Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثالث والعشرون

Share

البارت الثالث والعشرون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-27 15:02:29

إن أُغلِق الباب الخشبي الثقيل خلف ليلى، حتى شعرت سعاد بأن جدران البيت قد تباعدت فجأة، وأن الفضاء اتّسع حدّ الفراغ الموحش. وقفت في منتصف الصالة واجمة، شاخصة ببصرها نحو تلك البقعة التي كانت تقف فيها ابنتها قبل دقائق معدودات، وكأن طيف ليلى وضفائرها ما زالا عالقين في الهواء، يرفضان المغادرة والالتحاق بجسدها الراحل. امتدّت كفها المرتعشة لا إراديًا نحو صدرها، فقبضت على أطراف عباءتها السوداء وتشبثت بها، محاولةً لملمة شتات قلبٍ بدأ يرتجف بعنف تحت وطأة خوفٍ قديمٍ متجدد؛ خوفٍ تعرف ملامحه وتفاصيله النخرة جيدًا منذ ذلك المساء المشؤوم، حين خرجت ندى من هذا الباب عذراء ضاحكة، ولم تعد إليه إلا جسدًا باردًا محمولًا فوق الأعناق ودثّرته أكفان الموت.

حاولت سعاد، في صراعٍ مستميت مع عقلها، أن تُقنع نفسها بأن المآلات هذه المرة ستكون مختلفة، وبأن ليلى ليست ندى؛ فليلى تملك لسانًا حادًا وفولاذًا يغلف كبرياءها، والزمن -كما ترجو- لا يمكن أن يكون ساديًا إلى حد تكرار الفجيعة ذاتها وذات السيناريو وبنفس الشخوص. غير أن الذاكرة كانت أعتى وأقسى من كل محاولات التماسك الواهية؛ إذ انطبعت في مخيلتها صورة ابنتها وهي تهبط الدرج الحجري متثاقلة، تحتضن الرضيع بين ذراعيها كدرع وسيف، ونظرتها الغامضة الأخيرة تلاحق الأم كطعنةٍ صامتة مسمومة. في تلك اللحظة، نهش سعاد إحساسٌ مريع بالعجز المطلق؛ ذلك العجز الذي يفتت كبد الأم حين تجد نفسها مرغمة على تسليم فلذة كبدها لمصيرٍ أسود لا تملك آليات حمايتها منه، ولا حتى حق الاعتراض عليه دون أن تهدم السقف فوق رؤوس من تبقى من أبنائها.

توتّرت ركبتاها ولم تعد ساقاها تقويان على حمل ثقل فاجعتها، فانهارت جليسةً على أقرب مقعد خشبي، وداهمها بضراوة ذلك السؤال الأسود الذي طالما حاولت دفنه في أعمق سراديب روحها طوال الأيام الماضية: هل أرسلت ليلى بقدميها إلى النجاة وصنع غدٍ أفضل... أم أنها ساقتها بيديها نحو المقصلة والهلاك؟ ارتجفت شفتاها الشاحبتان وهي تتخيّل ابنتها الشابة الآن في ذلك البيت الصقيعي، محاصرةً بين طباع غريبة لا ترحم، ووجوهٍ ثعلبية لا تأمن مكرها؛ خافت عليها من كلمةٍ جارحة قد تكسر أنفتها، ومن قسوةٍ خفية تُمارس ضدها خلف الأبواب المغلقة، ومن تكرار كابوس ذلك الوجع الصامت الذي امتص دماء ابنتها الأولى دون رحمة أو وازع من ضمير.

لم تصرخ سعاد ولم تولول، ولم تسمح لصوتها بأن يشق صمت الجدران، بل انهمرت دموعها حارة، لزجة، وسالت بصمتٍ مطبق فوق تجاعيد وجهها التي حفرها الأسى؛ دموع ثقيلة تخاف أن يسمع رنين سقوطها أحد من الرجال في البيت فيتهمها بالضعف وقلة الحيلة. كانت تبكي أمومتها التي جُردت من أسلحتها، وتبكي خوفًا سرطانيًا لا تجد له دواءً في جعبتها سوى الاستغاثة بالسماء. رفعت كفّيها المرتعشتين نحو السقف المظلم، وهمست بنبرة مشروخة يملؤها رجاءٌ مكسور يقطر دمًا

- يا رب… ليلى غير ندى، ومصيرها لازم يكون غير مصيرها… يا رب أنت عالم باللي في قلبي، ما تكسّرش ضهري و ماتحرمنيش من بنتي التانية للمرة التانية.. أنا مش حمل صدمة تانية يا رب.

أطبق السكون على أرجاء البيت، واكتست الزوايا بملامح الحداد، لكن قلب سعاد ظلّ مستيقظًا، واجفًا، ومترقّبًا لكل حركة؛ كأنما قُدّر عليها منذ تلك الثانية تحديدًا أن تعيش ما تبقى من عمرها مصلوبةً على حافة القلق الجارح، تخشى كل طرقٍ على الباب، وتتوجس خيفةً من كل غياب وتأخير، وتنتظر بعينين زجاجيتين يومًا تلو الآخر، علّ الأيام تمنّ عليها بإثباتٍ واحد يؤكد أن ابنتها لم تُسق إلى نفس النهاية المأساوية.

