Share

11

Author: Jory
last update publish date: 2026-10-26 00:47:38

رتبت إيلينا أشياءها في منزلها الجديد داخل بناية ديمون. كانت شقة بسيطة للغاية، لكنها تشعرها بالدفء كمنزلها القديم تمامًا. كانت الجدران بلون كريمي هادئ، والأثاث خشبيًا بسيطًا، والنوافذ تطل على حديقة صغيرة خلف المبنى. وضعت كتبها العلمية على الرف، وأوراقها البحثية على المكتب، وصورتها القديمة مع والديها على الكومودينو بجانب السرير. شعرت وكأنها بدأت فصلًا جديدًا في حياتها، فصلًا لم تكن تعلم إن كان سينتهي بالسعادة أم بالدمار.

الوقت كان متأخرًا، ولكنها لم تستطع النوم. حياة ديمون ومشاكله مع والتر كانت تثير فضولها للغاية. فتحت هاتفها وأخذت تبحث عن مباراة ديمون الأخيرة، حتى وجدتها وشاهدت كل لحظة بها. كانت تشاهد المباراة بعين الطبيبة تارة، وبعين امرأة فضولية تارة أخرى.

كان واضحًا للغاية أن ديمون كان فاقد التركيز وكأنه تائه، رغم أنه ظل يقاتل لآخر رمق. كانت حركاته بطيئة، وعيناه كانتا تبحثان عن شيء ما في الجمهور، شيء لم يكن موجودًا. بعد أن انتهت المباراة، أخذت تراجع كل أوراق تحاليله وتقاريره الطبية، وكل تقدم بسيط أو حتى تراجع في حالته الصحية. كانت تدون الملاحظات على دفتر صغير بجانبها، عيناها تتنقلان بين الأوراق والشاشة.

ولكن قطع تركيزها أنها سمعت صوتًا غريبًا يصدر من الأعلى. صوت مكتوم، متقطع، وكأن أحدًا يحاول كتمه.

لذا تركت غرفتها وتتبعت الصوت المكتوم. كان يبدو وكأنها تأوهات متألمة. صعدت الدرج للطابق الأخير ببطء، متتبعة الصوت الذي كان قطعًا ينتمي لـ ديمون. كانت خطواتها خفيفة، وقلبها بدأ يتسارع.

كان ديمون ساقطًا أرضًا يستند بظهره على الحائط، ممسكًا بقدمه بقوة، وأدوات تمرنه ملقاة حوله في كل مكان بالغرفة. كان يحاول كتم تأوهاته بصعوبة، ووجهه يشحب من الألم، وقطرات العرق تلمع على جبينه.

اقتربت إيلينا نحوه سريعًا، فقد كانت حالته يرثى لها. قلبها كان ينبض بقوة خوفًا، فهي لم تره هكذا قبلًا. أمسكت بذراعه وأصبحت تدلك قدمه بخفة رغم توترها الزائد.

دفعها ديمون بقوة هامسًا بنبرة متألمة: "لا داع لهذا، أنا بخير." كاد ينهض من مكانه ولكنه سقط مجددًا بسبب آلام قدمه.

لذا اقتربت إيلينا منه مجددًا وهي تحاول إسناده.

"أخبرتك واللعنة أنني بخير ولا أحتاج مساعدتك!" قال بحدة صارخًا. تجاهلت إيلينا كلماته وكادت تساعده مجددًا.

"أنا لست عاجزًا واللعنة!" صرخ بها بقوة وصدره يعلو ويهبط بسرعة. لقد كان يظن أنها مشفقة عليه وتراه ضعيفًا، وأنها ستظهر في صورة البطلة إذا ساعدته، وهذا كان آخر ما يريده. كان يرى في عينيها شفقة لم يحتملها، شعور بأنه أصبح عبئًا على الآخرين، رجلًا يحتاج المساعدة في أبسط الأشياء.

تركته ونزلت للأسفل، وعندها تنفس الصعداء قليلاً، ولكن آلامه ازدادت سوءًا. هو لا ينكر أنه كان قاسيًا على نفسه للغاية في التدريب هذه الليلة. كان يريد إثبات أن كلام والتر خاطئ، وأنه قادر على العودة مجددًا، لكن جسده كان يخذله في كل مرة.

اتسعت عيناه عندما وجدها تدخل مجددًا، كاد يصرخ بها مجددًا.

