Masukـ مادلين مصابةٌ بسرطانٍ متقدم... وحالتها للأسف شديدة الصعوبة. تجمدتُ في مكاني. لم أفهم الكلمات في اللحظة الأولى، وكأن الطبيب قال جملةً صعبة لم أستوعبها. سرطان؟ نظرتُ إليه وعيناي متسعتان، ثم رفعتُ يدي إلى فمي دون أن أشعر، وفجأةً امتلأت عيناي بالدموع. التفتُّ إلى آسر؛ كان واقفاً بجانبي، لكنه بدا وكأنه لم يسمع الجملة كاملة. ظل ينظر إلى الطبيب بصمتٍ، ثم قال: ـ ماذا... ماذا قلت؟ أعاد الطبيب كلامه بهدوءٍ: ـ مادلين مصابةٌ بسرطانٍ متقدم، والحالة تحتاج إلى تقييمٍ متخصصٍ سريع. رمش آسر عدة مراتٍ: ـ سرطان...؟ ـ نعم. سكت للحظاتٍ، ثم سأل: ـ ومنذ متى؟ هز الطبيب رأسه: ـ هذا يحتاج إلى مراجعة ملفها وفحوصاتها السابقة، لكن الواضح أنها كانت تعرف بوجود المرض، ويبدو أنها كانت تتابع حالتها منذ فترة. شعرتُ بدموعي تنزل على خدي، وكل شيءٍ بدأ يترابط أمامي: شحوب وجهها، تعبها المستمر، ارتجاف يديها، الورقة التي أخفتها عني، وخوفها الشديد من أن يعرف الناس حقيقتها. قال الطبيب: ـ الفحوصات الأولية تشير إلى أن المرض وصل إلى مرحلةٍ متقدمةٍ، لكن تحديد مدى انتشاره ونوعه بدقة يحتاج إلى استكمال الفحوصات والت
مرَّت ساعةٌ ونصفٌ منذ غادر آسر العيادة، لكنها بدت لي أطول من ذلك بكثير. كنتُ أمشي في المكان ذهاباً وإياباً بخطواتٍ مترددةٍ والهاتف لا يفارق يدي. وكلما أضاءت شاشته أسرعتُ بالنظر إليها، ثم أشعر بخيبةٍ صغيرةٍ عندما أكتشف أنها مجرد رسالةٍ عاديةٍ أو إشعاراً لا علاقة له بآسر. حاولتُ أن أقنع نفسي بأن كل شيءٍ سيكون بخير... ربما سيجد مادلين في شقتها تبكي وحيدةً، أو ربما تكون الرسالة مجرد لحظة ضعفٍ ستندم عليها عندما يهدأ كل شيء. لكن قلبي لم يصدق أيّاً من ذلك، وظل وجهها وشحوبها وارتجاف يديها أمام عيني، والطريقة التي نظرت بها إليَّ في آخر مرة رأيتها فيها وكأنها تريد أن تقول شيئاً لكنها تخاف من الكلمات نفسها. ثم تذكرتُ عبارتها الأخيرة: "لو عرف الناس ما تُخفيه هذه الورقة، لن ينظروا إليَّ بالطريقة نفسها أبداً... وسيتغير كل شيء." في ذلك الوقت، ظننتُ أنها تتحدث عن سرٍ يتعلق بآسر، أما الآن... فلم أعد أعرف ماذا أصدق. وفجأةً اهتز الهاتف في يدي، التقطته بسرعةٍ وكان المتصل آسر. أجبتُ فوراً: ـ نعم يا آسر؟ ساد صمتٌ قصيرٌ لم أسمع فيه سوى أنفاسه، ثم جاء صوته متعباً: ـ سارة... شعرتُ بانقباضٍ
بقيت واقفة في مكاني أراقب أثر سيارة مادلين وهي تبتعد عني مسرعة، بينما كانت كلماتها الأخيرة تطرق في رأسي بإصرار: "لو عرف الناس ما تُخفيه هذه الورقة، لن ينظروا إليَّ بالطريقة نفسها أبداً... وسيتغير كل شيء."تنهدتُ ببطء واستدارتُ لأعود نحو بوابة العيادة، لكنني قبل أن أصل إلى الباب، سمعتُ صوت آسر ينادي باسمي بنبرة دافئة:ـ سارة..التفتُّ إليه، فرأيته يخرج من الباب ممسكاً بمفاتيح سيارته وابتسامة عذبة ترتسم على شفتيه. ثم اقترب مني بخطوات واثقة، وهو يتأمل وجهي باهتمام:ـ أين ذهبتِ؟ كنتُ أبحث عنكِ داخل الغرفة.ابتسمتُ بصفاء:ـ كنتُ ألحق بـ مادلين لأعيد إليها ورقة سقطت منها قرب الباب.توقفت عيناه عليّ للحظة صامتة، ثم قال بحنية:ـ تعالي... سأوصلكِ إلى المنزل بنفسي.نظرتُ إليه بفضول ومشاكسة:ـ وهل هذا الدلال يدخل ضمن خطة العلاج الطبيعي اليوم أيضاً يا دكتور؟ضحك آسر بصوت دافئ، واقترب مني ليهمس بعيون تشع شغفاً ورومانسية:ـ لا... هذا بصفتي حبيبكِ، ولا شأن لـ "الدكتور آسر" به مطلقاً.سرت حينها قشعريرة دافئة في أوصالي من كلمته، وابتسمتُ بخجل خفيف وأنا أسير إلى جواره نحو السيارة.ركبنا وانطلقنا في ش
