Share

الـــــفــــصل 04

Author: Eve
last update publish date: 2026-09-03 00:29:48

في صباح اليوم التالي، وصلت بطاقة دعوة فاخرة إلى منزل آل كونتي، مطرزة بحواف ذهبية، تحمل شعار عائلة "بيلوتشي" — إحدى أعرق العائلات الإيطالية القديمة، وأصدقاء والد إيزابيلا منذ عقود. كان العشاء هذه المرة أكثر من مجرد دعوة اجتماعية؛ كان فرصة أخيرة قد تنقذ ما تبقى من شركة فينشنزو المتهالكة، إذ كان من المتوقع حضور عدد من كبار المستثمرين.

"يجب أن يبدو كل شيء مثاليًا الليلة،" قالت فيتوريا وهي تراجع قائمة الضيوف بقلق واضح. "سمعتنا على المحك."

نظرت إيزابيلا إلى ليوناردو الجالس في الطرف الآخر من الصالة، صامتًا كعادته، يقرأ جريدة اقتصادية بتركيز.

"هل ستأتي معنا الليلة؟" سألته بفتور، وكأنها تسأل عن التزام روتيني لا أكثر.

رفع عينيه عن الجريدة ببطء. "بالطبع. أنا زوجك، أليس كذلك؟"

لم تجب. اكتفت بالإيماء وابتعدت.

في المساء، وبينما كانت إيزابيلا تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها أمام المرآة، طرق أحد الخدم الباب حاملاً بدلة سوداء أنيقة لليوناردو، أرسلها فينشنزو خصيصًا من أحد أفضل الخياطين في المدينة.

"والدك يصر أن ترتديها الليلة، سيدي،" قال الخادم بأدب. "قال إنها هدية شكر بسيطة."

حين نزل ليوناردو أخيرًا إلى الصالة، توقفت إيزابيلا عن الحركة للحظة. لم يكن الرجل نفسه الذي اعتادت رؤيته بملابسه البسيطة اليومية. البدلة السوداء أبرزت قامته الطويلة، كتفيه العريضتين، وتلك الهيبة الهادئة التي كانت دائمًا موجودة لكنها اختبأت خلف ملابس متواضعة. حتى شعره، الذي كان دائمًا مرتبًا بإهمال، بدا الآن مصففًا بعناية تُظهر ملامح وجهه الحادة.

"هل هناك خطب ما؟" سألها بابتسامة خفيفة، لاحظ نظرتها المطولة.

"لا... لا شيء." استدارت بسرعة لتخفي ارتباكًا مفاجئًا لم تفهم مصدره.

وصلا إلى قصر آل بيلوتشي الفخم، حيث استُقبلا وسط أضواء الشمعدانات الذهبية وموسيقى الأوركسترا الهادئة. جلست العائلة على طاولة طويلة تتوسط القاعة، محاطة بضيوف من النخبة الاقتصادية للمدينة.

كانت فالنتينا، ابنة عم إيزابيلا، تجلس على مقربة، ترتدي فستانًا أحمر لافتًا، تراقب ليوناردو بنظرة حاقدة منذ اللحظة التي رأته فيها بتلك البدلة الأنيقة. لم يكن غضبها بسبب مظهره فقط؛ كانت تعرف — أو تظن أنها تعرف — أن رجلاً "فقيرًا" مثله لا يستحق كل هذا الاهتمام الذي بدأ الضيوف يولونه له دون وعي منهم، منجذبين لحضوره الهادئ الغامض.

مع تقديم طبق المقبلات، رأت فالنتينا فرصتها. رفعت كأسها، ونظرت مباشرة إلى ليوناردو بابتسامة يشوبها السم.

"إذن، سيد دي لوكا،" قالت بصوت عالٍ متعمد وصل إلى كل من حولهم، "أخبرنا، كيف يشعر المرء وهو يعيش على حساب زوجته الثرية؟ لا بد أن الأمر مريح جدًا... أن تنتقل من سائق إلى صهر مدلل بين ليلة وضحاها."

جمد الجميع على الطاولة. توقفت الشوك في منتصف الهواء. حتى الموسيقى الخافتة في الخلفية بدت وكأنها تتلاشى فجأة أمام حدة الصمت.

نظرت إيزابيلا إلى ليوناردو بقلق، متوقعة أن يرتبك، أن يحمرّ وجهه خجلاً كما توقع الجميع.