"لن أتركك وأنت تتألم هكذا، أنا طبيبتك بعد كل شيء، على الأقل لا تتظاهر أنك بخير أمامي." قالت إيلينا بهدوء بينما ديمون يطالعها بصمت، كان في عينيها شيء مختلف هذه المرة، لم تكن شفقة، بل كانت إصرارًا.

كانت تمسك بحقنة مسكنة بيدها.

"لن تؤلمك للغاية." همست ثم حقنتها في منتصف فخذه، فاغمض عينيه قليلًا من الألم.

ساعدته حتى ينهض وجعلته يستلقي على الفراش، ثم جلست على طرفه. كانت الغرفة هادئة، لا يسمع فيها سوى أنفاسهما.

"تشعر بتحسن؟" سألت بعد قليل من الصمت، فأومأ برأسه.

"لن تحصل على جائزة عند تظاهرك الدائم بالقوة."

همست بجانب أذنه ثم ذهبت، بينما تركت ديمون يحدق في الفراغ وجملتها تدور داخل ذهنه حتى غلب عليه النعاس.

...

في اليوم التالي، كانت إيلينا في المعمل تبدأ تجاربها مجددًا من النقطة التي انتهت عندها، عند آخر انفجار في المعمل عندما كان ليو يسخر منها. كانت قد وضعت عينة العضلات الضامرة في أحد الأجهزة، وبدأت تفحص النتائج بتركيز شديد.

وفي تلك الأثناء وصلت جوليا وتوم صديقاها من الجامعة. كانت تثق بهما للغاية، لذا طلبت أن يعملا معها ويساعداها في تجاربها. جوليا كانت عالمة كيمياء موهوبة، وتوم كان خبيرًا في الهندسة الحيوية. كانا الوحيدين الذين لم يسخرا من أفكارها يومًا.

"هل أنت متأكدة أن هذه المرة ستنجح؟" سألت جوليا بابتسامة مشجعة.

"لا أعرف، ولكنني لن أتوقف حتى تنجح." أجابت إيلينا بثقة.

وقبل أن تتقدم نحوهم، انفجرت العينة. دوى الصوت في جميع أرجاء المبنى، واهتزت الأرضية قليلًا. تطاير الدخان من الجهاز، وسقطت بعض الأدوات على الأرض.

فاستيقظ ديمون مفزوعًا من الصوت على الفور، ظنًا منه أن المبنى يحترق. فقد دوى إنذار الحريق في كل مكان، حتى نزل للطابق السفلي سريعًا وهو بسرواله الداخلي، واتسعت عيناه عندما وجد مركز الانفجار هو المعمل.

كانت إيلينا واقفة وسط الدخان، ووجهها ملطخ بالسخام، وشعرها مبعثر، بينما جوليا وتوم يحاولان إطفاء الحريق بطفاية صغيرة.

نظر ديمون إليها بذهول، ثم قال ساخرًا: "يبدو أن تجارب إيلينا ستكون مثمرة حقًا."

نظرت إيلينا إليه، ثم إلى حاله، ثم انفجرت ضاحكة رغم الموقف، وكانت هذه أول مرة يراها تضحك فيها بهذه الطريقة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • طبيبة المصارع المتقاعد   11

    رتبت إيلينا أشياءها في منزلها الجديد داخل بناية ديمون. كانت شقة بسيطة للغاية، لكنها تشعرها بالدفء كمنزلها القديم تمامًا. كانت الجدران بلون كريمي هادئ، والأثاث خشبيًا بسيطًا، والنوافذ تطل على حديقة صغيرة خلف المبنى. وضعت كتبها العلمية على الرف، وأوراقها البحثية على المكتب، وصورتها القديمة مع والديها على الكومودينو بجانب السرير. شعرت وكأنها بدأت فصلًا جديدًا في حياتها، فصلًا لم تكن تعلم إن كان سينتهي بالسعادة أم بالدمار.الوقت كان متأخرًا، ولكنها لم تستطع النوم. حياة ديمون ومشاكله مع والتر كانت تثير فضولها للغاية. فتحت هاتفها وأخذت تبحث عن مباراة ديمون الأخيرة، حتى وجدتها وشاهدت كل لحظة بها. كانت تشاهد المباراة بعين الطبيبة تارة، وبعين امرأة فضولية تارة أخرى.كان واضحًا للغاية أن ديمون كان فاقد التركيز وكأنه تائه، رغم أنه ظل يقاتل لآخر رمق. كانت حركاته بطيئة، وعيناه كانتا تبحثان عن شيء ما في الجمهور، شيء لم يكن موجودًا. بعد أن انتهت المباراة، أخذت تراجع كل أوراق تحاليله وتقاريره الطبية، وكل تقدم بسيط أو حتى تراجع في حالته الصحية. كانت تدون الملاحظات على دفت

