تسجيل الدخولالفصل السادس والسبعون خيم صمت جنائزي على "غرفة النواة" في المحطة المدارية (القلعة المعلقة)، صمت أثقل من فراغ الفضاء الذي يحيط بهم. الشاشات التي كانت تعرض قبل لحظات وجه "طارق الحديدي" انطفأت، لتترك خلفها انعكاساً مشوهاً لوجه "سلمى" المحتقن بغضب أسود، غضب يتجاوز كل ما عرفته البشرية من قسوة.كان "صقر الجارحي" يقف متسمراً عند الباب، وبندقيته تتدلى من يده. لأول مرة منذ أن عرف سلمى، رأى في عينيها طيفاً من الماضي؛ طيف الفتاة التي كانت ترتعد في أقبية طارق الحديدي. لكن هذا الطيف لم يدم سوى كسر من الثانية، قبل أن يبتلعه "القيصر"."كيف؟" كسر صقر الصمت، وصوته الأجش يرتجف بنبرة كفر بما رآه. "لقد دمرنا قصره! لقد رأيته يحترق أمام عيني! الجثة التي وجدناها...""كانت بيدقاً آخر، يا صقر..." قاطعته سلمى بصوت هادئ، هدوء ما قبل الانفجار الكوني. "بيدقاً خضع لجراحات تجميلية ليطابق وجهه، وتعديل جيني ليطابق حمضه النووي. طارق لا يحترق... طارق هو من يشعل الحرائق، ويجلس في الظل ليستمتع بالرماد."تقدمت سلمى نحو "عمر" الممدد على الأرضية المعدنية. كان جسده ينتفض بتشنجات عنيفة، والوهج الأزرق في عينه الصناعية بدأ يتح
الفصل الخامس والسبعون مرت ستة أشهر على "يوم الخضوع". ستة أشهر منذ أن ركع العالم العلوي تحت أقدام "نقابة الأشباح"، وتحولت "سلمى" من طريدة في شوارع الهاوية إلى الإمبراطورة المطلقة التي تدير الكوكب بأسره.لم تختر سلمى عاصمة تقليدية لحكمها؛ القصور تبنيها الدول التي تخشى السقوط، أما القيصر فقد بنى "القلعة المعلقة" (The Zenith) — محطة مدارية مصغرة تحلق في طبقات الجو العليا، متخفية عن كل رادارات الأرض، ومحصنة بتكنولوجيا "العمق" التي انتشلها "عمر" من قاع المحيط قبل تدميرها. من هناك، كانت تراقب العالم كإله غاضب يمسك بخيوط الحياة والموت.في قاعة العرش المدارية، كانت الجدران زجاجية بالكامل، تمنح إطلالة مرعبة ومذهلة على كوكب الأرض الذي تغطيه السحب. وقفت سلمى، ترتدي حلة سوداء عسكرية تعكس سيادتها المطلقة، تراقب عواصف الأرض بهدوء. لم تعد هناك حروب أهلية، فقد سحقتها قوات "العقارب" بلا رحمة. لم يعد هناك جوع مفرط، لأن النقابة أعادت توزيع الموارد بقبضة من حديد. تحقق السلام، لكنه كان سلام المقابر.ُفُتح الباب الهيدروليكي للقاعة، ليدخل "صقر الجارحي". لم يعد مجرد قناص أو قائد مرتزقة؛ لقد أصبح "المارشال ال
الفصل الرابع والسبعون مرت ستون يوماً على سقوط "المحاكم" في قبو سفالبارد الجليدي. ستون يوماً كانت كافية لتُعيد البشرية إلى عصورها المظلمة.الأسواق المالية العالمية انهارت تماماً، والعملات الورقية فقدت قيمتها لتصبح مجرد قصاصات تذروها رياح الخراب في شوارع العواصم الكبرى. الحكومات التي استمدت قوتها يوماً من أموال "الجمجمة المتوجة" وحماية "المنفذين الصامتين" تهاوت كأحجار الدومينو أمام غضب شعوبها الجائعة والمرعوبة. الجيوش النظامية تفككت، وتحولت المدن إلى إقطاعيات تديرها عصابات مسلحة وميليشيات تتناحر على ما تبقى من موارد.كان العالم العلوي قد وصل إلى حافة الهاوية التي رسمتها "سلمى" بدقة متناهية. لقد تذوقوا مرارة الفوضى المطلقة، وأدركوا أن حريتهم المزعومة لم تكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها وحشية الإنسان البدائي.في قلب جنيف، حيث يقع المقر الأوروبي للأمم المتحدة، تجمع ما تبقى من زعماء العالم وقادة الجيوش في قاعة الجمعية العامة. لم يكن اجتماعاً لرسم سياسات، بل كان مأتماً دولياً. كانوا يبحثون بيأس عن مخرج، عن أي قوة قادرة على إعادة النظام، بعد أن أدركوا أن مفاتيح الترسانات النووية وأنظمة الاتصالا
