Inicio / الرومانسية / ظل الطاغية / الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

Compartir

الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

last update Fecha de publicación: 2026-06-28 06:00:36

لم يكن زلزال "الفخ القانوني" الذي صاغه سيباستيان كورتيز عام 1998 سوى القشرة الخارجية لـهاوية أعمق استقرت في قاع ذلك الصندوق الصدفي الملعون، هاوية سحيقة انفتحت تحت قدمي ريفان هيل لتبتلع ما تبقى من شتات روحها الممزقة. تجمدت أصابعها الشاحبة، النحيلة، فوق حواف المذكرات القانونية النمساوية، وشعرت بأن البرودة التي تكسو الأوراق قد انتقلت عبر مسامات جلدها لتجمد الدماء في عروقها. كانت عيناها الرماديتان تتسعان برعبٍ وجداني عارٍ، رعب يفوق في قسوته وجبروته رعب الأسر، والقيود، والجدران الشاهقة لهذا القصر المظلم.

تحت الوثيقة التصفوية الملعونة التي أودت بحياة الطفلة البريئة "إيلينا"، قبع ملفٌ ملحق أصغر حجماً، رُتبت أوراقه بعناية إجرامية فائقة، وغُطيت بـخطوط زرقاء باهتة وأختام رسمية لشركات وهمية ومصارف بائدة كانت تدار من خلف كواليس فيينا الباردة، حيث تُنسج المؤامرات التي تذبح البشر دون إراقة قطرة دم واحدة.

قلبت ريفان الصفحة الأخيرة بيد مرتجفة كغصن في مهب عاصفة شتوية، وتلاقت عيناها بجدول الحسابات الختامية والمراجعات المالية الدقيقة التي سبقت حادثة الاقتحام الدامية بأسابيع معدودة. كانت الأرقام مصطفة كجنود في مقبرة، وفي أسفل ذلك التقرير المالي الخبيث، استقر توقيعٌ باللغة الإنجليزية، صنديد، صلب، وواضح حد الفجيعة. كان هذا التوقيع هو المقصلة التي ضربت وعيها، وجعلت الهواء ينسحب من رئتيها ليحل محله صقيع خانق: *(هنري هيل – المحاسب القانوني الرئيسي لمجموعة كورتيز)*.

توقفت أنفاس ريفان تماماً، وسقط القلم الفضي من يدها ليرتد فوق الأرضية الخشبية محدثاً رنيناً مكتوماً، رنيناً بدا في سكون الجناح الشرقي كصوت تحطم مرآة تكشف حقيقة مشوهة. "هنري هيل"... الاسم الذي طالما حاولت محوه من صفحات ذاكرتها، الأب الشبح الذي هجرها وهي طفلة صغيرة، وتركها مع والدتها المريضة تواجه عصف الحياة، وعوز الشوارع، وقسوة الحاجة دون سند أو كفيل. لم يكن مجرد رجل نذل انسحب من حياتهم ليذيقهم مرارة اليتم والفقر؛ بل كان، كما تثبت الأوراق المدممة والوثائق العتيقة الممددة أمامها الآن، العقل المحاسبي الخبيث الذي دقق أرقام "الفخ"، وصاغ الميزانيات الملتوية، ووقع بملء إرادته على صك إفلاس وتدمير عائلة فاندربيلت! لقد كان والدها هو الخيط الخفي، المهندس المالي المغمور الذي حرك التروس الميكانيكية الملعونة التي أفضت في غياهب عام 1998 إلى مقتل شقيقة أدريان الصغرى.

في تلك اللحظة الحرجة، انفجر صراع نفسي طاحن في جوف ريفان، صراع وحشي مزق ما تبقى من تماسكها الإنساني وحول عقلها إلى ساحة حرب ضروس. شعرت بـلوعة واختناق جارف، ودارت الغرفة من حولها كإعصار من الظلال المظلمة. بدأت تجلد ذاتها بسياط من اللوم المرير والشراسة المفرطة؛ كيف تجرأت على حب هذا الوحش؟ كيف سمحت لقلبها الجريح أن ينبض بشغف ولوعة نحو الرجل الذي يمثل ضحبة عائلتها؟ وكيف استسلم جسدها النحيل بنبضات متسارعة لنبضات صدره الساخن وقبلاته العنيفة اللاهبة التي ذاقتها في الممر وفي مكاتب البرج، بينما يدا والدها—الرجل الذي يحمل فصيلة دمها—ملطختان بالدم الأزلي الذي ينزف من روح أدريان؟

