LOGINفي صباح هادئ نسبياً داخل الدار البيضاء، كانت الشقة الصغيرة التي تتقاسمها سكينة مع فاطمة تعيش إيقاعها المعتاد. لا شيء يوحي بأن هذا اليوم سيختلف عن الأيام السابقة، سوى ذلك الشعور الخفيف الذي يسبق أحياناً تغيرات لا ننتبه إليها إلا بعد وقوعها.
داخل الشقة، كانت فاطمة تتحرك بين المطبخ وغرفة الجلوس وهي ترتب بعض الأغراض قبل الخروج، بينما كانت سكينة قرب باب غرفتها تراجع محتويات حقيبة الكاميرا الخاصة بها للمرة الأخيرة. "هل ستعودين متأخرة اليوم أيضاً؟" سألت فاطمة وهي تخرج من المطبخ. رفعت سكينة نظرها وأجابت بهدوء: "لا أعلم، حسب ضغط العمل." تنهدت فاطمة بتصنع واضح. "يعني نعم." ضحكت سكينة بخفة وهزت رأسها. "سأحاول العودة مبكراً." "أنتِ تقولين ذلك دائماً." أغلقت سكينة حقيبتها ثم التقطتها من فوق الكرسي. "ومع ذلك تستمرين في سؤالي كل صباح." ابتسمت فاطمة وهي تتجه نحو الباب. "لأنني ما زلت أملك أملاً." خرجتا معاً من الشقة، ثم افترقتا بعد دقائق في الطريق، كل واحدة منهما متجهة إلى يومها الخاص. كانت الدار البيضاء قد بدأت تستيقظ بالكامل. ازدحام الطرقات يزداد تدريجياً، وأصوات السيارات والبائعين تختلط بحركة الناس المستعجلة. سكينة كانت تسير وسط هذا كله بعين مختلفة قليلاً؛ عين اعتادت ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون. بعد وصولها إلى الاستوديو الذي تعمل معه بشكل دائم، لم تمض سوى دقائق قليلة حتى أخبرها أحد الموظفين أن المدير يريد التحدث معها. استغربت الأمر قليلاً، لكنها توجهت نحو المكتب مباشرة. طرقت الباب ثم دخلت. "صباح الخير." رفع المدير رأسه عن الأوراق أمامه. "صباح الخير يا سكينة، اجلسي." جلست أمامه بهدوء وهي تنتظر معرفة السبب. أغلق الملف الذي كان يراجعه ووضعه جانباً. "وصلنا قبل يومين طلب تعاون من شركة إنتاج أجنبية تعمل على مشروع دولي كبير سيتم تنفيذه في المغرب." بقيت سكينة صامتة وهي تستمع. تابع الرجل: "كانوا يبحثون عن عدد من المصورين المحليين للمشاركة في بعض مراحل المشروع، وبعد مراجعة الأعمال التي قدمناها لهم، وقع الاختيار عليك ضمن الأسماء المرشحة." عقدت حاجبيها قليلاً. "ضمن الأسماء المرشحة؟" "نعم، لكن بنسبة كبيرة سيتم اعتمادك بشكل رسمي." ودفع نحوها ملفاً رقيقاً. أخذته وبدأت تتصفح محتوياته بسرعة. لم تكن التفاصيل كثيرة، لكنها كانت كافية لتدرك أن الأمر يتعلق بمشروع أكبر من الأعمال المعتادة التي تنجزها. "ما اسم الشركة؟" أجاب المدير: "بروميثيوس للإنتاج." رفعت عينيها نحوه للحظة قصيرة. الاسم لم يكن مألوفاً لديها بشكل كامل، لكنها شعرت أنه اسم لشركة كبيرة. "ومتى يبدأ العمل؟" "خلال الأسبوع المقبل. ما زالت هناك بعض التحضيرات والاجتماعات التنظيمية." أغلقت الملف بهدوء. "وهل هناك مقابلة قبل ذلك؟" "ربما مراجعة قصيرة أو اجتماع تعريفي فقط، لم تصلنا التفاصيل النهائية