لكنه لم يفعل.

وضع كأس النبيذ ببطء متعمد على الطاولة، بحركة هادئة تنمّ عن سيطرة تامة على أعصابه. رفع عينيه الرماديتين ونظر إلى فالنتينا مباشرة، نظرة باردة كالجليد، لا أثر فيها لأي اهتزاز.

"أشعر أن سؤالك يكشف شيئًا أعمق بكثير مما تقصدين، فالنتينا،" قال بصوت هادئ، منخفض النبرة، لكنه يحمل حدة شفرة مصقولة. "الناس الذين يشغلون أنفسهم بمراقبة حسابات الآخرين المصرفية بهذا الاهتمام، عادة ما يفعلون ذلك لسبب واحد فقط: لأن حساباتهم الشخصية — المالية أو الإنسانية — فارغة تمامًا من أي إنجاز يستحق أن يُذكر على طاولة عشاء."

ضحك أحد كبار رجال الأعمال الجالسين قربهم ضحكة خافتة لم يستطع كتمها، ثم توقف بسرعة محاولًا استعادة رصانته. احمرّ وجه فالنتينا غضبًا وإحراجًا.

"أنا فقط أطرح سؤالًا بريئًا يا ليوناردو، لا داعي لهذا التوتر—"

"لا يوجد سؤال بريء حين تختارين توقيته عمدًا أمام طاولة كاملة من الضيوف، عزيزتي فالنتينا،" قاطعها بابتسامة رقيقة لا تصل إلى عينيه الباردتين المحدقتين فيها بثبات مقلق. "لكن لا بأس، سأجيبك بكل صدق ووضوح، بما أنك حريصة جدًا على معرفة التفاصيل: لم أطلب يومًا شيئًا من زوجتي أو من عائلتها، لا مالًا ولا مكانة. في الواقع، ولعلمك، فأنا من دفع كامل تكلفة هذا العشاء الليلة، كهدية شكر متواضعة لصديق عائلتنا القديم."

استدارت كل الأنظار نحو رب المنزل، السيد بيلوتشي، الذي أومأ برأسه بحرج واضح، مؤكدًا كلام ليوناردو دون قصد منه، ومضيفًا بصوت مسموع: "في الواقع... السيد دي لوكا كريم جدًا. أصر على تغطية تكاليف الأوركسترا والزهور أيضًا."

اختنقت فالنتينا بكلماتها التالية، شعرت بعشرات العيون تحدق فيها بازدراء صامت الآن بدلًا من ليوناردو. حاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها بدت أشبه بقناع متصدع، قبل أن تعتذر بصوت خافت وتنسحب من الطاولة بحجة "تنسيق شيء مع الخدم".

ساد صمت قصير، ثم عادت أحاديث الضيوف تدريجيًا، لكن بنبرة مختلفة هذه المرة — نبرة مليئة بفضول واحترام جديدين تجاه الرجل الهادئ الذي أسكت أشرس ألسنة المدينة بجملتين فقط.

نظرت إيزابيلا إلى زوجها طوال بقية العشاء بدهشة لم تستطع إخفاءها بالكامل. لم تكن تلك النبرة الحادة، ولا تلك الثقة الباردة المتقنة، شيئًا رأته منه من قبل خلال الأشهر الماضية. حتى طريقة جلوسه تغيرت أمام أعين الآخرين — ظهره مستقيم بثبات، كتفاه واسعتان بثقة هادئة، عيناه لا تتراجعان أمام أي نظرة تحديّ.

بعد انتهاء العشاء، وأثناء توديع الضيوف عند المدخل، اقترب منها والدها بصوت منخفض متحمس: "ثلاثة من المستثمرين طلبوا رقم هاتف زوجك الليلة، إيزابيلا. ثلاثة! قالوا إنهم معجبون بطريقة تعامله وهدوئه."

لم تعرف إيزابيلا كيف تشعر حيال ذلك.

في طريق العودة، جلسا في صمت داخل السيارة الفاخرة التي استأجرها ليوناردو خصيصًا لتلك الليلة. كسرت إيزابيلا الصمت أخيرًا:

"كيف فعلت ذلك؟"

"فعلت ماذا؟" سألها دون أن يحوّل نظره عن الطريق المضاء بأضواء المدينة الليلية.

"أسكتّ فالنتينا بجملتين فقط، أمام كل هؤلاء الناس. لم أرَ أحدًا يفعل ذلك من قبل. حتى أبي يخشى لسانها الحاد ويتجنب مواجهتها منذ سنوات."

