LOGINكان الاستوديو داخل مقر شركة بروميثيوس يعج بالحركة منذ الصباح الباكر. معدات الإضاءة تُنقل من زاوية إلى أخرى، المصورون يراجعون إعداداتهم بدقة، وأعضاء الفريق يضعون اللمسات الأخيرة على جدول التصوير الخاص بالحملة الجديدة. رغم أن المكان واسع ومنظم، إلا أن كثافة النشاط كانت تعطيه طابعاً أقرب إلى فوضى منظمة لا تهدأ.
وسط هذا الجو، كان بين يتنقل بين الطاولات والكراسي والكاميرات وكأنه جزء طبيعي من المكان منذ البداية. لم يكن يكتفي بالوقوف أمام العدسة فقط، بل كان يتدخل أحياناً في التفاصيل الصغيرة الخاصة بالإضاءة أو ترتيب الخلفيات، بطريقة تبدو عفوية أكثر منها تدخلية. توقف للحظة قرب أحد الفنيين وهو يثبت أحد أعمدة الإضاءة، ثم قال وهو يراقب الزاوية: "إذا بقيت بهذا الميل، ستظهر الظلال بشكل غير متوازن في اللقطة." رفع الفني رأسه نحوه باستغراب خفيف، قبل أن يرد أحد زملائه من بعيد: "لا تلتفت له كثيراً، بين يعتقد أنه المخرج والمصور والفني في نفس الوقت." ابتسم بين بهدوء وقال دون أن يرفع نظره: "أنا فقط أحاول أن أتجنب إعادة التصوير خمس مرات بسبب خطأ بسيط." ضحك بعض الموجودين، بينما اكتفى الفني بهز رأسه ومواصلة عمله. لم يكن أحد داخل الاستوديو يتعامل مع بين كعنصر دخيل. على العكس، كان وجوده مألوفاً لدرجة أنه أصبح جزءاً من إيقاع المكان اليومي. فهو من فريق العارضين في الشركة، لكنه قضى سنوات طويلة داخلها حتى أصبح يفهم طريقة عمل كل قسم تقريباً، من التصوير إلى الإخراج وحتى الإضاءة. بعد فترة قصيرة، بدأت جلسة التصوير الرسمية. وقف بين أمام الكاميرا بثقة واضحة، يتحرك بسلاسة مع توجيهات المصور الذي كان يغير الزوايا باستمرار. لم يكن يحتاج إلى وقت طويل للتأقلم، فقد اعتاد هذا النوع من العمل حتى أصبح يبدو وكأنه يؤديه بلا تفكير. "أبطئ الحركة قليلاً." "هكذا؟" "نعم، ممتاز… استمر." لكن قبل أن تلتقط الصورة التالية، سُمع صوت من خلف الكاميرا: "بين، لا تحاول التحدث مع العدسة هذه المرة." رفع بين حاجبه قائلاً بابتسامة خفيفة: "أنا لا أتحدث مع العدسة، أنا فقط أساعدها على فهم التعبير." انفجر الفريق القريب بالضحك، بينما هز المصور رأسه مستسلماً واستمر في العمل. انتهت الجلسة بعد وقت قصير، فتنهد بين وهو يتجه نحو زاوية الاستراحة داخل الاستوديو. جلس على أحد المقاعد، وأخذ زجاجة ماء، ثم أخرج هاتفه يتفقده لثوانٍ دون تركيز حقيقي. لم تمضِ دقائق حتى دخل نيك من الباب الجانبي حاملاً جهازاً لوحياً. "أخيراً وجدتك." رفع بين رأسه وقال: "كنت مختبئاً؟" "كنت أتجنبك." "هذا صعب جداً في هذا المكان." جلس نيك أمامه ووضع الجهاز على الطاولة. "لدينا تعديل على حملة الأسبوع القادم." أخذ بين رشفة ماء وقال: "تعديل بسيط أم كارثة جديدة؟" "يعتمد على نظرتك للأمور." قبل أن يرد، سُمع صوت خطوات قادمة. ظهر ويل من الممر وهو يحمل ملفاً ورقياً. "يبدو أن الجو أصبح أكثر نشاطاً من المعتاد." أشار بين إلى نيك قائلاً: "هذا لأنه قرر إدخال التوتر إلى يومي." رد نيك فوراً: "أنا أحاول إنقاذ الجدول الزمني." جلس ويل بجانبهما وفتح الملف بهدوء. "ركزوا. لدينا ضغط كبير هذا الأسبوع، ولا نريد أي تأخير إضافي." تنهد بين وقال: "كل أسبوع تقولون الشيء نفسه." أجاب ويل دون تردد: "لأن كل أسبوع يحدث الشيء نفسه." صمت قصير ساد بينهم، قبل أن يضيف بين بابتسامة خفيفة: "إذن المشكلة ليست فينا… بل في تكرار الأسبوع نفسه." رفع ويل نظره نحوه: "أنت لا تأخذ أي شيء بجدية، أليس كذلك؟" رد بين وهو يميل إلى الخلف: "آخذ الحياة بجدية أكثر من اللازم يؤدي إلى نتائج مملة." لم يعلق أحد، لكن الأجواء ظلت خفيفة رغم ضغط العمل. بعد لحظات، رن هاتف بين. ألقى نظرة على الشاشة وابتسم: "وارن." رفع نيك حاجبه فوراً: "ابدأ العدّ التنازلي." أجاب بين المكالمة مباشرة: "صباح الخير يا وارن." جاء صوت وارن هادئاً كعادته: "أين أنت؟" نظر بين حوله للحظة ثم قال: "في المكان الذي تدفع فيه الشركة الفواتير لتكون فيه." "الاستوديو." "تقريباً." ساد صمت قصير