Share

الفصل 9

last update publish date: 2026-06-06 16:48:51

استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.

اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.

لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.

بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ.

"صباح الخير."

رفعت فاطمة رأسها بصعوبة.

"هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"

ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً.

"الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل."

"لهذا قلت الناس الطبيعيون."

ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.

راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:

"متحمسة؟"

"لا أعلم."

"يعني نعم."

هزت سكينة رأسها باستسلام.

"ربما قليلاً."

ابتسمت فاطمة بانتصار.

"كنت أعرف."

---

في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.

خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه وينظر حوله باهتمام.

"أخيراً."

قالها وهو يتمدد قليلاً بعد ساعات الطيران.

إلى جانبه، كان ويل يتفقد بعض الرسائل المتعلقة بالعمل على هاتفه، بينما كان نيك منشغلاً بمراقبة تفاصيل المطار والناس المحيطين بهم.

قال بين:

"أخبراني أننا سنتناول شيئاً قبل الذهاب إلى العمل."

أجاب ويل دون أن يرفع رأسه:

"لدينا اجتماع تعريفي أولاً."

أطلق بين تأففاً خافتاً.

"أنتم تحاولون قتلي ببطء."

ضحك نيك.

"لقد مضت ثلاث دقائق فقط منذ وصولنا."

"ثلاث دقائق طويلة عندما أكون جائعاً."

---

بعد إنهاء الإجراءات الضرورية، توجه الثلاثة إلى مقر إقامتهم.

كانت الشقق المخصصة للفريق مريحة وعملية، تقع على مسافة مناسبة من موقع التصوير.

وضعوا أمتعتهم بسرعة، ثم استعدوا للتوجه نحو موقع العمل.

---

في موقع التصوير، كانت سكينة قد وصلت قبل الموعد بوقت كافٍ كعادتها.

تحركت بين المعدات وهي تتأكد من كل شيء بنفسها. كانت تفضل أن تراجع التفاصيل الصغيرة قبل بدء العمل بدل أن تضطر لمعالجة المشاكل أثناء التصوير.

اقترب منها أحد المنظمين.

"الفريق القادم من لندن في طريقه إلى هنا."

أومأت برأسها.

"ممتاز."

ثم عادت إلى الكاميرا.

بعد حوالي عشر دقائق، بدأ عدد من الأشخاص يدخلون القاعة.

رفعت سكينة نظرها بشكل عفوي.

كان أول الداخلين شاباً أشقر ذا ملامح مريحة وحركة نشيطة. كان يتحدث مع أحد المسؤولين وكأنه يعرفه منذ سنوات رغم أن اللقاء يبدو حديثاً.

ثم دخل شاب آخر أكثر هدوءاً وأناقة، يتابع المكان بعين منظمة تلاحظ التفاصيل العملية.

أما الثالث فبدا مختلفاً قليلاً؛ كان ينظر إلى الإضاءة والخلفيات والزوايا أكثر مما ينظر إلى الأشخاص أنفسهم.

اقترب المنظم من سكينة.

"سكينة، أود أن أعرفك بالفريق القادم من لندن."

أغلقت شاشة الكاميرا وتقدمت بخطوات هادئة.

ابتسم الشاب الأشقر أولاً.

"مرحباً، أنا بين."

صافحته سكينة.

"سكينة."

ثم تقدم ويل.

"ويل. سعيد بمعرفتك."

"وأنا كذلك."

أما نيك فاكتفى بابتسامة خفيفة.

"نيك."

"أهلاً بك."

كانت لحظة تعارف بسيطة، لكنها أزالت شيئاً من الرسمية التي ترافق اللقاءات الأولى عادة.

نظر بين حوله قائلاً:

"المكان أكبر مما توقعت."

أجابته سكينة:

"هذه فقط القاعة الرئيسية."

رفع حاجبيه.

"فقط؟"

ابتسمت بخفة.

"سترى الباقي بنفسك."

---

بعد وقت قصير بدأ العمل فعلياً.

كان اليوم الأول مخصصاً أكثر للتنسيق والتجارب الأولية ومراجعة خطة التصوير.

تحرك ويل بين الفرق المختلفة وهو يتأكد من أن الجداول تسير كما ينبغي، بينما انشغل نيك بمناقشة بعض التفاصيل الفنية مع المختصين.

أما بين فكان ينتقل من مجموعة إلى أخرى بسهولة غريبة، يتحدث مع الجميع تقريباً، ويسأل عن كل شيء.

في إحدى اللحظات، كان أحد الفنيين المحليين يحاول شرح ترتيب معين للمعدات بالإنجليزية، لكنه واجه صعوبة في إيجاد بعض الكلمات.

تدخلت سكينة تلقائياً وساعدت في توضيح الفكرة.

انتهى الموقف خلال ثوانٍ.

لكن بين ابتسم قائلاً:

"أنقذتِ الموقف."

نظرت إليه باستغراب.

"أي موقف؟"

"كنت على وشك أن أفسر كلامه بطريقة خاطئة تماماً."

ضحكت بخفة.

"إذن من حسن حظنا أنني تدخلت."

أشار إليها بإصبع الاتهام.

"هذا صحيح."

---

مع اقتراب فترة الظهيرة، بدأ الجميع يشعر بشيء من الراحة بعد تجاوز ساعات البداية الأولى.

جلس بعض أفراد الفريق لتناول الغداء، بينما بقي آخرون يناقشون تفاصيل العمل.

اختارت سكينة الجلوس قليلاً بعيداً عن الضجيج.

لكن لم يمر وقت طويل حتى ظهر بين حاملاً صحنه.

"هل هذا المقعد محجوز؟"

رفعت حاجبها.

"لا."

جلس مباشرة.

"ممتاز."

نظرت إليه للحظة.

"أنت تتحدث كثيراً."

ضحك بصوت خافت.

"وأنت أول شخص يقولها لي اليوم."

"اليوم فقط؟"

"حسناً... هذا الأسبوع."

هزت رأسها وهي تخفي ابتسامة صغيرة.

وللمرة الأولى منذ بداية المشروع، بدأت تشعر أن الأسابيع القادمة قد لا تكون مجرد عمل متواصل كما كانت تتوقع. فبين الجداول والمعدات والكاميرات، كانت هناك أيضاً شخصيات جديدة ستقضي معها وقتاً طويلاً، وما زال أمامها الكثير لتتعرف عليه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • طغيان الذئب    الفصل 13

    في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية

  • طغيان الذئب    الفصل 12

    لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك

  • طغيان الذئب    الفصل 11

    استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت

  • طغيان الذئب    الفصل 10

    لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م

  • طغيان الذئب    الفصل 9

    استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه

  • طغيان الذئب    الفصل 8

    الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status