في صباح اليوم التالي، وقفتُ أمام المرآة لبعض الوقت قبل أن أخرج.لم أكن أعرف لماذا أخذتُ وقتاً أطول من المعتاد في اختيار ملابسي. ربما لأنني، منذ فترة طويلة، لم أعد أهتم كثيراً بهذه التفاصيل... أما الآن، فقد تغير شيء ما في داخلي.اخترتُ بنطالاً واسعاً فضفاضاً بلون بيج فاتح، مريحاً للحركة ويُسهّل رفعه لجلسة العلاجوارتديتُ معه قميصاً أبيض بسيطاً بأكمام طويلة، تركته منسدلاً بشكل أنيق فوق البنطال، وأضفتُ فوقه سترة خفيفة بلون بني هادئ. وتركتُ شعري منسدلاً على كتفيَّ مع لمسة بسيطة من عطري المفضل.لم تكن إطلالة مبالغاً فيها، لكنها جعلتني أشعر بأنني أستعيد نفسي من جديد.نظرتُ إلى انعكاسي في المرآة وابتسمت،كانت مشيتي وتحركاتي تحمل ثقة لم أعتدها منذ فترة طويلة. ثم خرجتُ بعدها متجهة إلى العيادة وأنا أشعر أنني لم أعد تلك الفتاة التي تدخل هذا المكان وهي تفكر فقط في ألم ساقيَّها؛ كنتُ سارة التي خرجت، وضحكت، وأحبت، وعادت إلى حبيبها آسر.عندما دخلتُ غرفة العلاج، كان آسر يرتب بعض الأدوات الطبية. وما إن رفع عينيه ورآني حتى توقفت يداه للحظة، وتأملني بنظرة دافئة بطيئة من رأسي حتى قدمي قبل أن تشرق اب
استيقظتُ في صباح اليوم التالي وأنا أشعر بشعورٍ غريب يملأ صدري، لم يكن خوفاً ولا قلقاً، بل كان شوقاً دافئاً يتسلل إلى داخلي. تذكرتُ آسر، وتذكرتُ كتفه الذي أسندتُ رأسي عليه أمس، وكيف جعلني أشعر بالأمان والراحة خلال نزهتينا الأخيرتين. شعرتُ برغبة عارمة في سماع صوته ورؤيته. لم أتردد؛ أخذتُ هاتفي وتواصلتُ معه مباشرة. لم أنتظر طويلاً حتى أجاب بصوته العميق الذي يعشقه قلبي: ـ صباح الخير يا حلوتي. سرت قشعريرة دافئة في أطرافي بمجرد أن لامست نبرته مسامعي، فابتسمتُ: ـ صباح الخير... ـ هل كل شيء بخير؟ ـ نعم، بخير جداً... ـ إذن لماذا اتصلتِ في هذا الوقت؟ ضحكتُ بخفة: ـ هل يجب أن يكون هناك سبب دائمًا؟ ـ لا أدري.. هذه أول مرة تتصلين بي صباحاً، ربما يكون هناك أمر طارئ. ـ وربما لدي سبب آخر دافئ هذه المرة... ـ وما هو؟ استندتُ بجسدي إلى الوسادة، وأغمضتُ عيني وهمستُ: ـ أردتُ سماع صوتك... اشتقتُ إليك. ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن تتردد ضحكته الخافتة المفعمة بالدفء: ـ اشتقتِ إليّ؟ لو تعرفين كيف أمضيتُ ليلي وأنا أفكر بكِ... لما تركتني أذهب بالأمس. تسارعت نبضات قلب
استيقظتُ في اليوم التالي وأنا أشعر بخفة غريبة تسري في صدري. لم يكن هناك سبب واضح يطرد النوم عن عيني ويجبرني على الابتسام، لكنني كنت أعرف السبب عميقاً في داخلي... ما زلتُ أعيش أثر الأمس. مددتُ يدي نحو الكوب الزجاجي بجانب سريري، ونظرتُ إلى الوردة الحمراء. كانت ما تزال زاهية، وكأنها تبتسم لي. تناولتُ هاتفي لأرى الوقت، ففوجئت برسالة من آسر وصلت قبل دقائق: ـ سارة كوني متفرغة ولا تربطي نفسك بأي شيء اليوم. رفعتُ حاجبي وكتبت له: ـ ولماذا؟ ظهرت علامة الكتابة سريعاً: ـ لدي موعد معكِ. ـ موعد؟ ـ نعم. ـ أين؟ ـ هذا سر. ابتسمتُ وأنا أكتب بمشاكسة: ـ لحظة... هل نسيتَ أنك وعدتني أن تخطط لنزهتنا القادمة؟ ـ لم أنسَ. ـ إذن؟ ـ هذه المرة خططتُ لكل شيء بنفسي. بقيتُ أنظر إلى الشاشة للحظات. كان واضحاً أنه ينتظر تحمّسي، فقررتُ ألا أمنحه هذه السعادة بسهولة، وكتبت: ـ حسنًا. جاء رده فوراً: ـ فقط "حسنًا"؟ ـ ماذا تريدني أن أقول؟ ـ أي شيء يدل على أنكِ متحمسة ـ أنا هادئة جدًا. ـ سارة... ـ ماذا؟ ـ أعرفكِ. ـ لا.. لا تعرفني إلى هذه الدرجة! ـ سأكتشف ذلك اليوم. وضعتُ الهاتف جانبًا وقلبي يخ