  • طبيبة المصارع المتقاعد   10

    "لن أخسر أكثر مما خسرته.""إنها النهاية بالفعل."ترددت تلك الكلمات داخلها، فأمسكت رأسها بقوة عندما شعرت بصداع غريب يفتك بها ألمًا. اقتربت من حقيبة يدها ببطء وهي تمسك رأسها المتألم بكل قوتها، والتقطت الدواء منها متناولة حبتين من تلك الحبوب المسكنة بين يديها.جلست أرضًا تستند بظهرها على الفراش بينما تضغط على صدرها بتألم، لم تستطع التظاهر بالقوة أكثر من ذلك، وشعرت بدموعها المنهالة تتساقط على وجنتيها.لماذا كلما نحاول تخطي آلامنا المزمنة نحصل على ضربة أقوى تضيف آلامًا جديدة؟!... بينما كان ديمون يتمشى على سطح منزله وكأنه مخدر، الهواء البارد يجذبه بقوة وهو يسير خلفه بلا وجهة، الدماء كانت تسيل من قدميه ويديه وهو لا يزال يسير متجهًا نحو الحافة.ملامحه حزينة وعيناه تفيض منهما الدموع، ينظر نحو قدميه الداميتين حينًا وإلى يديه حينًا آخر. يسمع الجميع يهتف حوله بـ "ستيل... ستيل"، بينما معلق المباراة يصيح خلفه: "ديمون على وشك الفوز مجددًا!"ولكن فجأة، كل شيء اختفى من حوله: صوت الجمهور والمعلقين، يداه الدامية وقدماه

  • طبيبة المصارع المتقاعد   9

    توقفت سيارة ديمون أمام البناية التي قام بشرائها.ففتحت إيلينا فمها بدهشة، ذلك المبنى الرائع سيكون مختبرها الجديد.دخلت للطابق الأول الذي كان مجهزًا بكل الأجهزة والأدوات الطبية التي قد تحتاجها، فنظرت له بذهول."كيف علمت أنني قد أحتاج تلك الأجهزة؟" سألت إيلينا وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها."لدي مصادري." أجاب ديمون بثقة، ثم أخذها للطابق الثاني لترى تلك الشقة الصغيرة التي ستعيش بها.أما الطابق الثالث والأخير فكان كفندق متكامل به مسبح وغرف للتدريب والرياضة وكل شيء، هنا سيعيش ديمون طوال الثمانية أشهر القادمة.كان أوريل يتصل مجددًا بـ ديمون، هو لا يعرف شيئًا، وديمون تركه وغادر مع فتاة ظهرت اليوم في حياته. كل شيء كان مبهمًا بالنسبة له، وهو لا يهوى تلك التصرفات الغامضة التي يقوم بها ديمون، فهو دائم الخوف عليه لأنه يعرف كم أن طيشه وتهوره يوقعانه في المشاكل دائمًا.لا يزال يظن أن إيلينا حبيبة ديمون الجديدة، وديمون لم يفسر له أي شيء، كل ما أخبره به أنه سيوصّلها للمنزل وسيعود للتحدث معه، وهذا جعل أوريل يصدق شكوكه بأنهما حبيبان.عاد ديمون للمنزل بعد أن اتفق مع إيلينا أنها ستنتقل للبناية الجديدة م