إنها لم تعد مجرد مترجمة أسيرة سلبها حريتها واستعبد كفاءتها لحماية والدتها؛ بل أصبحت، بنظر العدالة التاريخية وقوانين الثأر غير المكتوبة، ابنة الغريم، سلالة الخائن الذي تسبب في يتم أدريان الإنساني، وصنع منه هذا الطاغية السادي الفولاذي الذي يرتعد العالم أمام إشارته. تحول عشقها المظلم، المعقد، والمريض لأدريان في تلك الثواني إلى مزيج مرعب من الحب الطاغي وجلد الذات الأنثوي المعذب. شعرت برغبة عارمة، مجنونة ومستسلمة، في أن يأتي الآن، أن يجتثها من الوجود، أن يطوق عنقها الرقيق بوعيه التملكي القاسي حتى الموت، تكفيراً عن ذنبٍ وعارٍ لم تقترفه يداها، بل ورثته في جيناتها وجرى في عروقها كلعنة متوارثة.

كيف ستنظر في عينيه الرماديتين العاصفتين بعد الآن؟ كيف ستحتمل مواجهة تلك النظرات المفترسة التي كانت تجردها من كبريائها وتمنحها في ذات الوقت شعوراً خفياً بالأمان؟ وكيف ستحتمل دفء أنفاسه المبحوحة، اللاهبة، التي كانت تذيب جليد تمنعها فوق الأريكة الجلدية، وهي تعلم أن اسمها—الاسم الذي يلفظه بحشرجة الرغبة والتملك—يحمل لعنة ماضيه المهدور وجثة شقيقته الصغرى؟ تداخل الوجد الطاغي بالخوف الجارف، والشهوة المكتومة بالندم الحارق، حتى غدت زوايا الجناح الشرقي المغلق تدور من حولها كدوامة من الرماد الأسود الذي يبتلع النور.

وسط هذا التشظي العاطفي المروع، وبينما كانت الدموع الحارقة تنساب من عينيها الرماديتين لتبلل وثيقة إدانتها المتوارثة، انقطع التيار الهوائي في الغرفة فجأة، وتحول الدفء الضئيل للمصباح النحاسي إلى برودة مريبة أوقفت نبضات الزمان. ساد سكونٌ مقدّس ومطبق في أرجاء الجناح المحرم، سكونٌ لم يدم طويلاً إذ قطعه صوتٌ رنان، منتظم، وثقيل، صوتٌ يعرفه وعي ريفان وجسدها المستسلم بدقة بالغة زلزلت كيانها: وقع خطوات حذائه الجلدية الثقيلة، الهادئة، والمفترسة وهي تتردد في الممر الخارجي المعتم.

كانت الخطوات تقترب بثقة وحشية، رتيبة، وتفوح من الاتجاه الذي تأتي منه رائحة التبغ الفاخر والمسك وخشب الأرز؛ خطوات أدريان فاندربيلت الذي أنهى اجتماعه الاستخباراتي قبل الأوان، وعاد ليتفقد محراب أسراره.

في تلك البرهة الصاعقة، تلاشت كل فكرة عن المواجهة أو الصمود في عقل ريفان، وحل محلها ذعرٌ غريزي عارم شل تفكيرها. كانت تدرك بيقين مرعب أنه لو رآها أدريان هنا، في جوف ليلته وفي عمق غرفته السرية، مستلقية بين مذكرات شقيقته الراحلة وفي يدها دليل تورط والدها الراحل، لفسر الأمر فوراً على أنه خيانة عظمى، طعنة جديدة في ظهره المليء بالندوب، واختراقاً دنيئاً لآخر حصونه النفسية المحرمة التي لم يسمح لمخلوق بلمسها لسنوات. لو ضبطها هنا، لتحول شغفه الرومانسي المظلم ورغبته المخملية الحارقة بها إلى طاقة سادية عارية، رغبة وحشية في السحق والتدمير الفوري تجتث وجودها من قواميس البرج والقصر.