نظر إليها بطرف عينه، وابتسم ابتسامة نصف ساخرة، نصف حزينة. "حين تقضين سنوات طويلة وأنت تُعامَلين كأنك أقل شأنًا من كل من حولك، تتعلمين أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن تنكسري تمامًا تحت وطأة الإهانات المتكررة، أو أن تتقني فن الرد المفحم دون أن ترفعي صوتك أبدًا، ودون أن تفقدي أعصابك ولو للحظة. اخترت الخيار الثاني منذ زمن بعيد."

صمتت إيزابيلا لحظة طويلة، تراقب ملامح وجهه المضاءة بشكل متقطع بأضواء الشوارع المارة، ثم سألت بفضول حقيقي هذه المرة، خالٍ من أي ازدراء سابق: "ولماذا لم تستخدم هذا... هذا الجانب منك معي؟ طوال هذه الأشهر؟ لماذا سمحت لي أن أهينك مرارًا دون أن ترد؟"

توقفت السيارة عند إشارة حمراء طويلة. نظر إليها مباشرة هذه المرة، وللحظة، بدت عيناه الرماديتان الباردتان أكثر دفئًا من أي وقت مضى، تحملان شيئًا هشًا لم تعتد رؤيته فيه.

"لأنك لم تكوني عدوّي يومًا يا إيزابيلا، ولن تكوني أبدًا. كنتِ فقط... امرأة أحاول منذ البداية أن أكسب احترامها وثقتها، لا أن أهزمها في جدال أو أثبت لها تفوقي. الرد على فالنتينا كان دفاعًا عن كرامتي أمام الغرباء. لكن معك... معك كان الأمر مختلفًا دائمًا. كنت مستعدًا لتحمل كل إهانة، طالما بقيت الأبواب بيننا مفتوحة يومًا ما، لا مغلقة إلى الأبد."

لم تعرف إيزابيلا ماذا تقول. شعرت بشيء غريب يتحرك في صدرها — دفء لم تشعر به من قبل تجاه هذا الرجل الذي بدأت تكتشف، ليلة بعد أخرى، أنها لا تعرف عنه شيئًا حقيقيًا، وأن كل ما ظنته يعرفه عنه كان مجرد قشرة رقيقة تخفي رجلاً أعمق وأقوى بكثير مما تخيلت يومًا.

عادت السيارة للحركة، والصمت بينهما هذه المرة لم يكن باردًا كالمعتاد، بل مليئًا بأسئلة كثيرة، ونظرات خاطفة متبادلة، ووعد صامت غير معلن ببداية جديدة قد تكون مختلفة عمّا سبق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 60

    عادت إيزابيلا إلى المنزل بعد ظهر ذلك اليوم، ارتياح طفيف لا يزال يرافقها من زيارتها الدافئة لكيارا، وثقل خفي من رسالتها المرسلة لستيفانو ورده المقتضب المحايد الذي وصلها قبل دقائق قليلة وهي في طريقها. مشت عبر الممر الرئيسي، صوت ضحكات طفولية خافتة تصلها من اتجاه الحديقة الخلفية، فاتجهت تلقائيًا نحو هناك، ابتسامة تتشكل على وجهها عند توقع رؤية صوفيا. وجدت الطفلة الصغيرة جالسة وحيدة على أرجوحة بسيطة معلقة بين شجرتين، لا تتأرجح، فقط جالسة بصمت غير معتاد، نظرتها شاردة نحو الأرض أمامها. "صوفيا؟" اقتربت إيزابيلا بحذر، لاحظت فورًا شيئًا مختلفًا في وضعية الطفلة. "هل أنتِ بخير يا حبيبتي؟" رفعت صوفيا رأسها ببطء، عيناها الرماديتان الصغيرتان تحملان ثقلًا غريبًا لا يناسب طفلة في عمرها. "إيزا." جلست إيزابيلا على الأرجوحة المجاورة، تمسك بيد الطفلة. "ماذا حدث؟ تبدين حزينة." ترددت صوفيا للحظة، أصابعها الصغيرة تعبث بطرف فستانها بعصبية طفولية واضحة، وكأنها تحمل سرًا ثقيلًا لم تفصح عنه لأحد من قبل. "سمعت أبي وأمي يتكلمان اليوم." "متى؟ وماذا سمعتِ بالضبط؟" "كنت أختبئ خلف الباب، ألعب لعبة الاختباء مع ن

