Masukاستبد التوتر والقلق بباهر وهو ينظر إلى ابنته.مدّ كفه يربّت برفق على رأسها."سوسو…"وقفت نيرة تلوّح لهما عند الباب."ماما!"ركضت سوسو نحو نيرة، ومن ورائها باهر يحمل الحقيبة الوردية. كان الجو لطيفًا ذلك اليوم؛ ففي الأيام الماضية، هطلت كثير من الأمطار، أما اليوم، فالشمس مستترة خلف الغيوم، تُطلّ تارة وتختفي تارة، والحرارة معقولة، باستثناء لفحة من حر الصيف تحملها في طياتها الرياح.كانت نيرة ترتدي فستانًا أزرق فاتحا بدون أكمام تتخلله خطوط بيضاء مائلة، وشعرها الأسود الطويل مضفرا إلى ضفيرة جانبية.وكانت بشرتها بيضاء ناصعة تأسر الأبصار.ابتسمت، فتألقت شفتاها الحمراوان وأسنانها اللامعة.ثم قالت وهي تلتفت إلى باهر: "كيف كان اجتماع أولياء الأمور؟"قال: "الأولى،" وكان يمسك بالحقيبة بيده اليمنى، وبيده الأخرى أمسك أصابعها وشبكها بأصابعه، وهمس في أذنها: "إنجازاتكِ التربوية واضحة.""في الحقيقة أنا لم أعلّمها الكثير…،" وبالأخص في السنتين الأخيرتين؛ فشركة النجمة كانت في بداياتها…ثم تمتمت بنبرة لا تخلو من الارتباك: "الحقيقة أن جيناتنا جيدة فحسب."غادر الثلاثة من المدرسة.كانت سوسو في المنتصف وكلاهما على
امتلأت المقاعد داخل الفصل بأولياء الأمور.باستثناء مقعد أو اثنين.دام اجتماع أولياء الأمور لساعتين، بينما وقف الطلاب في الممر، وكأنهم في انتظار استلام نتائج امتحاناتهم النهائية. فيما بدت ثلة الصغار عند المدخل كأنهم حفنة متراصة من الفِجَل المخلَّل…باستثناء ابنته.ورثت سارة جمال والديها.…. هادئة بلا غرور، وذكية بلا تكلّف. كانت تستند إلى الجدار، وعلى رأسها تسريحة الكعكة التي اعتادت نيرة أن تصنعها لها كل صباح.…كعكة بسيطة تُبرز جبينها الناصع وملامحها الوضيئة المتقنة.غادر باهر الشركة على عجل، كان متأنقًا في زي العمل ويحمل على ذراعه سترة رمادية داكنة، وبينما كان متجهًا نحو ابنته، استوقفه صوت المعلمة."أنت والد سارة، صحيح؟ تفضل وسجّل حضورك."كانت تلك المرة الأولى التي تلتقي فيها المعلّمة شهد بوالد سارة؛ فدائماً ما كانت الأم هي التي تحضر اجتماع أولياء الأمور. كان ترتيب سارة الأولى على الصف دائمًا، لذا من الطبيعي أن تولي المعلمة اهتمامًا خاصًا بأسرتها.قالت وهي تبتسم: "لقد نالت سارة المركز الأول هذه المرة أيضًا."ألقى باهر نظرة نحو ابنته الواقفة عند الباب، ولوّح لها برأسه، ثم دخل القاعة.كان ب
كان المطر يتساقط برفق على الزجاج خارج النافذة، وعلى الرغم من أنه هدأ قليلًا، إلا إن المشهد كان يوحي بأن المطر سيدوم طوال الليل.قال باهر: "هل يوجد غراء على باب غرفتي؟" ثم خلع بيجامته وألقاها على الأريكة بجانبه، ولأنها بيجامة حريرية، انزلقت من على الأريكة.حدّق باهر في نيرة الواقفة عند عتبة الغرفة، وقال بصوت مُبحوح: "يا زوجتي المصونة، هذه اللحظات الليلية بين الزوجين لا تُثمَّن."تقدّمت نيرة إلى الداخل وأغلقت الباب من خلفها، ثم أسدلت الستائر.اقترب باهر منها وألصق صدره المتّقد بظهرها.وقال: "لماذا تتصرفين وكأننا نسرق؟ لا أحد غيرنا في المنزل." كانت أنفاسه الحارة تنسدل على عنقها، فتورِّدت بشرتها البيضاء حتى احمرّت كالخزف.استدارت نيرة نحوه، ونظرت إلى ساقه. كان يرتدي سروالًا فضفاضًا من حريرٍ أسود يستر ساقه باكملها.لم يسبق أن رأت نيرة موضع إصابته من قبل.لكنها خمَّنت أنّ الجرح قريب من الركبة.كانت تتوق لرؤية موضع إصابته، فنظرت إلى الأسفل وحدقت في ساقه بتمعن. خفض باهر نظره ومازحها قائلًا: "لا تكتفي بالنظر، مدي يدكِ وألمسي."قالت نيرة: "حسنًا." ثم انحنت وحركت أصابعها برفقٍ فوق ركبته اليسرى قب