بسرعة فائقة، مدفوعة بـرعب الفقدان ولوعة البقاء، لمت ريفان الأوراق المتناثرة، والقصاصات، والصور الصفراء المبللة بدموعها، وأعادتها بحركات مرتعشة، متخبطة، إلى الصندوق الصدفي الصغير وأغلقت غطاءه الفضي. وبخطوات حافية، واهنة، وراكضة كشبح يفر من مقصلة، اندفعت نحو النافذة الفرنسية العالية القابعة في زاوية الغرفة الغارقة في الظلال. انتحت جانباً، وتوارت بالكامل خلف الستائر المخملية الثقيلة، السميكة، ذات اللون الفحمي الداكن، ملتسقة بالزجاج البارد للقصر الذي كان يمتص حرارة ظهرها العاري، بينما كانت أحشاؤها تشتعل بنيران الذعر والشغف المكتوم.

انفتح الباب الخشبي الثقيل للجناح الشرقي بصرير خافت، رنان، يحمل في ثناياه نبرة الموت والسيطرة المطلقة. دخل أدريان فاندربيلت بكامل شموخه الشيطاني وهيمنته الطاغية الشاهقة. كانت قامته البنيوية العريضة تحجب بقايا الضوء الآتي من الممر، وعيناه الرماديتان تلمعان في عتمة الغرفة كبريق ذئب ضاري يتفقد محمية أسراره ومقبرة عائلته. كان قد خلع سترة بدلته، وظل بقميصه الأسود الفاخر المفتوح الأزرار العليا، لتبرز عضلات صدره المتشنجة وعنقه القوي البارز. كانت أنفاسه المبحوحة، القصيرة والعميقة، تتردد في الفضاء كزئير صامت يملأ جدران الحجر هيبة وقسوة تخرس القلوب.

وقفت ريفان خلف حرير الستار السميك، كفها الشاحبة تضغط على فمها بقوة وحشية لتحبس أنفاسها اللاهبة وتمنع أي هسيس قد يفضح أمرها. كان الصراع النفسي خلف المخمل يذبح وعيها بلا هوادة؛ فمن جهة، كان جسدها يرتجف بلوعة وتوق جارف للارتماء عند قدميه، لتلقي بنفسها بين يديه وتخبره بالحقيقة الملعونة لتستريح من عذاب الكتمان وتتجرع عقاب تملكه الطاغي كبلسم لجلد ذاتها. ومن جهة أخرى، كان رعب بطشه الشديد وخوفها من أن ترى نظرة الكره والخذلان في عينيه يجمدا أطرافها ويسمرا قدميها الحافيتين فوق الرخام المتجمد. كانت تسمع دقات قلبها تثور داخل قفصها الصدري بصخب جنوني، رنان، لدرجة ظنت معها أن الطاغية الواقف على بعد خطوات سيسمع وجيب فؤادها المتيم والخائف.

خطى أدريان نحو وسط الغرفة، ووقفت خطواته الثقيلة تماماً أمام الطاولة الخشبية التي تضم الصندوق الصدفي. تطلع حوله بحاسة افتراسية، غريزية وخارقة، وشعر بأن هواء غرفته المحرمة قد تبدل؛ لم تكن هناك رائحة الغبار العتيق وحدها، بل تغلغلت في الأجواء رائحة عبير أنثوي مألوف، عطر ريفان الخاص، نفحات الياسمين والمسك الدافئ التي تثير جنونه وتملكه وتتحكم في إيقاع رغبته كل ليلة. ضاقت بؤبؤة عينه، وتشنج عصب فكه المنحوت وهو يدرك أن طريدته الجميلة قد دافعت عتبة محرابه في غيابه.

أدار ظهره للطاولة ببطء شديد، تحرك تملكه كأفعى ترصد حركتها، ونقل عاصفة عينيه الرماديتين نحو النوافذ الفرنسية العالية. تركزت نظراته القاتلة بدقة مرعبة على الستارة المخملية الفحمية التي كانت تهتز اهتزازاً طفيفاً، غير مرئي للعين العادية، لكنه واضح لعيني الصياد بفعل أنفاسها المحبوسة واضطراب جسدها خلف الحرير.

