. جلس رامي في الجهة المقابلة، بعضلاته المفتولة ووجهه الصارم، بجانبه ثلاثة من المديرين الموالين له.دخل غسان وغدير معاً. كانت غدير ترتدي بدلة عمل أنيقة من ديور، مجوهراتها ها
وصل غسان وغدير إلى جزر المالديف في جناح رئاسي خاص، مطل على المحيط الهندي، بمسبح خاص وشاطئ رملي أبيض لا تطؤه إلا أقدامهما. كان المكان حلماً حقيقياً، لكن الجو بينهما كان أبعد ما يكون عن الرومانسية.عندما دخلا الجناح، وقفت غدير في منتصف الصالة، وذراعاها متقاطعتان، وعيناها الخضراوان تفحصان المكان. ثم نظرت إلى غرفة النوم الرئيسية، حيث سرير كبير مزدوج، ووسائد حريرية، وستائر بيضاء ترفرف مع نسيم البحر."هناك سرير واحد،" قالت ببرود."نعم،" قال غسان وهو يخلع سترته. "وهذا طبيعي، لأننا متزوجان.""متزوجان على الورق فقط،" قالت بسرعة. "أنا سأنام في الغرفة الثانية."نظر غسان إليها، رفع حاجباً واحداً: "الغرفة الثانية؟""نعم، رأيت غرفة صغيرة بجانب المطبخ، سأنام فيها.""لكنها غرفة الخدم،" قال غسان بدهشة."لا يهمني،" قالت وهي تسحب حقيبتها. "أفضل أن أنام في غرفة الخدم على أن أنام بجانبك."تنهد غسان، وابتسم بتلك الابتسامة المتعجرفة التي لم تعد تظهر كثيراً: "كما تريدين يا سيدة غدير. لكن لا تشتكي إذا سمعتِ صوت الأمواج طوال الليل.""لن أشتكي.""ولا تشتكي إذا كان السرير صغيراً.""لن أشتكي.""ولا تشتكي إذا..."