الفصل الثالث والسبعون كان الصمت في قبو سفالبارد الجليدي ثقيلاً، لا يقطعه سوى أزيز خوادم "المحاكم" التي أصبحت الآن تنبض بأوامر القيصر الجديد. جلست "سلمى" على الكرسي الجلدي الذي كان يوماً ملكاً للقاضي ريختر، تنظر إلى جثته الملقاة على الأرضية المعدنية بعينين لا تحملان أي ندم، ولا أي نشوة. لقد انتهت رحلة الدم والانتقام، وبدأت رحلة الحكم.تقدم "عمر" نحو الخوادم المركزية، ووصل كابله السيبراني بالمنفذ الرئيسي. أغمض عينه البشرية، بينما توهجت عينه الصناعية بوهج أزرق ساطع. كان يسبح الآن في محيط من البيانات التي حكمت العالم السري والعلوي لقرون."الأمر مذهل يا سلمى..." همس عمر، وصوته يرتجف برهبة غير مسبوقة. "نحن لا نملك الآن مجرد أموال وحسابات بنكية. نحن نملك الشيفرات النووية، شبكات الأقمار الصناعية العسكرية، والملفات السوداء لكل رئيس دولة وبرلمان على وجه الأرض. العالم كله يقبع الآن داخل هذه الشاشات.""العالم كان دائماً يقبع في شاشاتهم،" قالت سلمى بهدوء، وهي تستند بمرفقيها على المكتب الزجاجي. "لكنهم كانوا جبناء. كانوا يستخدمون هذه القوة للحفاظ على 'التوازن' وحماية عروشهم الوهمية. نحن لن نحافظ
الفصل الثاني والسبعون مرت خمسة أيام منذ أن ابتلع خندق "كاليبسو" إمبراطورية "العمق" والعجوز ذي المعطف الكشميري. في تلك الأيام الخمسة، كان العالم العلوي يختنق برماده. العواصم الكبرى تحولت إلى ساحات قتال بين قوات مكافحة الشغب والجماهير الغاضبة، والبورصات العالمية انهارت تماماً بعد الكشف عن أرصدة "المنفذين الصامتين". كانت الفوضى التي تنبأت بها "سلمى" تتشكل بحذافيرها، وكأن الكوكب بأسره كان يرقص على إيقاع معزوفة الموت التي ألفتها.تحت السطح الهادئ لبحر الشمال، كانت غواصة "الليفياثان" السوداء تشق المياه الجليدية كشبح لا ترصده أعتى الرادارات. تحولت قمرة القيادة في الغواصة إلى غرفة عمليات مركزية لـ "نقابة الأشباح"."لقد وجدته،" قال "عمر"، وصوته الآلي يكسر صمت القمرة. كانت عينه الصناعية تومض ببريق أزرق وهو يحدق في خريطة هولوغرافية ثلاثية الأبعاد ظهرت فوق طاولة التخطيط. "لم يكن ريختر ليختبئ في قاعدة عسكرية تقليدية. لقد تتبعت آخر بروتوكول اتصال مشفر، 'بروتوكول أوميغا'. إنه ينبعث من نقطة معزولة تماماً في جزيرة 'سبيتسبيرغن' بأرخبيل سفالبارد النرويجي."اقترب "صقر الجارحي"، ونظر إلى النقطة الحمراء
الفصل الواحد والسبعون شق وحش "الليفياثان" الأسود سطح البحر الأبيض المتوسط، نافثاً سحابة كثيفة من الرذاذ والماء المالح كحوت معدني عملاق يلفظ أنفاس الهاوية. كانت خيوط الفجر الأولى تمزق سماء الليل، لترسم لوحة سريالية من الألوان الدافئة التي تناقضت تماماً مع برودة الموت التي تركوها للتو في قاع خندق "كاليبسو".انفتح الغطاء العلوي للغواصة الشبحية، ليصعد "صقر الجارحي" أولاً، ساحباً هواء الصباح النقي إلى رئتيه المنهكتين. خلع خوذته التكتيكية، ومسح مزيج العرق والدماء عن وجهه الذي بدا وكأنه هرم عشر سنوات في ليلة واحدة."لم أظن يوماً أنني سأفرح برؤية الشمس إلى هذا الحد،" تمتم صقر بصوته الخشن، وهو ينظر إلى الأمواج الهادئة.خلفه، صعدت "سلمى". لم تكن تلهث، ولم تبدُ عليها علامات الإعياء رغم المعركة الأسطورية التي خاضتها. كانت سترتها التكتيكية ممزقة، والدماء—التي لم تكن دماءها—تغطي يديها ووجهها، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق نقي ومخيف؛ بريق إله جديد ينظر إلى مملكته بعد أن أحرق القديمة.أخيراً، خرج "عمر"، يسند ذراعه السيبرانية التي كانت تصدر شرراً خفيفاً بعد أن استهلكت أقصى طاقتها في اختراق شبكة "






![مُقَيَّدة بزعيم المافيا [ الكتاب الأول من سلسلة«Entangled»]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)