تقدم أدريان نحو الستارة... خطوة... فخطوة... بخطى وئيدة، محسوبة، ورنانة فوق الرخام، خطوات تعد بالهلاك الشديد والشغف المتفجر الذي لا يرحم. كان الفراغ يضيق بينهما مع كل خطوة يخطوها، ورائحة جسده الساخن وعطره بدأت تخترق قماش الستار لتصل إلى أعماق رئتي ريفان التي أغمضت عينيها مستسلمة لمصيرها. وقف أمام الستارة مباشرة، وألقى بظله الأسود الشاهق عليها، وامتدت يده الضخمة، ذات الأصابع الثقيلة والمضمومة بالضماد المدمم، وقبضت على حافة المخمل السميك. وبحركة بطيئة، درامية، وقاطعة، أزاح الستار عن وجهها، لتجد ريفان هيل نفسها وجهاً لوجه مع مصيرها الملعون، وعيناه الرماديتان تتسعان بريبة قاتلة، وشغف مظلم حارق، وهو ينظر إلى شحوب وجهها ودموعها المعلقة، ويهمس بنبرة لاهبة، مبحوحة سكنت عظامها: "ريفان...؟"

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ظل الطاغية    الفصل السادس والعشرين: الهدوء قبل العاصفة

    تجمد الكون في عيني ريفان هيل، وصارت دقات قلبها تقرع في جوف صدرها كطبول حرب عاتية لا تطلب سوى حتفها المستحق. خلف الستار المخملي الفحمي السميك، كان الوقت يتمدد كعقارب ملتوية تسير على نصل من زجاج. كانت تشعر بحرارة جسد أدريان فاندربيلت الطاغية، تلك الحرارة التي طالما أذابت ممانعتها، تخترق الآن طبقات القماش الفاخر لتلفح بشرتها الشاحبة المرتجفة بلهيب يقترب من العدم. رأت، عبر الفتحة المتناهية الصغر بين طيات المخمل الداكن، ظله الشاهق وهو يمتد فوق الأرض الرخامية كجدار من الظلمة الكثيفة التي تبتلع النور، وشاهدت كفّه الضخمة القاسية، الملتفة بذاك الضماد الأبيض الذي ما زال يفوح برائحة معقمات الجروح الممزوجة بعبير دمائه الساخنة التي ضمدتها بنفسها قبل ساعات، وهي ترتفع ببطء قاتل، وئيد، ومحسوب، لتقبض على طرف الستار وتنهي هذه اللعبة المميتة.في تلك البرهة التي تفصل بين الحياة والموت، أغلقت ريفان عينيها الرماديتين، واستسلمت تماماً لفكرة الفناء التام تحت وطأة جبروته. تداخلت في عقلها المجهد المشوش صور القبلات اللاهبة العنيفة التي تبادلاها فوق الأريكة الجلدية في مكتبه، حيث كان يتملكها كملك يحوز جاريت

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

    لم يكن زلزال "الفخ القانوني" الذي صاغه سيباستيان كورتيز عام 1998 سوى القشرة الخارجية لـهاوية أعمق استقرت في قاع ذلك الصندوق الصدفي الملعون، هاوية سحيقة انفتحت تحت قدمي ريفان هيل لتبتلع ما تبقى من شتات روحها الممزقة. تجمدت أصابعها الشاحبة، النحيلة، فوق حواف المذكرات القانونية النمساوية، وشعرت بأن البرودة التي تكسو الأوراق قد انتقلت عبر مسامات جلدها لتجمد الدماء في عروقها. كانت عيناها الرماديتان تتسعان برعبٍ وجداني عارٍ، رعب يفوق في قسوته وجبروته رعب الأسر، والقيود، والجدران الشاهقة لهذا القصر المظلم.تحت الوثيقة التصفوية الملعونة التي أودت بحياة الطفلة البريئة "إيلينا"، قبع ملفٌ ملحق أصغر حجماً، رُتبت أوراقه بعناية إجرامية فائقة، وغُطيت بـخطوط زرقاء باهتة وأختام رسمية لشركات وهمية ومصارف بائدة كانت تدار من خلف كواليس فيينا الباردة، حيث تُنسج المؤامرات التي تذبح البشر دون إراقة قطرة دم واحدة.قلبت ريفان الصفحة الأخيرة بيد مرتجفة كغصن في مهب عاصفة شتوية، وتلاقت عيناها بجدول الحسابات الختامية والمراجعات المالية الدقيقة التي سبقت حادثة الاقتحام الدامية بأسابيع معدودة. كانت الأرقا

