LOGINلم ألاحظها في البداية.
كنت أسير في الشارع المؤدي إلى المنزل بعد خروجي من المعرض، أفكر في اللوحة وفي تلك الجملة التي كتبتها في دفتري. لم أكن أشعر بالتعب، ففضلت أن أمشي بهدوء. الهواء كان بارداً والشوارع بدت فارغة. قررت أن أستمتع بتلك الدقائق التي أكون فيها وحدي، دون أن أضطر لشرح أي شيء لأحد. تذكرت حديثي مع ريان في المعرض، والطريقة التي جعلني بها أنظر إلى اللوحات من زاوية مختلفة. أخرجت دفتري من حقيبتي للحظة، وفتحته على اللا أعرف إن كانت دخلت زقاقاً، أو توقفت خلف سيارة، أو أنني تخيلت الأمر كله من شدة توتري. بقيت أنظر إلى الشارع حتى ابتعدت السيارة واختفى عن نظري. كانت أنفاسي سريعة وأنا أمسك بحزام حقيبتي بقوة. أسندت ظهري إلى المقعد وحاولت أن أتنفس بهدوء. ربما كانت امرأة عائدة إلى بيتها مثلي، وصادف أن طريقنا واحد. وربما أنا من بالغت. لكن يدي بقيت ترتجف طوال الطريق، والشعور المزعج لم يفارقني حتى وصلت. وصلت إلى المنزل وأغلقت الباب خلفي بقوة أكثر من المعتاد. وضعت حقيبتي جانباً وأخذت نفساً عميقاً. كنت أحتاج إلى دقيقة واحدة فقط لأهدأ. توقعت أن أجد المكان هادئاً كالعادة. لكنه لم يكن الهدوء المعتاد. كان هناك صوت خافت يأتي من الصالة، صوت متقطع، يشبه صوت شخص يحاول كتم صوته حتى لا يسمعه أحد. توقفت في مكاني. وأنصتُّ. الصوت يأتي من الصالة. اتجهت نحوها بخطوات هادئة. كنت لا أزال متوترة بسبب ما حدث في الشارع، وكلما سمعت صوتاً خافتاً
لم ألاحظها في البداية. كنت أسير في الشارع المؤدي إلى المنزل بعد خروجي من المعرض، أفكر في اللوحة وفي تلك الجملة التي كتبتها في دفتري. لم أكن أشعر بالتعب، ففضلت أن أمشي بهدوء. الهواء كان بارداً والشوارع بدت فارغة. قررت أن أستمتع بتلك الدقائق التي أكون فيها وحدي، دون أن أضطر لشرح أي شيء لأحد. تذكرت حديثي مع ريان في المعرض، والطريقة التي جعلني بها أنظر إلى اللوحات من زاوية مختلفة. أخرجت دفتري من حقيبتي للحظة، وفتحته على الصفحة التي كتبت فيها جملتي، ثم قرأتها مرة أخرى. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأعدت الدفتر إلى مكانه. لم أكن أريد التفكير في كل شيء دفعة واحدة. كان يكفيني أن أستمتع بالطريق وأصل إلى المنزل دون أن يشغلني شيء. لكن بعد بضع دقائق، شعرت أن هناك خطوات تتكرر خلفي. في البداية لم أهتم. من الطبيعي أن يسير أشخاص آخرون في الشارع نفسه، والصدى في هذا الحي يجعل أي صوت يبدو أقرب مما هو عليه. فتابعت طريقي حتى وصلت إلى مفترق صغير وغيرت اتجاهي نحو ا
هناك أيام تعرفين فيها أنكِ تكذبين على نفسكِ منذ اللحظة الأولى. خرجت من المنزل في السادسة مساءً، كنت قد أقنعت نفسي بأنني ذاهبة لشراء بعض المستلزمات. لم تكن كذبة كاملة، فقد كنت أحتاج دفتراً جديداً، لكنني لم أتجه نحو المكتبة. بل اتجهت نحو المعرض. بعد أن عدت من موعدي مع آسر قبل ساعات قليلة. كان كل شيء فيه جميلاً، مرتباً، ولطيفاً. وهذا بالضبط ما كان يزعجني. لم أرغب في البقاء في غرفتي والتفكير وحدي. كل ما أردته هو مكان آخر يشغلني عن التفكير. لذلك غادرت المنزل بسرعة قبل أن أغير رأيي. هناك كان المعرض هادئاً أكثر من المعتاد. الإضاءة الدافئة تنعكس على الأرضية اللامعة، وعدد الزوار قليل. شعرت فور دخولي أنني أتنفس بشكل أسهل. تجولت قليلاً بين اللوحات دون هدف، حتى توقفت أمام لوحة لم أنتبه لها من قبل. شارع قديم بعد المطر. المباني متقاربة، بعض النوافذ مضاءة، وأضواء المحال تنعكس على الطريق المبتل. لا يوجد أشخاص في اللوحة، لكنكِ عند النظر إليها تشعرين أن أحداً مر من هنا قبل ثوانٍ واختفى للتو. أخرجت دفت
استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أعرف أن اليوم سيكون مختلفاً. كنت قد وافقت على العشاء مع آسر منذ أيام، ولم أفكر كثيراً في الأمر حينها. بدا الأمر بسيطاً. أما الآن فشعرت لأول مرة بتوتر غريب وأنا أقف أمام خزانتي. ارتديت فستاناً أزرق كنت قد اشتريته منذ مدة، وتركت شعري منسدلاً خلف ظهري. نظرت إلى المرآة وحاولت أن أبتسم. أردت فقط أن أبدو طبيعية. ثم خرجت قبل الموعد بقليل. كان المطعم الذي اختاره آسر بعيداً عن المدينة، بإضاءة دافئة وطاولات متباعدة. وما إن وصلت حتى وجدته ينتظرني عند المدخل. ـ سارة. تبدين جميلة اليوم. ـ شكراً يا آسر. هل تأخرت عليك؟ ـ أبداً. وصلت للتو. طلبنا العشاء وبدأ الحديث. تحدث آسر عن عمله وعن مشروع جديد يشغله، وكنت أستمع وأحاول أن أركز. كان لطيفاً كعادته، مهذباً ويختار كلماته بعناية... لكني رغم كل هذا ما زلت أتذكر المتحف واللوحات من زيارتي بالأمس. كان يضحك في الوقت المناسب، ويسألني عما فعلته خلال الأيام الماضي
عندما غادرت المعرض، لم أكن أنوي العودة في اليوم نفسه. كنت قد قضيت وقتاً أطول مما توقعت بين اللوحات، وشعرت أنني اكتفيت. أردت العودة إلى المنزل وتناول شيء خفيف ثم متابعة يومي بهدوء. لكن قبل أن أصل إلى الشارع الرئيسي، تذكرت أنني نسيت أن أسأل ريان عن إسم اللوحة التي تحدثنا عنها. ترددت للحظة. لم يكن الأمر مهماً إلى هذه الدرجة، وكان بإمكاني البحث عنه لاحقاً. ومع ذلك وجدتني أعود إلى هناك، وأقنع نفسي بأنني لن أحتاج أكثر من دقيقة. عندما دخلت، كان ريان يتحدث مع أحد العاملين قرب المكتب. انتظرت حتى انتهى حديثهما، ثم اقتربت. التفت إليّ بدهشة. ـ هل نسيتِ شيئاً؟ ـ ريان أريد أن أسألك سؤال واحد فقط. ـ سؤال واحد؟ هذا كثير. ـ لا تجعلني أندم على العودة. رفع يديه مستسلماً. ـ هههه لا تقلقي لن أفعل. ما هو؟ أخبرته عن اللوحة، فابتسم وأشار إلى القسم الذي تقع فيه. ـ يمكنكِ أن تري اسمها هناك. لكن بما أنكِ عد
لم أكن أحتاج إلى سبب جديد كي أزور المعرض. منذ قرأت الصفحات الأولى من كتاب "أساسيات تذوق الفن" الذي أعطاني إياه ريان، وأنا أتذكر تفاصيل اللوحات التي مررت بها سريعاً في المرة الماضية. كنت أتساءل كيف ستبدو لو منحتها وقتاً أطول. وضعت الكتاب في حقيبتي وغادرت المنزل. كان الصباح هادئاً، والهواء منعشاً بما يكفي لأبطئ خطواتي. لم يكن لدي مواعيد، لذلك استمتعت بالطريق. وعندما دخلت المعرض، استقبلني نفس الهدوء الذي بدأت أعتاد عليه. توقفت عند المدخل لحظة وابتسمت لنفسي. هذه المرة، لم أشعر أنني غريبة هنا. اتجهت إلى لوحة الحقل الواسع. رأيتها من قبل واكتفيت يومها بالقول إنها جميلة. أما الآن فوقفت أمامها وحاولت أن أطبق ما قرأته. ما أول شيء لفت انتباهي؟ العشب القريب كان أوضح من الأشجار البعيدة، ودرجات الأخضر لم تكن متشابهة. السماء فوقه هادئة، ليست مشرقة تماماً ولا كئيبة. أكثر ما جذبني هو اتساعه، لا توجد تفاصيل كثيرة تتنافس على انتباهي، ومع ذلك لم أشعر بالملل منها هذه المرة.







