Share

ما لم يُدفن

last update publish date: 2026-08-27 12:50:33

ما لم يُدفن

وقف أسر عند طرف ساحة التدريب، ينظر إلى صفٍّ من الرجال لا يشبه أي صفٍّ تدرب معه من قبل.

رجلٌ في الأربعين يمسك سيفًا كأنه وُلد به، بجانب فلاحٍ لا يعرف أين يضع أصابعه على المقبض. شابٌّ لا يتوقف عن التحمس والاندفاع نحو كل تمرين، وآخر بجانبه يقف بذراعين متقاطعتين، غضبه من التجنيد الإلزامي واضحٌ في كل خطوةٍ يرفضها.

"هذا لن ينجح إن دربناهم جميعًا معًا." قال أحد مساعديه.

فكّر أسر للحظة. "اقسمهم. من يعرف السيف فعلاً يتدرب على المناورة والسرعة. الباقون يبدأون بالأساسيات."

بدأ التقسيم، لكن الف
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • صفير الجبال    دماء الغابة

    الفصل الرابع والعشرون: دماء الغابةفي فجر اليوم التالي، كان الضباب لا يزال معلقاً فوق قرية العم طه حين خرج أنس من خيمته، ومشى بين الرجال النائمين. لم يكن قد نام أكثر من ساعتين، لكن جسده اعتاد على هذا النوع من التعب. توقف عند النار التي كانت قد تحولت إلى رماد، ونظر إلى الغابة البعيدة التي كانت لا تزال مظلمة.كان قد اتخذ قراره قبل أن تشرق الشمس. سيختار عشرة رجال، لا أكثر. لن يأخذ جيشاً، لأن الجيش يجذب الانتباه. سيأخذ من يعرف كيف يصمت، ومن يعرف كيف ينتظر.مرّ بين الخيام، ونظر إلى الوجوه النائمة. كان بعضهم قد جرح في المعركة السابقة، وبعضهم كان لا يزال يحمل آثار الحروق. توقف عند رجل كان جالساً بعيداً عن النار، يصقل سيفه بحجر."لم تنم؟" سأل أنس.رفع الرجل رأسه. كان في الثلاثين، نحيلاً، بعينين هادئتين لا تكشفان شيئاً."لا أحب النوم قبل المعركة." قال الرجل."ما اسمك؟""زيد."جلس أنس بجانبه، ونظر إلى السيف."ستأتي معي."لم يسأل زيد إلى أين، ولا لماذا. فقط أومأ، وأعاد السيف إلى غمده.---في خيمة أخرى، كان أسر قد استيقظ قبل الفجر. خرج، ووجد أنس يقف عند حافة القرية."اخترت الرجال." قال أنس دون أن

  • صفير الجبال    النار والقمح

    الفصل الثاني والعشرون: أثر النار والقمحخرج أسر من قاعة الحكم وهو لا يزال يشعر بثقل كلمات والده في صدره. المشي في أروقة القصر لم يكن يساعد على التخلص من ذلك الإحساس الغريب الذي تركته نظرة وليد الأخيرة، تلك النظرة التي حملت أكثر من اعتذار. كانت تحمل شيئاً لم يستطع تسميته، كأن والده كان ينظر إليه وفي عينيه حزنٌ لشخصٍ لم يعد موجوداً.في الفناء الخلفي، وقف أسر للحظة، ورفع وجهه إلى السماء. كانت غائمة، والهواء بارد، ورائحة التراب المبلل تشي بأن المطر قادم. أغمض عينيه للحظة، وحاول أن يرتب الأفكار التي كانت تتزاحم في رأسه.الجيش في قرية العم طه. أنس وفيصل يقودانه. والده يعتذر من دون سبب واضح. راكان يرسل القمح والتمر من الأراضي المسترجعة. والجبال... الجبال لا تزال صامتة، منتظرة.فتح عينيه، وقراره كان قد تشكل في تلك اللحظة: لن ينتظر. سيذهب إلى قرية العم طه بنفسه. ليس ليقاتل، بل ليرى بأم عينيه ما يحدث. وليرى أنساً، ويتأكد من أنه بخير.لكن قبل أن يتحرك، مرّت بباله فكرة أخرى: أمينة. تذكر البيت الصغير عند طرف السوق، والمرأة التي كانت تنظر إليه من النافذة. لم يعرف لماذا توقف عند بيتها، لكن شيئاً في

  • صفير الجبال    ما وراء الحجر

    الفصل الحادي والعشرون: ما وراء الحجر---لمن يرغب في متابعة رحلة أدهم وعابس بالتفصيل، وما سبق أن حدث لهما قبل دخولهما إلى درب القاطع، وما سيحدث لهما بعد ذلك، يمكنه قراءة أحداثهما كاملة في رواية «الحديد واللحم».---جلس وليد في قاعة الحكم، والضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، يرسم خطوطاً طويلة على أرضية الحجر الباردة. كان وجهه أقل شحوباً مما كان عليه قبل أسابيع، لكن يديه ما زالتا ترتجفان فوق ذراعي الكرسي. جلس أسر أمامه، ينظر إلى والده بعينين تقرآن ما لا يقوله."لقد سمعت أن الجيش وصل إلى قرية العم طه." قال وليد، صوته أضعف مما كان، لكنه واضح."نعم." قال أسر. "أنس وفيصل يقودانهم.""وهل تعتقد أنهم مستعدون؟"فكر أسر قبل أن يجيب. كان يعرف أن والده لا يسأل عن الاستعداد العسكري فقط."مستعدون بقدر ما يستطيعون." قال أسر. "لكن الاستعداد لا يكفي أحياناً."نظر وليد إلى ابنه طويلاً، ثم قال:"أنت تتحدث كأنك تعرف شيئاً لا أعرفه.""لا." قال أسر. "لكنني بدأت أفهم أن ما لا نعرفه قد يكون أخطر مما نعرفه."صمت وليد لحظة، ثم تنهد. نظر بعيداً نحو النافذة التي تطل على طرف السوق، حيث كان البيت الصغير. توقف ن