✨✨✨✨✨✨✨✨

دخلت ليلى إلى الشقة بخطواتٍ متثاقلة، كأن بلاط الأرض يلتصق بقدميها، يختبر صلابتها وقدرتها المسبقة على الاحتمال. لم يكن هذا المكان غريبًا عنها؛ فقد عرفته من قبل صالونًا لضحكات شقيقتها وغرفةً لآمالها، لكنه الآن استحال مسرحًا آخر، أشد برودة، وأكثر صمتًا، وكأن الجدران شربت أنفاس ندى الأخيرة وتراقب البديلة بعينٍ خفية وجامدة.

تسللت الذكريات إلى خلايا رأسها دون استئذان؛ ندى وهي تفرك يديها بخجل العرائس، ندى وهي تحتضن وليدها لأول مرة، وندى التي رأت ليلى نعشها يمر من هذا الرواق بالذات. شعرت بوخزةٍ حادة استقرت في سويداء قلبها، فغمضت عينيها لثوانٍ تحاول طرد ملمس الكفن، وتُسكت ذلك الهاتف الداخلي الذي يهمس لها بخبث هل جئتِ لتكوني مجرد امتدادٍ لحكايتها المبتورة؟

لكن ليلى لم تكن امرأة تنكسر بسهولة. تماسكت، وسحبت نفسًا عميقًا ملأ صدرها برائحة البيت التي تخالطها بقايا عطر قديم، ورسمت على شفتيها ابتسامة متعمّدة؛ ابتسامة باهرة، دافئة، تحمل وعيدًا صامتًا بالبقاء وخوض المعركة حتى نهايتها. التفتت بجسدها نحو أيمن الذي كان يقف مرتبكًا عند مدخل الصالة، ونظرت في عينيه مباشرة بثقةٍ جاهدت لتكون حديدية رغم الارتجاف المستتر في عروق روحها، وقالت بنبرة صهرت الجليد بينهما

- أنا عارفة إن الخطوة دي صعبة علينا إحنا الاتنين... وخصوصًا إن الوضع اختلف تمامًا. أنا كنت أخت مراتك، والنهارده... بقيت مراتك أنت.

هزّ أيمن رأسه بتفهّم مشوب بذهول مخفي، وعيناه تراقبان شفتيها بحذرٍ تائه، عاجزًا عن تصديق أن هذه الجميلة القوية باتت تشاركه السقف نفسه بحق الشرع. استجمعت ليلى شتاتها وتحدثت وكأنها ترسم بريشتها حدودًا حميمة وجديدة لملامح حياتهما القادمة

- أنا بس كنت عاوزة أقولك ومن البداية... إنّي أنا وندى الله يرحمها شخصيتين مختلفين شوية. ندى كانت خجولة، جد، طيبة لحد الانطواء... أنا العكس تمامًا؛ أنا بحب الضحك، وبحب الهزار، مش بحب النكد

ساد صمتٌ قصير، لكنه لم يكن ثقيلًا هذه المرة، بل كان مشحونًا بتوتر مغناطيسي غريب. تلاقت أعينهما في مسافة ممتدة، وشعر أيمن بكهرباء خفية تسري في المكان؛ كانت كلماتها واضحة، تفصل بها نفسها عن ذكرى الراحلة لتعلن عن هويتها كأنثى مستقلة، امرأة لها كيانها الخاص الذي يستحق أن يُرى ويُعشق لذاته. خطا أيمن خطوة نحوها، واقترب حتى غدا على مسافة تسمح له باستنشاق أنفاسها، وقال بصوتٍ منخفض، رخيم، يفيض بامتنانٍ صريح تحول فجأة إلى إعجاب بكر

- وأنا عارف حجم التضحية اللي عملتيها يا ليلى... ومقدرها فوق ما تتخيلي.

لم يكن نطق اسمها من شفتيه عابرًا؛ بل هبط على مسمعها بنبرة دافئة حركت في صدرها ساكنًا لم تتوقعه. تحركت ليلى برقة وهي تحكم حضن الطفل بين ذراعيها، فضمت الصغير إلى صدرها كأنها تستمد من براءته القوة لتواجه قرب أيمن المهيب، وقالت بهدوءٍ عملي يشي بمحاولة مستميتة لإخفاء ذلك الارتباك الأنثوي الطازج الذي بدأ يغزو ملامحها

- أنا هعملك حاجة دافية تشربها... وأدخل أنوّم الولد جوا في سريره.

تابَعها أيمن بعينين شغوفتين وهي تبتعد بخطواتها المتزنة؛ ولأول مرة منذ عرفها، لم يرَ فيها مجرد شقيقة لزوجته الراحلة، ولا ملاكًا جاء بدافع الواجب والشفقة على يتيم. رآها بذهول تام.. رآها زوجته، امرأة فاتنة، شريكة حياة تنبض بالجاذبية والتحدي، امرأة اقتحمت هذا الخراب وهي تعرف حجم الخسارة، ومع ذلك قررت أن تمنحه فرصة لبناء حياة جديدة.

في تلك اللحظة، ومع تراقص خصلات شعرها خلف ظهرها وهي تغادر الرواق، أدرك أيمن أن وجود ليلى في حياته لن يكون سحابة صيف عابرة... وأن هذا البيت لن يعود كما كان أبدًا؛ فلن يُترك للألم مجددًا، لكنه لن يكتفي بالسكينة الباردة أيضًا، بل سيشتعل بحكاية جديدة، حكاية حب ستولد من رحم الرماد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status