قبل أن يقول وارن: "تعال إلى مكتبي." رفع بين حاجبه قليلاً: "هل هذا طلب أم أمر إداري؟" "تعال فقط." أغلق وارن الخط مباشرة. نظر بين إلى الهاتف ثم ابتسم: "أعتقد أنه يفتقدني." رد نيك فوراً: "أو يريد أن يسترجع هدوءه." وقف بين وهو يلتقط سترته. "سأذهب قبل أن يتحول الأمر إلى تحقيق رسمي." "فكرة جيدة." اتجه نحو الباب بينما استمر الفريق في العمل كأن شيئاً لم يتغير. ورغم المزاح المستمر، كان واضحاً أن وجود بين داخل هذا المكان لا يمر دون أن يترك أثراً، سواء في طريقة العمل أو في توازن العلاقات داخل الشركة. خرج من الاستوديو بخطوات هادئة، متجهاً نحو المصعد، بينما كان يفكر فقط في سبب استدعاء وارن له هذه المرة، دون أن يعطي الأمر أكثر مما يستحق.في صباح اليوم التالي، بدا أن وتيرة العمل عادت إلى طبيعتها ظاهرياً، لكن ذلك الانطباع لم يدم طويلاً.منذ الساعات الأولى، كانت الحركة داخل القاعة المخصصة للأزياء أكثر توتراً من المعتاد. المصممون يتنقلون بين الرفوف، والمساعدون يراجعون القوائم أكثر من مرة، بينما ظهرت على وجوه بعض المسؤولين ملامح انشغال لم تكن موجودة خلال الأيام السابقة.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها، ثم توقفت تلقائياً عندما لاحظت مجموعة صغيرة من الموظفين يتحدثون بصوت منخفض قرب أحد الصناديق الكبيرة.لم تسمع كل ما قيل، لكنها التقطت كلمات متفرقة."هذا هو الصندوق الثالث...""لا يمكن استخدام هذه القطع...""المقاسات مختلفة عن الطلب..."عقدت حاجبيها قليلاً قبل أن تتابع طريقها.في الجهة الأخرى من القاعة، كان ويل يقف مع اثنين من المسؤولين عن الأزياء وهو يراجع بعض الأوراق.على غير عادته، بدا أكثر جدية من المعتاد.أما نيك فكان يقلب إحدى القطع بين يديه وهو يراقب الخياطة الداخلية باهتمام واضح.اقترب بين من سكينة حاملاً كوب قهوة."هل أنا الوحيد الذي يشعر أن الجميع يتصرفون وكأن العالم سينتهي اليوم؟"نظرت حولها."لا أعرف."خفض صوته
كان المساء قد بدأ يهبط ببطء على المجمع الساحلي، لكن العمل لم يتوقف تماماً. فقط تغيّر إيقاعه؛ من حركة سريعة ومزدحمة إلى تركيز أثقل وأكثر دقة، وكأن الجميع صار يدرك أن كل دقيقة في هذا المشروع تُحسب بطريقة مختلفة.في القاعة الرئيسية، كانت المعدات تُعاد إلى أماكنها بعد نهاية مرحلة التصوير التجريبي. بعض الفنيين بدأوا يفككون الإضاءة، وآخرون يراجعون اللقطات الأخيرة على الشاشات الصغيرة قبل أرشفتها. أصوات الحديد الخفيف، واحتكاك الحوامل، ونقرات الأجهزة كانت الخلفية الوحيدة التي تملأ المكان.سكينة بقيت قرب إحدى الطاولات، تتصفح الصور التي التقطتها خلال اليوم. لم تكن تبحث عن “لقطة جميلة” فقط، بل كانت تعيد قراءة ما حدث بصرياً: كيف تغير الضوء خلال ساعات، وكيف انعكس على الوجوه والحركة، وكيف أن نفس المشهد يمكن أن يعطي إحساساً مختلفاً تماماً إذا تغيّرت زاوية بسيطة.اقترب نيك منها وهو يحمل جهازه اللوحي."ما رأيك في اليوم؟" سأل وهو ينظر إلى الشاشة.رفعت عينيها دون أن تتوقف عن التصفح."مرهق، لكنه ناجح."أومأ بسرعة."هذا أفضل نوع من الأيام."ثم أضاف بعد لحظة:"غداً سيكون أصعب."نظرت إليه."دائماً تقول هذا."
في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما الي
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم
مرّت الأيام التالية بوتيرة طبيعية بالنسبة لسكينة، لكنها لم تكن خالية تماماً من الفضول. خلال الأسبوع الذي سبق انطلاق المشروع، كانت تذهب إلى عملها المعتاد في الاستوديو، وتعود مساءً إلى الشقة التي تتقاسمها مع فاطمة، بينما كانت تفاصيل مشروع بروميثيوس تظهر شيئاً فشيئاً عبر الرسائل والمكالمات التنظيمية.
في صباح هادئ نسبياً داخل الدار البيضاء، كانت الشقة الصغيرة التي تتقاسمها سكينة مع فاطمة تعيش إيقاعها المعتاد. لا شيء يوحي بأن هذا اليوم سيختلف عن الأيام السابقة، سوى ذلك الشعور الخفيف الذي يسبق أحياناً تغيرات لا ننتبه إليها إلا بعد وقوعها. داخل الشقة، كانت فاطمة تتحرك بين المطبخ وغرفة الجلوس وهي