"حسنًا فهمت يا أمي."سألتها هويدا عمّا إذا كانا سيأتيان معًا، وإن كانت مشغولة في عملها.وقبل أن تُجيب نيرة، بادر باهر قائلاً: "لديها عمل في الشركة، سآتي وحدي."وما إن أنهى المكالمة حتى التفت إلى نيرة، وقال: "ما هذه القيادة البطيئة؟ هل أنتِ سلحفاة؟"فأجابته نيرة: "في ليلة ممطرة كهذه، يجب القيادة ببطء لسلامتنا." ثم شغلت إشارة الانعطاف، بينما جاء صوت نظام الملاحة يعلن أنّ المسافة المتبقية للوصول هي كيلومتران وأربعمئة متر.دخلت السيارة المرأب، وعندما فتحت نيرة باب السيارة لتنزل، صادفت في زاوية المرأب كلبًا صغيرًا متسخًا ومبتلًا بالكامل، يبدو أنه من الكلاب الضالة في المنطقة، ولجأ إلى هنا هربًا من المطر.قفزت سوسو من السيارة وحملت الكلب بين ذراعيها قائلة: "ماما، عمي باهر، لنأخذه معنا إلى البيت، فهو صغير جدًا."أخرج باهر منشفة من السيارة ولفّ بها الكلب وأمسك ظهر عنقه وقال: "حسنًا، سيكون صديقًا لتوتو."حملت سوسو الكلب بين ذراعيها في المصعد، وسألت: "ماما، أيمكننا أن نربيه معنا؟"أجابتها نيرة: "بالطبع."ثم قالت سوسو: "إذن لنختَر له اسمًا، ومن الآن سنكون عائلة واحدة."فكرت قليلًا، ثم نظرت إلى باه
خصوصا في ليالي الصيف.لم تُجدِ النشرةُ الجوية نفعًا، فلم تتنبّأ بوابل المطر الذي هبط بغتةً وطمس الرؤية. ناولهم النادل المظلة، فبادرت نيرة إلى فتحهاكان المطعم التقليدي ذو المواقف الخارجية لا يستقبل يوميًا سوى عشر طاولات، فمواقف السيارات أمامه محدودة، ثم إن انخفاض موقعه جعل مياه الأمطار تتجمع وتتدفق نحوه.انحنى باهر ليرفع سوسو، فشعر في ساقه اليسرى بوخزة حادة يتصاعد ألمها مع كل خطوة. فمنذ إصابته قبل نصف عام، بات يكره الأيام الماطرة.ومع ذلك، لم تتبدل ملامحه؛ أسند بذراعه طرفَ فستان ابنته وهو يحملها، ثم مال برأسه نحو حذاء نيرة ذي الكعب العالي وسألها: "هل تستطيعين المشي؟"فأجابته: "أجل، لا بأس، ليست سوى بضع خطوات."بالطبع، ستبتل الأحذية في يوم ممطر كهذا.انتبهت نيرة لذلك.فابتسمت لابنتها وفي الوقت نفسه أسقطت بصرها نحو الأسفل، مركزة نظرها على ساق باهر اليسرى الملفوفة بالبنطال الأسود، والتي بدا عليها العرج بوضوح رغم أنه كان يتحمل الألم بأقصى ما يستطيع.كانت نيرة قد سمعت من قبل عما يتردد بين الناس عن دخول باهر العناية المركزة.وقد رأت بعينيها الندبة التي خلفتها العملية الجراحية على صدره، أما س
رفعت نيرة يدها للرد على المكالمة.على مقربة منها، كانت رولا تُبعد بواسطة اثنين من رجال الأمن، وعيناها مليئتان بالحقد وهي تحدق في بريق خاتم نيرة على إصبعها، كان لمعان الماسة يلمع كنجوم ويؤذي عيني رولا.بفضل سجلها المهني في المجال، قدمت رولا معلومات لينا طواعية، وتوسلت إلى نيرة بمنتهى الانكسار لتمنحها فرصة أخيرة.لم يتبق لها شيء، فلماذا تقطع نيرة آخر فرصة متاحة لها؟في المساء، قاد باهر سيارته واصطحب نيرة وسارة إلى مطعم في الهواء الطلق على الطراز الكلاسيكي، حيث يضم فناءً به بركة زهور اللوتس، بتلاتها وردية ناصعة وبيضاء نقية، كل نوع متفرد بعطره الرقيق.لم تستطع نيرة مقاومة التقاط الصور بهاتفها، الزهور الوردية والأوراق الخضراء كانت لوحة فنية ساحرة.أخذ باهر هاتفه أيضًا، لكنه كان يصورها هي، كأنها زهرة تخرج من الماء، قوامها رشيق، والزمان ساكن وهادئ حولها.جلس الثلاثة في جناح بالطابق الثاني، وطلبوا ثلاثة أطباق وحساء، الحساء كان حساء الدجاج بالمشروم، شهيًّا ورائحته طيبة.أثناء الطعام، كان بالإمكان رؤية بركة اللوتس من الطابق الثاني، الأوراق الخضراء كالأحجار الكريمة، تتحرك مع الريح برقة.خلع باهر