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 59

    كان ستيفانو يقف في صالة الانتظار بمطار المدينة الدولي، حقيبته الجلدية الفاخرة على كتفه، يستعد للصعود إلى رحلة عمل عاجلة إلى لندن كان قد أجّلها مرتين بالفعل بسبب كل الأحداث المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة. وجهه لا يزال يحمل آثار الشجار، كدمة باهتة على خده، شفته العليا لا تزال متورمة قليلاً، لكنه حرص على ارتداء بدلة أنيقة ونظارات شمسية داكنة لإخفاء أي أثر إضافي قد يلفت انتباه زملاء العمل أو الصحافة الاقتصادية المتربصة دائمًا بأخباره. وقف قرب النافذة الزجاجية الواسعة، يراقب الطائرات تقلع وتهبط في صمت، أفكاره لا تزال مشتتة بين تفاصيل الصفقة التي سيناقشها في لندن، وبين ذكريات الليلة الماضية التي لم تفارق ذهنه للحظة واحدة منذ استيقاظه. اهتز هاتفه المحمول في جيب سترته فجأة، إشعار رسالة نصية واردة. أخرجه بحركة آلية، متوقعًا رسالة عمل عاجلة من ماتيو أو أحد مساعديه، لكن اسمًا واحدًا على الشاشة جعل قلبه يتوقف للحظة: إيزابيلا. توقف تمامًا في مكانه، وكأن الزمن تجمد حوله فجأة وسط ضجيج المطار المحيط، الإعلانات الصوتية المتكررة، أصوات عجلات الحقائب على الأرض الرخامية، كل ذلك تلاشى فجأة أمام تركيزه ا

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 58

    جلست إيزابيلا في سيارتها المتوقفة أمام مبنى كيارا، لم تشغّل المحرك بعد، ابتسامة خفيفة لا تزال عالقة على شفتيها من دفء الزيارة ومن خبر الحمل السعيد. بقيت لدقائق تستعيد تفاصيل اللقاء، ضحكات كيارا، حماسها الطفولي، شعور الفرح الصادق الذي غمرها رغم كل تعقيدات حياتها الخاصة. لكن وسط هذا الهدوء النادر، تسلل إلى ذهنها فجأة وجه آخر، صورة لم تستطع طردها بسهولة: ستيفانو، وآثار الشجار على وجهه، الدم الذي رأته تحت أنفه، الكدمة التي بدأت تتشكل على خده، يده المتورمة التي عالجتها بنفسها قبل أن تغادر منزله الريفي في الصباح الباكر. أخرجت هاتفها من حقيبتها ببطء، نظرت إلى الشاشة لثوانٍ طويلة دون أن تفتح أي تطبيق، أصابعها تتحرك فوق السطح الزجاجي البارد بتردد واضح. "هل يجب أن ان ارسل له رسالة" همست لنفسها بصوت خافت، تتحدث مع نفسها في صمت السيارة الفارغة. "فقط لأطمئن عليه، لا أكثر من ذلك." فتحت تطبيق الرسائل، كتبت اسمه، توقفت عند شاشة المحادثة الفارغة، أصابعها معلقة فوق لوحة المفاتيح دون أن تكتب شيئًا بعد. "ماذا لو أساء فهم الأمر؟" فكرت بقلق متزايد، تسحب يدها بعيدًا عن الشاشة للحظة. "بعد كل ما حدث