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

    عادت الممرات الحجرية الشاهقة لقصر "فاندربيلت" تتنفس ذلك السكون الكثيف والمريب بعد أن انقشعت أصداء البث المرعب وجنون الأجهزة الأمنية. لم تكن سيارة "سيباستيان كورتيز" عند البوابة سوى مناورة إلكترونية معقدة، شبحٌ رقمي أرسله العدو اللدود ليهز أركان اليقين في عقل الطاغية ويزرع الشك في بطانته. وفي أعقاب ذلك الإنذار الصاعق، اضطر أدريان للانزواء مجدداً في نفق الاجتماعات الطارئة مع نخبته الاستخباراتية لتتبع أثر المستشار الخائن الذي تجرأ على تزييف الاختراق، تاركاً القصر يغرق في ليلة شتوية شديدة الهدوء، هدوء يسبق عواصف الدم والدموع. كانت الساعة قد تجاوزت جوف الليل حين تسللت ريفان هيل من جناحها، كخيط من الضباب الرمادي يتحرك بين ظلال الأعمدة الرخامية. كان الصراع النفسي يطحن وعيها بلا هوادة؛ فجزء منها، ذلك الجزء الأنثوي الذي ذاق لذة الاستسلام العاري بين ذراعي أدريان وتلونت بشرتها بدمائه الساخنة في مشهد التضميد الأخير، كان يصرخ بها أن تعود إلى مخدعها، أن تنام كجارية مطيعة تحت حماية اسمه الطاغي وتستسلم لقدَرِها المخملي معه. عاشت ريفان في تلك الدقائق تيهًا وجدانيًا لا يرحم. كل قف

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث والعشرين: محاكمة الطاغية

    أما ريفان، فقد جلست وتدثرت ببقايا ثوبها الحريري الرمادي، وجسدها ينبض بحرارة الخوف المشوب بلذة المواجهة البليغة. لامت نفسها بمرارة؛ كيف تجرأت على نبش القبر؟ كيف سمحت لعقلها أن يصيغ هذه النصال اللفظية لتمزق بها الستر عن جرح الرجل الذي باتت تعشقه بمرضية وخضوع اختياري؟ لكن وعيها المشوه كان يرى في هذه المواجهة صك الانعتاق الحقيقي؛ إما أن يقتلها الطاغية الليلة وتنتهي مأساة أسرها، أو يرتد إليها بشرياً يشاركها الدموع والرماد.نظرت إليه، وهو يقف مديراً ظهره لها نحو النافذة الشاهقة التي تعكس أضواء نيويورك البعيدة، وهتفت بصوت رخيم، مفعم بالفصاحة والوجد الجريح:"أدريان... انظر إليّ ولا تختبئ خلف ظلك الفولاذي. لقد قضيتُ الساعات الماضية أترجم موتك القديم في فيينا عام 1998... فككتُ شفرات الخيانة الدنيئة التي صاغها سيباستيان كورتيز بدم شقيقتك الصغرى إيلينا. والآن، أسألك بلغة الروح التي تذبحها بقسوتك كل ليلة: هل كل هذا النفوذ الشيطاني الذي تبنيه، وكل هذه المليارات التي تحاصر بها رقاب البشر، والقصور الحصينة التي تحولنا فيها إلى أسرى... هل كل هذا مجرد أداة للانتقام؟ هل بنيت إمبراطوريتك لتكون م

  • ظل الطاغية    الفصل الثاني والعشرين: ملاذه الأخير

    دخل أدريان فاندربيلت بكامل شموخه الشيطاني، وعيناه الرماديتان تشتعلان بنوع من الجنون العاري بعد ليلة طويلة من الترقب. كانت أنفاسه المبحوحة تتردد في الغرفة كزئير نمر جريح، وقميصه الأسود مفتوح الأزرار يبرز تشنج عضلات صدره وسخونة جسده الطاغي. كان يبدو كإله إغريقي خرج لتوه من معركة خاسرة، يحمل على كتفيه أوزار الماضي وعتمة الحاضر. اقترب منها بخطوات سريعة، ملقياً بظله الشاهق فوقها، وققبل أن تنطق بحرف، انحنى وجذبها من خصرها النحيل بقوة قسرية لا تقاوم، لتلتصق أحشاؤها بصلابة جسده الساخن."هل انتهيتِ من فك الطلاسم يا ريفان؟" همس بصوت منخفض، حاد، ومملوء ببحّة التملك والوجع الدفين، وهو يضغط بأصابعه الثقيلة على ظهرها ليدمج وجودها بوجوده، كأنه يحاول إخفاءها بين ضلوعه لحمايتها من العالم الخارجي. "هذا العالم يغلي في الأسفل... والكل يريد قطعة من عقلكِ... لكني الليلة لا أريد سوى استسلامكِ العاري ليكون ملاذي الأخير."نظرت ريفان في عينيه العاصفتين، ولم ترَ فيهما الطاغية المالي الذي يملك نصف نيويورك، بل رأت ذلك الطفل الجريح الذي يبحث عن رداء يدفئ صقيعه الداخلي. رفعت كفيها الباردتين المرتعشتين لتض

