Share

الفصل 5

last update publish date: 2026-06-05 23:47:17

كان الاستوديو داخل مقر شركة بروميثيوس يعج بالحركة منذ الصباح الباكر. معدات الإضاءة تُنقل من زاوية إلى أخرى، المصورون يراجعون إعداداتهم بدقة، وأعضاء الفريق يضعون اللمسات الأخيرة على جدول التصوير الخاص بالحملة الجديدة. رغم أن المكان واسع ومنظم، إلا أن كثافة النشاط كانت تعطيه طابعاً أقرب إلى فوضى منظمة لا تهدأ.

وسط هذا الجو، كان بين يتنقل بين الطاولات والكراسي والكاميرات وكأنه جزء طبيعي من المكان منذ البداية. لم يكن يكتفي بالوقوف أمام العدسة فقط، بل كان يتدخل أحياناً في التفاصيل الصغيرة الخاصة بالإضاءة أو ترتيب الخلفيات، بطريقة تبدو عفوية أكثر منها تدخلية.

توقف للحظة قرب أحد الفنيين وهو يثبت أحد أعمدة الإضاءة، ثم قال وهو يراقب الزاوية:

"إذا بقيت بهذا الميل، ستظهر الظلال بشكل غير متوازن في اللقطة."

رفع الفني رأسه نحوه باستغراب خفيف، قبل أن يرد أحد زملائه من بعيد:

"لا تلتفت له كثيراً، بين يعتقد أنه المخرج والمصور والفني في نفس الوقت."

ابتسم بين بهدوء وقال دون أن يرفع نظره:

"أنا فقط أحاول أن أتجنب إعادة التصوير خمس مرات بسبب خطأ بسيط."

ضحك بعض الموجودين، بينما اكتفى الفني بهز رأسه ومواصلة عمله.

لم يكن أحد داخل الاستوديو يتعامل مع بين كعنصر دخيل. على العكس، كان وجوده مألوفاً لدرجة أنه أصبح جزءاً من إيقاع المكان اليومي. فهو من فريق العارضين في الشركة، لكنه قضى سنوات طويلة داخلها حتى أصبح يفهم طريقة عمل كل قسم تقريباً، من التصوير إلى الإخراج وحتى الإضاءة.

بعد فترة قصيرة، بدأت جلسة التصوير الرسمية. وقف بين أمام الكاميرا بثقة واضحة، يتحرك بسلاسة مع توجيهات المصور الذي كان يغير الزوايا باستمرار. لم يكن يحتاج إلى وقت طويل للتأقلم، فقد اعتاد هذا النوع من العمل حتى أصبح يبدو وكأنه يؤديه بلا تفكير.

"أبطئ الحركة قليلاً."

"هكذا؟"

"نعم، ممتاز… استمر."

لكن قبل أن تلتقط الصورة التالية، سُمع صوت من خلف الكاميرا:

"بين، لا تحاول التحدث مع العدسة هذه المرة."

رفع بين حاجبه قائلاً بابتسامة خفيفة:

"أنا لا أتحدث مع العدسة، أنا فقط أساعدها على فهم التعبير."

انفجر الفريق القريب بالضحك، بينما هز المصور رأسه مستسلماً واستمر في العمل.

انتهت الجلسة بعد وقت قصير، فتنهد بين وهو يتجه نحو زاوية الاستراحة داخل الاستوديو. جلس على أحد المقاعد، وأخذ زجاجة ماء، ثم أخرج هاتفه يتفقده لثوانٍ دون تركيز حقيقي.

لم تمضِ دقائق حتى دخل نيك من الباب الجانبي حاملاً جهازاً لوحياً.

"أخيراً وجدتك."

رفع بين رأسه وقال:

"كنت مختبئاً؟"

"كنت أتجنبك."

"هذا صعب جداً في هذا المكان."

جلس نيك أمامه ووضع الجهاز على الطاولة.

"لدينا تعديل على حملة الأسبوع القادم."

أخذ بين رشفة ماء وقال:

"تعديل بسيط أم كارثة جديدة؟"

"يعتمد على نظرتك للأمور."

قبل أن يرد، سُمع صوت خطوات قادمة. ظهر ويل من الممر وهو يحمل ملفاً ورقياً.

"يبدو أن الجو أصبح أكثر نشاطاً من المعتاد."

أشار بين إلى نيك قائلاً:

"هذا لأنه قرر إدخال التوتر إلى يومي."

رد نيك فوراً:

"أنا أحاول إنقاذ الجدول الزمني."

جلس ويل بجانبهما وفتح الملف بهدوء.

"ركزوا. لدينا ضغط كبير هذا الأسبوع، ولا نريد أي تأخير إضافي."

تنهد بين وقال:

"كل أسبوع تقولون الشيء نفسه."

أجاب ويل دون تردد:

"لأن كل أسبوع يحدث الشيء نفسه."

صمت قصير ساد بينهم، قبل أن يضيف بين بابتسامة خفيفة:

"إذن المشكلة ليست فينا… بل في تكرار الأسبوع نفسه."

رفع ويل نظره نحوه:

"أنت لا تأخذ أي شيء بجدية، أليس كذلك؟"

رد بين وهو يميل إلى الخلف:

"آخذ الحياة بجدية أكثر من اللازم يؤدي إلى نتائج مملة."

لم يعلق أحد، لكن الأجواء ظلت خفيفة رغم ضغط العمل.

بعد لحظات، رن هاتف بين.

ألقى نظرة على الشاشة وابتسم:

"وارن."

رفع نيك حاجبه فوراً:

"ابدأ العدّ التنازلي."

أجاب بين المكالمة مباشرة:

"صباح الخير يا وارن."

جاء صوت وارن هادئاً كعادته:

"أين أنت؟"

نظر بين حوله للحظة ثم قال:

"في المكان الذي تدفع فيه الشركة الفواتير لتكون فيه."

"الاستوديو."

"تقريباً."

ساد صمت قصير قبل أن يقول وارن:

"تعال إلى مكتبي."

رفع بين حاجبه قليلاً:

"هل هذا طلب أم أمر إداري؟"

"تعال فقط."

أغلق وارن الخط مباشرة.

نظر بين إلى الهاتف ثم ابتسم:

"أعتقد أنه يفتقدني."

رد نيك فوراً:

"أو يريد أن يسترجع هدوءه."

وقف بين وهو يلتقط سترته.

"سأذهب قبل أن يتحول الأمر إلى تحقيق رسمي."

"فكرة جيدة."

اتجه نحو الباب بينما استمر الفريق في العمل كأن شيئاً لم يتغير. ورغم المزاح المستمر، كان واضحاً أن وجود بين داخل هذا المكان لا يمر دون أن يترك أثراً، سواء في طريقة العمل أو في توازن العلاقات داخل الشركة.

خرج من الاستوديو بخطوات هادئة، متجهاً نحو المصعد، بينما كان يفكر فقط في سبب استدعاء وارن له هذه المرة، دون أن يعطي الأمر أكثر مما يستحق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • طغيان الذئب    الفصل 13

    في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية

  • طغيان الذئب    الفصل 12

    لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك

  • طغيان الذئب    الفصل 11

    استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت

  • طغيان الذئب    الفصل 10

    لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م

  • طغيان الذئب    الفصل 9

    استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه

  • طغيان الذئب    الفصل 8

    الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status