  • طبيبة المصارع المتقاعد   8

    وصلوا المنزل، وكانت إيلينا تجلس وتنظر لكل شيء حولها بإنبهار، الديكور الأنيق، الأثاث الفاخر، الأضواء الخافتة التي تضفي جوًا من الدفء. قطع ديمون شرودها حين وضع الأوراق أمامها على الطاولة وجلس على الأريكة المقابلة لها وهو يطالع ملامحها وهي تقرأ العقد.عقدت حاجبيها فجأة. "ثمانية أشهر فقط؟!" سألت باستنكار."أظن أنها مدة كافية لتقومي بإثبات صحة تجاربك، وإن لم يحدث عندها سأتوقف عن التمويل، وعليكِ تعويضي بنصف المال الذي أهدرته بلا فائدة. كما إنك لن تحصلي على راتب لأنني سأمول كل شيء لتنفيذ تلك التقنية." قال ديمون وهو يعقد ذراعيه، كان صوته حازمًا لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا من الأمل.لم يكن لديها حل سوى الموافقة، فهي لم تجد شخصًا يعطيها ربع تلك المدة حتى. لم يؤمن أحد بها قبلاً، وهي ستبذل قصارى جهدها لتثبت أن أفكارها ليست هراء كما أخبرها الكثيرون.نظرت للعقد مجددًا، وعندها اتسعت زرقاوتها بقوة. "أنت... أنت تتطوع لإجراء التقنية عليك؟ ألست خائفًا؟!" سألت بتوتر ودهشة."لن يحدث الأسوأ على كل حال." أجاب بتنهد وهو ينقل نظره للسقف، يحاول تشتيت تلك الصورة من مباراته الأخيرة عن مخيلته."ما الذي يجعلك تثق

  • طبيبة المصارع المتقاعد   7

    "أيتها الكاذبة اللعينة! أنا لم أفعل شيئًا!" صرخ الطبيب مندفعًا نحوها، فامسكه الشرطي بقوة وأبعده عنها."هل رأيته حقًا يحاول الاعتداء عليها يا سيد ستيل؟" سأل الشرطي ناظرًا نحو ديمون بجدية."هاه... أجل، أجل يا سيدي. لقد كنت الأسبوع الماضي في المشفى ورأيته يحاول التحرش بها، حتى إنها طلبت مساعدتي وقتها، وبعدما أبعدته عنها أخذت رقمي حتى تطلب شهادتي إذا قررت رفع قضية ما." أجاب ديمون بينما لا يزال متفاجئًا بتمثيل إيلينا المحترف، كادت ابتسامة تخون شفتيه لكنه تمالك نفسه."أنا لم أفعل شيئًا! ألا ترى أنها من قامت بضربي؟ هل دمائي شفافة واللعنة؟ لقد أتت إلى مكتبي وقالت إنني السبب في طردها من عملها، وبدأت في الصراخ ثم حطمت مكتبي!" صرخ الطبيب مدافعًا عن نفسه، وكان وجهه متورمًا من الضربات."هل لديك دليل على كلامك؟" سأل الضابط الطبيب بحدة، بينما ينظر نحو إيلينا المنهارة بحزن، كانت تمسح دموعها بتصنع بارع.فنظر الطبيب نحو الأرض بقلة حيلة، لم يكن لديه أي دليل، وكان يعلم أنه خسر هذه المعركة."حسنًا، آنسة فانس، إذا أردتي رفع دعوى ضده، سأساعدك بالإجراءات اللازمة لذلك." قال الضابط بصوت لطيف."لا يا سيدي، أنا

  • طبيبة المصارع المتقاعد   6

    بعد عدة أيامكان أوريل يجلس في مكتب المحامي الذي يدافع عن ديمون في قضيته ضد الشركة. الغرفة كانت أنيقة، مليئة بالكتب القانونية، وأشعة الشمس تتسلل من النافذة الكبيرة."البند العاشر في العقد ينص أن الشركة مسئولة عن تكاليف علاج أي إصابة لـ ديمون، مما يعني..." تحدث المحامي أوستن مبتسمًا ونسخة العقد بين يديه، كان يحرك إصبعيه فوق البنود بتركيز."مما يعني أن الشركة لن تحصل على تعويض، بل ديمون من سيحصل عليه." أكمل أوريل بابتسامة واسعة، وكأنه يتذوق طعم النصر مسبقًا، فرك يديه بسعادة."بالضبط، سنجعل كل شيء يتحول ضدهم." قال المحامي وهو يرتشف من قهوته بارتياح، ثم وضع الكأس جانبًا."أنت حقًا تستحق لقب الثعلب يا أوستن، لقد تحمست لجلسة المحكمة منذ الآن. أود أن أرى ملامح والتر اللعين ورئيس الشركة المنافق بعدما يدفعون تعويضًا بدلاً من أخذه." قال أوريل والسعادة تملأ عينيه، كان يخيل له أنه يرى وجه والتر وهو يتلقى الصدمة، تلك النظرة المهزومة التي كان يحلم بها.اهتز هاتف أوريل معلنًا عن استلام رسالة ما، فتحها فاتسعت عيناه بصدمة حين علم أن ديمون اشترى مبنى وسط المدينة بسعر هائل، رقم ضخم جعله يشعر بالدوار وكا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status