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 57

    في منتصف الفطور، وبينما كانت صوفيا تروي بحماس طفولي قصة طويلة عن فراشة رأتها في الحديقة صباحًا، اهتز هاتف إيزابيلا على الطاولة بإشعار اتصال وارد. نظرت إلى الشاشة، اسم كيارا يظهر عليها، فابتسمت تلقائيًا رغم كل ثقل اليوم والليلة التي سبقته، واعتذرت عن الطاولة للحظة، خارجة إلى الشرفة القريبة للرد بعيدًا عن ضجيج الفطور. "كيارا؟" أجابت وهي تغلق الباب الزجاجي خلفها بهدوء. "إيزابيلا!" جاء صوت كيارا عبر الهاتف مليئًا بحماس طفولي لا يمكن كبته بأي شكل، صوتها يكاد يطير من الفرح الطاغي. "يجب أن تأتي إلى هنا الآن! الآن بالضبط! لديّ خبر، خبر عظيم، ضخم، لا أستطيع أن أخبرك به عبر الهاتف أبدًا!" ابتسمت إيزابيلا رغمًا عنها عند سماع هذا الحماس المعدي، شيء دافئ حقيقي يتسلل إلى صدرها لأول مرة منذ وقت طويل. "كيارا، ماذا يجري؟ أخبريني الآن على الأقل جزءًا منه، فضولي سيقتلني!" "لا! لا أستطيع، يجب أن تري وجهي وأنا أقوله، هذا يستحق المشاهدة شخصيًا!" ضحكت كيارا بصوت عالٍ سعيد، ضحكة لم تسمعها إيزابيلا منها منذ أشهر طويلة من القلق والمحاولات المتكررة. "تعالي إلى بيتي، أرجوكِ، بأسرع وقت ممكن! أعددت حتى بعض

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 56

    استيقظت إيزابيلا عند الظهيرة، أشعة الشمس القوية تتسلل عبر الستائر نصف المغلقة، تضيء الغرفة بضوء دافئ أصفر يتباين بشكل غريب مع ثقل الليلة التي سبقتها. بقيت مستلقية لدقائق طويلة، لا ترغب في الحركة بعد، جسدها منهك تمامًا رغم ساعات النوم الطويلة، وعقلها لا يزال يعيد تشغيل أحداث الليلة الماضية ببطء ودقة مؤلمة: صورة ستيفانو وهو يلمس خدها برفق، صوته الحنون وهو يعترف لها بمشاعره القديمة، تلك اللحظة التي كادت شفتاهما تلتقيان قبل أن يقطعها بوق السيارة اللعين في اللحظة الأخيرة بالضبط. حدّقت في سقف الغرفة لوقت طويل، تستعيد كل تفصيل صغير، نبرة صوته، دفء لمسته، صدق عينيه حين قال إن مشاعره القديمة لم تمت يومًا. شعرت بخجل خفيف يتسلل إليها وهي تتذكر مدى استسلامها لتلك اللحظة، مدى الدفء الذي شعرت به بين ذراعيه، رغم كل الذنب الذي يفترض أن يرافق مثل هذه الذكريات بالنسبة لامرأة متزوجة. "ماذا أفعل بكل هذا؟" همست لنفسها بصوت خافت، يدها ترتفع لتغطي عينيها للحظة، محاولة طرد الأفكار المتضاربة التي لا تتوقف عن المطالبة باهتمامها. تنهدت أخيرًا بعمق، أدركت أن البقاء مستلقية هكذا لن يحل شيئًا، فنهضت ببطء، جسدها

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 55

    استند ستيفانو بظهره إلى الكرسي الخشبي القديم خلف مكتبه، الكحول يسري في دمه ببطء، يخلط بين الواقع والذكرى بطريقة غريبة، وأغمض عينيه أخيرًا، منهكًا من كل ثقل الليلة الطويلة. وفجأة، وجد نفسه هناك. لم يكن حلمًا عابرًا يتلاشى بسرعة، بل ذكرى حية بكل تفاصيلها، كأنه يعيشها من جديد بحواسه الخمس كاملة: رائحة العشب المقطوع حديثًا، حرارة الشمس الصيفية على كتفيه، صوت ضحكات الأطفال من بعيد في ذلك المخيم الخيري الصغير على أطراف المدينة. كان في العشرين من عمره، يرتدي قميصًا بسيطًا متسخًا قليلاً بالطين، يحمل صندوقًا ثقيلًا من مؤن غذائية متجهًا نحو إحدى الخيام، حين اصطدم فجأة بشخص آخر قادم من الاتجاه المعاكس، الصندوق يكاد يسقط من يديه. "آسفة جدًا!" جاء صوت فتاة شابة، تمسك بالصندوق من الجهة الأخرى بسرعة لمنعه من السقوط. "لم أكن أنظر إلى الطريق أمامي." رفع عينيه ليجد إيزابيلا كونتي، أصغر بكثير مما يتذكرها الآن، شعرها معقود بذيل حصان بسيط، وجنتاها محمرتان من حرارة الشمس والجهد، ترتدي قفازات عمل بسيطة لا تناسب إطلاقًا صورة الفتاة الثرية التي كان يتوقع رؤيتها بين متطوعي العائلات الراقية. "لا بأس،" قال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status