بعد." أومأت برأسها. "حسناً." ابتسم المدير ابتسامة بسيطة. "أردت فقط إخبارك مبكراً حتى تكوني مستعدة." نهضت سكينة بعد انتهاء الحديث وغادرت المكتب، لكنها لم تتجه مباشرة إلى قاعة التصوير. توقفت للحظات في الممر وهي تنظر إلى الملف بين يديها. لم تكن من الأشخاص الذين يقفزون إلى الاستنتاجات أو يبنون أحلاماً كبيرة من خبر واحد، لكن فضولها كان قد استيقظ بالفعل. أعادت الملف إلى حقيبتها، ثم عادت إلى عملها اليومي. خلال الساعات التالية انشغلت بالتصوير كعادتها، متنقلة بين الزبائن واللقطات المختلفة، لكن اسم الشركة الجديدة ظل عالقاً في ذهنها بين الحين والآخر. --- في الجهة الأخرى من العالم، وتحديداً في لندن، كان صباح وارن يسير وفق جدوله المعتاد. داخل المقر الرئيسي لشركة بروميثيوس، كانت الحركة لا تتوقف. فرق الإنتاج، الاجتماعات، الاتصالات الدولية، والملفات المتراكمة فوق المكاتب؛ كلها جزء طبيعي من يوم العمل. كان وارن جالساً في مكتبه يراجع ملفات المشروع الدولي الجديد عندما دخل ويل حاملاً مجموعة من الأوراق. "هناك تعديل جديد في الجدول." رفع وارن نظره. "ما نوع التعديل؟" "الفريق المسؤول عن التحضيرات في المغرب طلب وقتاً إضافياً قبل بدء التنفيذ." أغلق وارن الملف الذي أمامه. "كم المدة؟" "عدة أيام فقط." وقبل أن يكمل ويل حديثه، دخل نيك إلى المكتب كعادته دون انتظار الإذن. "إذا كنت ستعترض، فأنا أؤيد هذا التعديل بالكامل." نظر إليه وارن بهدوء. "لم أعترض بعد." جلس نيك على المقعد المقابل. "المشروع كبير، وكلما أعطينا الفريق وقتاً أفضل كانت النتيجة أقوى." تنهد ويل قائلاً: "وأنا سأبقى الشخص الذي يعيد ترتيب الجداول بعد ذلك." ابتسم نيك. "كل شخص لديه معاناته الخاصة." قبل أن يرد ويل، فتح الباب مجدداً ودخل بين. "أشعر أنني دخلت في منتصف نقاش أعرف نتيجته مسبقاً." قال وارن دون أن يرفع رأسه: "إذا كنت هنا للمزاح، اخرج." ضحك بين وجلس على أقرب مقعد. "للأسف أنا هنا للعمل." ثم وضع ملفاً فوق المكتب. "وصلت قائمة الأسماء المحلية المقترحة من الفريق في المغرب." أخذ وارن الملف وبدأ يتصفحه. كانت مجرد أسماء بالنسبة له في هذه المرحلة. مصورون، فنيون، ومساعدون سيتم اختيارهم للمشروع. أغلق الملف بعد لحظات ووضعه جانباً. "ليكمل الفريق هناك الترتيبات اللازمة." أومأ ويل بالموافقة، بينما عاد نيك للحديث عن بعض التعديلات الإبداعية الخاصة بالحملة القادمة. استمر الاجتماع بعد ذلك في مناقشة الجداول الزمنية، أما قائمة الأسماء المحلية فقد انتقلت إلى بقية الملفات فوق المكتب دون أن تحظى باهتمام إضافي في ذلك اليوم. ومع اقتراب نهاية الدوام، كان كل طرف منهم منشغلاً بما ينتظره خلال الأيام القادمة، بينما بقي المشروع في مرحلة التحضير ولم تبدأ أي من خطواته الميدانية بعد.في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه






