Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت التاسع

Share

البارت التاسع

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-20 13:20:15

انتهى اليوم الدراسي، وتفرّق الطلاب في الشارع الضيق أمام المدرسة. كانت ليلى تسير بخطواتها المعتادة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وعيناها تسبقانها إلى نفس النقطة كل يوم.

كان هناك.

يقف عند ناصية الشارع، كما يفعل دائمًا. لا يقترب، لا يلوّح، فقط ينظر. نظرة ثابتة تلاحقها حتى تختفي بين المارة. اعتادت وجوده، اعتادت صمته، لكن اليوم كان مختلفًا.

وهي تمرّ، سمعت صوتًا خافتًا ينطق اسمها

-  ليلى…

توقفت. التفتت ببطء، بدهشة لم تستطع إخفاءها. كان أمجد يقف في مكانه، مترددًا، يضغط أصابعه ببعضها كمن يبحث عن شجاعة ضائعة.

اقترب خطوة، ثم أخرى، وقال بصوت منخفض

-  أنا آسف إني بوقفك… بس كنت عاوز أتكلم معاكي في حاجة.

عقدت ذراعيها أمام صدرها، نبرة صوتها خرجت حادة دفاعية

-  خير؟

ارتبك، تلعثم للحظة، ثم قال بصوت متحشرج

-  عندك مانع… إني أتقدملك؟

اعتدلت في وقفتها فجأة. سقطت يداها إلى جوارها دون قصد. احمرّ وجهها، لكنها تماسكت سريعًا، وقالت بحزم

-  الكلام ده مكانه البيوت، مش الشوارع.

أنهت جملتها واستدارت، تمشي بخطوات أسرع قليلًا. لم تنظر خلفها.

ابتسم أمجد، ابتسامة عريضة لم يستطع إخفاءها، وقال بصوتٍ واثق

-  يعني أفهم من كده إنك موافقة؟

توقفت ليلى لثانية واحدة. التفتت نصف التفاتة، لم تنطق. اكتفت بابتسامة خجولة، سريعة، ثم أكملت طريقها.

ظل واقفًا مكانه، يراقبها حتى اختفت، وابتسامته لا تزال معلّقة على وجهه.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨

تمرّ الأيام ثقيلة، متشابهة، كأنها تُعاد بلا رحمة.

ندى كما هي… لا أحد يلين، ولا أحد يشعر.

بطنها تكبر يومًا بعد يوم، والجنين يتمدد داخلها، بينما الأعباء لا تنقص، بل تتضاعف.

وصلت إلى نهاية الشهر التاسع.... حركتها صارت بطيئة، أنفاسها أقصر، وخطواتها محسوبة... لكن التعب لا يشفع، والرحمة ليست ضمن قوانين هذا البيت.

في المطبخ، تقف متكئة على الرخامة، تحرّك الطعام بيدٍ مرتجفة.

الحرّ خانق، ورائحة الزيت تثقل صدرها.

تظهر فاطمة عند باب المطبخ، تتفحصها من أعلى لأسفل، ثم تقول بتهكم

-  انتي زي اللي واكلة لحمة جملي يا بت يا ندى.

تشد ندى على شفتيها، تحبس الرد في صدرها.

داخلها صرخة مكتومة

-  أعمل إيه؟

ثم تقول بصوت خافت

-  ما بقولك تعالى نروح لدكتور…

تنتفض فاطمة

-  دكتور إيه يا بنتي.... حبلنا وولدنا أنا وبنتي ولا اتكشفنا على دكاترة..... اعمليلي شاي.

تخفض ندى رأسها، تلتفت إلى الموقد.

وهي تضع الإبريق، تهمس بين شفتيها مقلدة نبرة حماتها بمرارة صامتة.

فجأة، يقطع الصوت من الخارج

-  يا ندى… يا ندى

تتوقف يدها في الهواء.... تخرج بخطوات متثاقلة.

-  إيه يا أم محمود؟

تقترب الجارة، وجهها شاحب

-  أمك وقعت من على السلم… وخدوها على المستشفى.

تتجمد ندى لحظة، ثم يخرج الصوت من أعماقها

-  ماما… يا حبيبتي

تستدير وتركض، رغم ثقل بطنها، رغم الألم، رغم الخوف.