  • ظل الطاغية    الفصل الحادي والعشرين: خطوط المواجهة الأولى

    حالت سحب الغاز الكثيفة التي اندفعت من النوافذ المحطمة دون اكتمال تلك اللحظة المشحونة بالرغبة والاضطراب، وتدخلت النخبة الأمنية لـ "فاندربيلت" بسرعة وحشية أعادت فرض السيطرة على الجناح الشرقي، ليتبين أن الهجوم لم يكن اقتحاماً جسدياً بل كان إنذاراً مبكراً وصاعقاً يحمل توقيع الماضي الملعون. لم ينم كلاهما ليلتها؛ إذ انزوى أدريان في غرفة العمليات المغلقة مع مستشاريه، بينما أُعيدت ريفان هيل إلى مكتبها المؤقت داخل القصر، حيث فرضت عليها التطورات أن تبدأ المواجهة الحقيقية مع الحبر الذي يهدد بحرق كل شيء.جلست ريفان وراء المكتب العتيق المصنوع من خشب الأبنوس، وتحت ضوء مصباح نحاسي ضئيل يلقي بظلال مهتزة على الجدران الحجرية الفاخرة للقصر، وضعت أوراق قضية "سيباستيان كورتيز" أمامها. كانت الأوراق ثقيلة، تفوح منها رائحة الرطوبة والتخزين الأرشيفي الطويل الذي يعود لعام 1998، ذلك العام الذي كان بمثابة الثقب الأسود في حياة سجانها الطاغية. بدأت أصابعها الشاحبة تقلب المستندات القانونية والمحاضر المكتوبة بلغة ألمانية قديمة ونمساوية مشفرة، وهي الصياغات التي لم يكن أحد في الإمبراطورية قادراً على تفكيك طلاسمه

  • ظل الطاغية     ما وراء المرآة العاتمة

    لم تكن الساعة الخامسة صباحاً في مانهاتن سوى خيط واهن من الضوء الشاحب، يصارع ليتسلل عبر طبقات الضباب الكثيف الذي يلف ناطحات السحاب ككفن رمادي بارد. كانت المدينة بالخارج لم تستيقظ بعد، لكن داخل الطابق الثمانين من برج فاندربيلت العالمية، كانت الحياة قد بدت كأنها آلة أبدية لا تتوقف عجلاتها عن الدوران ف

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس: جغرافيا الظلال

    كان الانتقال من الفراغ المعقم للطابق الثمانين إلى الخرسانة المبللة والمشبعة بالزيوت لشوارع مانهاتن أقل شبهاً بالخروج، وأقرب إلى مرض تخفيف الضغط الذي يصيب الروح. وقفت ريفان أسفل المظلة القماشية المهترئة لمدخل مترو الأنفاق، وكانت سترتها المستعملة رطبة بفعل رذاذ المطر الذي واصل النزيف من السماء الرماد

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع: عملة الطاعة

    ومضت الساعة الرقمية المستقرة على المكتب الزجاجي البلوري لتشير إلى السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً. وفي الخارج، كان أفق مدينة نيويورك قد تلاشى تماماً، وابتلعه ضباب رمادي كثيف يضغط على واجهات الطابق الثمانين الزجاجية كأنه كفن حي. وداخل الأرشيف القانوني الخاص، كان السكون مطلقاً، لا يقطعه سوى النقر ال

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث: سرداب الأباطرة

    انغلقت الأبواب الماهوجنية الثقيلة للجناح التنفيذي خلف ريفان ب هبوط مكتوم ومضغوط، ليقطع على الفور الحضور الخانق لمكتب أدريان فاندربيلت. ومع ذلك، بدا أن الوزن الشبح لنظرته الرمادية العاصفة لا يزال عالقاً في مؤخرة عنقها، كوعد بارد برقابة مطلقة. كان قلبها ينبض بإيقاع مسعور ضد أضلعها، ولا تزال كفها تشعر

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status