  • صفير الجبال    ما تبقى منا

    الفصل العشرون: ما تبقى منالم يتحرك أدهم.وقف هناك، يده على مقبض سيفه، وعيناه على قائد قطاع الطرق الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة، وسيفه مسلول، ووجهه يتقلب بين التهديد والتردد. كان الهمس قد خفت، لكن أثره بقي معلقاً في الهواء، كأن الصخور نفسها كانت تتنفس بصعوبة."ألقوا أسلحتكم." كرر قائد قطاع الطرق، لكن صوته لم يعد يحمل الثقة نفسها.نظر أدهم إلى رجاله. رأى الخوف في عيون بعضهم، والترقب في عيون آخرين. رأى عابس واقفاً إلى جانبه، سيفه نصف مسلول، وعيناه ثابتتان على العدو، لا ترتجفان.ثم نظر أدهم إلى الممر الضيق، إلى الصخور التي تحيط بهم، إلى الطريق الذي لا يبدو أن له نهاية."لا." قال أدهم، بصوت هادئ، ثم سحب سيفه في حركة واحدة.لم ينتظر رداً. اندفع نحو قائد قطاع الطرق قبل أن يكمل تفكيره، وسيفه يرسم قوساً في الهواء الضيق. اصطدم النصل بنصل آخر، وارتد الصوت بين الصخور كأنه طلق ناري."الآن!" صرخ أدهم، ورجاله تحركوا كجسد واحد.كان الممر ضيقاً، لا يتسع لأكثر من رجلين أو ثلاثة في آن واحد. هذه الميزة، التي كانت تهديداً في البداية، أصبحت الآن سلاح أدهم. قطاع الطرق لم يستطيعوا التقدم كلهم دفعة واحدة،

  • صفير الجبال    درب القاطع

    الفصل التاسع عشر: درب القاطعكانت آثار النار لا تزال دافئة حين وضع أدهم يده فوق الرماد. انحنى، وفرك بقايا الفحم بين أصابعه، ثم رفع عينيه نحو الممر المظلم أمامهم."منذ كم؟" سأل أحد الرجال."يومين، ربما ثلاثة." قال أدهم، وهو يمسح يديه من السواد. "ليست قديمة."وقف، ونظر حوله. إلى جانب بقايا النار، كانت هناك آثار أقدام متجهة إلى الأمام، وإلى الخلف أيضاً. وكأن من كانوا هنا قد ترددوا قبل أن يختاروا طريقهم."ربما مسافرون مثلنا." قال رجل آخر."مسافرون لا يتركون رماداً دافئاً دون أن يطفئوه." قال أدهم. "هؤلاء كانوا في عجلة، أو لم يهتموا إن عُثر عليهم."صمت الرجال. كان الجو بارداً، والهمس الذي سمعوه عند المدخل لم يعد، لكن شيئاً آخر حل محله: صمت أثقل، كأن الجبال نفسها كانت تنتظر.وقف أحد الرجال، واقترب من كومة صغيرة من الحجارة على جانب الممر. ركلها برفق، فانكشفت تحتها قطعة قماش ممزقة، ملطخة ببقعة داكنة.رفعها، ونظر إليها، ثم إلى أدهم."دم."اقترب أدهم، وتفحص القطعة. الدم لم يكن قديماً تماماً. مدّ أصابعه على حافة القماش، وشعر بأنها لا تزال رطبة قليلاً من برد الجبال."هم قريبون." قال أحمد، بصوته ال

  • صفير الجبال    ما تخفيه الجبال

    الفصل الثامن عشر: ما تخفيه الجبال استيقظ أدهم على صوت ضحك.لم يكن ضحكاً عالياً، بل خافتاً، كمن يحاول أن يخفي فرحته ولا يستطيع. فتح عينيه فرأى أحمد جالساً على صخرة قريبة، ينظر إلى سنجاب صغير يتسابق مع غصن يتدلى من شجرة، ووجهه — وللمرة الأولى منذ أن عرفه — ليس متجمداً في تلك الكآبة المعتادة."إنه يلعب." قال أحمد، صوته يحمل دهشة طفل. "السنجاب يلعب مع الغصن."نهض أدهم واقترب منه، ووقف إلى جانبه. نظر إلى السنجاب، ثم إلى أحمد."أتعلم؟" قال أدهم، وهو يمسح الغبار عن ثوبه. "ظننت أن الجبال فقط هي التي تجعلك تبتسم.""الجبال لا تجعلني أبتسم." قال أحمد، وعيناه لا تفارقان السنجاب. "لكن هذا... هذا مختلف."وقف أدهم صامتاً لحظة. كان يعرف أن هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو عادية، هي في الحقيقة علامة على شيء أكبر: أن أحمد بدأ يرى العالم ليس فقط كألم، بل كشيء يمكن أن يكون جميلاً أيضاً."هيا." قال أدهم، وربت على كتفه. "الطريق طويل، والسنجاب سيبقى هنا حين نعود."لم يتحرك أحمد. ظل ينظر إلى السنجاب حتى اختفى بين الأغصان، ثم نهض أخيراً، وتبعه إلى حيث كان الرجال يجهزون الخيول.---كان الطريق شمالياً، يمر بين تل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status