يعلو صوت فاطمة من خلفها

-  خدي يا بت انتي يا ندى... شوفوا البت جريت إزاي

أمال مين اللي هيكمل الأكل ده؟... منك لله يا أم محمود

تختفي ندى في الشارع،وقلبها يسبقها،بينما المطبخ خلفها ما زال يغلي…كما كانت حياتها دائمًا.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

في المساء، جلست ندى على الكرسي المعدني الصلب بجوار سرير والدتها في غرفة المستشفى.

الإضاءة البيضاء الحادة كانت تزيد من شحوب وجهها، ورائحة المطهرات تلتصق بأنفاسها حتى شعرت بالاختناق.

تحركت قليلًا لتغيّر جلستها، لكن ألمًا مفاجئًا ضرب أسفل ظهرها بقوة.

تجمّدت في مكانها، شدّت قبضتها حول طرف الكرسي، وحاولت أن تتحكم في تنفّسها.

لم يكن ألمًا عابرًا.

كان عميقًا، ضاغطًا، يمتد إلى بطنها ويشدّها من الداخل.

عضّت على شفتها السفلى.... رفضت أن تصدر أنينًا.

رفضت أن تلفت الأنظار.لاحظت سعاد تغيّر ملامح ابنتها.

رفعت رأسها بصعوبة، تتأمل وجه ندى المتعرّق، وانقبض قلبها فورًا.

-  معلش يا حبيبتي…تعبتك معايا وأنا على وش ولادة.

اقتربت ندى منها، رغم ثقل جسدها، أمسكت يدها وقبّلتها بحنان واضح

-  إيه الكلام ده يا ماما؟ربنا يقومك بالسلامة لينا.

تنهدت سعاد ببطء، نظرتها مثقلة بالقلق

-  بس يعني…ميحصلش كده إلا وقت ولادتك.

مين هيخدمك؟

قبل أن ترد ندى، جاء صوت فاطمة قاطعًا، واثقًا، خاليًا من أي تردّد

-  جرى إيه يا أم ندى؟بكرة تقومي بالسلامة.

وبعدين ندى في عنينا، أخدمها أنا وسمر بعنينا.

وليلى كفاية عليها البيت وأبوها وأخوها.

تعلقت سعاد بالكلمات، كأنها طوق نجاة.... نظرت إلى فاطمة محاولة أن تطمئن نفسها

-  ربنا يخلّيكي يا أم أيمن…ويكرمك.

ما انتي برضه زي أمها.

اقتربت ليلى من ندى بخطوات سريعة.... تمعّنت في وجهها الشاحب، عينيها القلقتين

-  ندى…إنتِ حاسة بحاجة؟شكلك تعبانة.

في اللحظة نفسها، نهض والدها من مكانه، صوته خرج مثقلًا بالخوف

-  تعالي يا بنتي.... ننزل بيكي الاستقبال نطمن عليك.

التفتت ندى تلقائيًا نحو فاطمة.... انتظرت اعتراضًا.

انتظرت تضجّرًا.انتظرت حتى نظرة عدم رضا.

لكنها لم تجد سوى برود كامل.

قالت فاطمة بنبرة عادية، وكأن الأمر لا يعنيها

-  قومي يا ندى مع أبوكي.... وأنا هخلي بالي من أمك لما ترجعي.

نهضت ندى ببطء شديد.وضعت يدها على أسفل ظهرها.

استندت إلى والدها، وخطت خطوات متثاقلة نحو الباب.

لم تكن تعلم أن هذا الألم…ليس تعبًا عابرًا.

ولا وعكة مؤقتة.... كانت بداية انكسار جديد،يُضاف إلى سلسلة لم تنتهِ بعد.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

هبطت ندى درجات السلم المؤدي إلى الاستقبال وهي تتشبث بذراع والدها بكل ما تبقى لديها من قوة، وكل خطوة كانت تمر بثقل على جسدها المتعب، والألم في بطنها أصبح لا يُطاق، طعنات حادة تتسلسل من الداخل، تتجاوز حدود الصبر، فتقطع أنفاسها وتجعلها تكاد تسقط في كل لحظة. ما إن وصلت إلى باب الاستقبال حتى انحنت فجأة، شهقة حادة خرجت من صدرها تبعتها صرخة مكتومة لم تستطع كبحها، فصدم الجميع من شدتها.

صرخ والدها على الفور محاولًا دعمها، واستدعى الممرضات بسرعة لتلحق بهن الممرضة المخصصة للطوارئ، ومعها طبيب يبدو على وجهه القلق قبل أن يلمس بطنها. وُضعت ندى على السرير المتحرك بسرعة، بينما الأضواء البيضاء تتلألأ فوقها في تتابع سريع يجعل كل شيء يبدو غير واقعي، كأن العالم كله يضغط على صدرها في لحظة واحدة.

اقترب الطبيب بسرعة، يضغط على بطنها بعناية، ثم التفت إلى شاشة الفحص بعينين مليئتين بالقلق. تغيرت ملامحه فجأة، صار صوته حادًا وحاسمًا، كأنه يتحدث عن حياة معلقة على شفا الخطر.

-  من إمتى الألم ده؟

سألها محاولًا تهدئتها، لكنها لم تستطع الإجابة، أنفاسها متقطعة ووجهها شاحب كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة. أعاد الطبيب الفحص بسرعة، ثم التفت إلى الممرضة بصوت حاسم ومرتفع

-  دخلوها فورًا عمليات.

جمد الجميع من وقع الكلمات، لم يستوعب والدها صعوبة الموقف، حاول أن يسأل، لكن الطبيب لم يرفع عينيه عنه وقال بصوت قاطع

- الميه حوالين الجنين شبه جفت، الأم والجنين في خطر.

تجمّدت ليلى في مكانها، دموعها تتساقط وهي تمسك بثوب والدتها، صوته يتلعثم في حلقها

- ندى… ندى هتروح فين؟

بينما هرعت الممرضات يدفعن السرير بقوة نحو غرفة العمليات، الأبواب تُفتح وتُغلق بعنف، صوت عجلات السرير يصدح في الممر، خطوات سريعة تتلاحق في كل الاتجاهات، والوجوه تتحرك حولها بلا ملامح واضحة، كل شيء يتحول إلى ضباب، شعور بالبرد يزحف إلى أطرافها، وبطنها مشدود كوتر على وشك الانقطاع.

حاولت ندى أن تتلفت، أن تنطق باسم أيمن، لكن صوتها ضاع في حلقها، استسلمت للألم الذي يلتف حولها كما لو كان قوة لا يمكن مقاومتها. وصل السرير إلى باب غرفة العمليات، الطبيب أمسكت يده بيد والدها وأمره بالثبات

- ادعولها… إحنا هنعمل اللي نقدر عليه

أُغلِق الباب خلفها بعنف، وترك الجميع في الخارج، قلوب معلقة بين الحياة والموت، ينتظرون خلف ذلك الباب المعدني البارد، كل لحظة تمر وكأنها أبدية، وكل نفس يتوقف عند حد الصبر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثالث والتسعون والأخير

    أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تغزل خيوطًا من نورٍ خالص لتزفّ للكون عهدًا جديدًا. كان هواء المساء يحمل أنفاس الفرح الموعود، والقاعة الكبرى قد تزيّنت بالورود البيضاء والشموع الدافئة، لتبدو كجنةٍ صغيرة تليق بليلةٍ انتظرها الجميع طويلاً. في وسط القاعة، كان يزن يقف بثوب زفافه الأسود الأنيق، شامخًا كالنخل، يافعًا، يفيض رجولةً وجاذبية. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل خطوة تقترب بها عروسه نحو المنصة، وعيناه تلتمعان ببريقٍ جارف من السعادة والانتصار. لم يكن فرحه الليلة مجرد فرحة عريسٍ بنصفه الآخر، بل كان إعلانًا لنجاته، وتتويجًا لرحلة شابٍ شبّ عزيزًا، مكرمًا، محاطًا بحصنٍ من الحب بدّد من أمامه أشباح اليتم والوحشة. التفت حوله المهنئون، لكن عينيه كانت تفتشان في الوجوه عن ذوي الفضل، عن أمانه الحقيقي. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف كملكةٍ حانية، ترتدي ثوبًا مخمليًا رائعًا يبرز حسنها الفاتن الذي لم تزدْه السنون إلا نضجًا وبهاءً. كانت عيناها العسليتان تسبحان في بحرٍ من دموع الفرح الدافئة، وهي تنظر إلى يزن... طفل أختها الذي ضمته إلى صدرها يوماً خشية الضياع، تراه الآن رجلاً يشار إليه بالبنان، يؤسس بيتاً

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت الثامن

    مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج.

  • ظل بارد    البارت السابع

    رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.

  • ظل بارد    البارت السادس

    خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِت

  • ظل بارد    البارت الخامس

    كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status