LOGINانتهى اليوم الدراسي، وتفرّق الطلاب في الشارع الضيق أمام المدرسة. كانت ليلى تسير بخطواتها المعتادة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وعيناها تسبقانها إلى نفس النقطة كل يوم.
كان هناك. يقف عند ناصية الشارع، كما يفعل دائمًا. لا يقترب، لا يلوّح، فقط ينظر. نظرة ثابتة تلاحقها حتى تختفي بين المارة. اعتادت وجوده، اعتادت صمته، لكن اليوم كان مختلفًا. وهي تمرّ، سمعت صوتًا خافتًا ينطق اسمها - ليلى… توقفت. التفتت ببطء، بدهشة لم تستطع إخفاءها. كان أمجد يقف في مكانه، مترددًا، يضغط أصابعه ببعضها كمن يبحث عن شجاعة ضائعة. اقترب خطوة، ثم أخرى، وقال بصوت منخفض - أنا آسف إني بوقفك… بس كنت عاوز أتكلم معاكي في حاجة. عقدت ذراعيها أمام صدرها، نبرة صوتها خرجت حادة دفاعية - خير؟ ارتبك، تلعثم للحظة، ثم قال بصوت متحشرج - عندك مانع… إني أتقدملك؟ اعتدلت في وقفتها فجأة. سقطت يداها إلى جوارها دون قصد. احمرّ وجهها، لكنها تماسكت سريعًا، وقالت بحزم - الكلام ده مكانه البيوت، مش الشوارع. أنهت جملتها واستدارت، تمشي بخطوات أسرع قليلًا. لم تنظر خلفها. ابتسم أمجد، ابتسامة عريضة لم يستطع إخفاءها، وقال بصوتٍ واثق - يعني أفهم من كده إنك موافقة؟ توقفت ليلى لثانية واحدة. التفتت نصف التفاتة، لم تنطق. اكتفت بابتسامة خجولة، سريعة، ثم أكملت طريقها. ظل واقفًا مكانه، يراقبها حتى اختفت، وابتسامته لا تزال معلّقة على وجهه. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨ تمرّ الأيام ثقيلة، متشابهة، كأنها تُعاد بلا رحمة. ندى كما هي… لا أحد يلين، ولا أحد يشعر. بطنها تكبر يومًا بعد يوم، والجنين يتمدد داخلها، بينما الأعباء لا تنقص، بل تتضاعف. وصلت إلى نهاية الشهر التاسع.... حركتها صارت بطيئة، أنفاسها أقصر، وخطواتها محسوبة... لكن التعب لا يشفع، والرحمة ليست ضمن قوانين هذا البيت. في المطبخ، تقف متكئة على الرخامة، تحرّك الطعام بيدٍ مرتجفة. الحرّ خانق، ورائحة الزيت تثقل صدرها. تظهر فاطمة عند باب المطبخ، تتفحصها من أعلى لأسفل، ثم تقول بتهكم - انتي زي اللي واكلة لحمة جملي يا بت يا ندى. تشد ندى على شفتيها، تحبس الرد في صدرها. داخلها صرخة مكتومة - أعمل إيه؟ ثم تقول بصوت خافت - ما بقولك تعالى نروح لدكتور… تنتفض فاطمة - دكتور إيه يا بنتي.... حبلنا وولدنا أنا وبنتي ولا اتكشفنا على دكاترة..... اعمليلي شاي. تخفض ندى رأسها، تلتفت إلى الموقد. وهي تضع الإبريق، تهمس بين شفتيها مقلدة نبرة حماتها بمرارة صامتة. فجأة، يقطع الصوت من الخارج - يا ندى… يا ندى تتوقف يدها في الهواء.... تخرج بخطوات متثاقلة. - إيه يا أم محمود؟ تقترب الجارة، وجهها شاحب - أمك وقعت من على السلم… وخدوها على المستشفى. تتجمد ندى لحظة، ثم يخرج الصوت من أعماقها - ماما… يا حبيبتي تستدير وتركض، رغم ثقل بطنها، رغم الألم، رغم الخوف. يعلو صوت فاطمة من خلفها - خدي يا بت انتي يا ندى... شوفوا البت جريت إزاي أمال مين اللي هيكمل الأكل ده؟... منك لله يا أم محمود تختفي ندى في الشارع،وقلبها يسبقها،بينما المطبخ خلفها ما زال يغلي…كما كانت حياتها دائمًا. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ في المساء، جلست ندى على الكرسي المعدني الصلب بجوار سرير والدتها في غرفة المستشفى. الإضاءة البيضاء الحادة كانت تزيد من شحوب وجهها، ورائحة المطهرات تلتصق بأنفاسها حتى شعرت بالاختناق. تحركت قليلًا لتغيّر جلستها، لكن ألمًا مفاجئًا ضرب أسفل ظهرها بقوة. تجمّدت في مكانها، شدّت قبضتها حول طرف الكرسي، وحاولت أن تتحكم في تنفّسها. لم يكن ألمًا عابرًا. كان عميقًا، ضاغطًا، يمتد إلى بطنها ويشدّها من الداخل. عضّت على شفتها السفلى.... رفضت أن تصدر أنينًا. رفضت أن تلفت الأنظار.لاحظت سعاد تغيّر ملامح ابنتها. رفعت رأسها بصعوبة، تتأمل وجه ندى المتعرّق، وانقبض قلبها فورًا. - معلش يا حبيبتي…تعبتك معايا وأنا على وش ولادة. اقتربت ندى منها، رغم ثقل جسدها، أمسكت يدها وقبّلتها بحنان واضح - إيه الكلام ده يا ماما؟ربنا يقومك بالسلامة لينا. تنهدت سعاد ببطء، نظرتها مثقلة بالقلق - بس يعني…ميحصلش كده إلا وقت ولادتك. مين هيخدمك؟ قبل أن ترد ندى، جاء صوت فاطمة قاطعًا، واثقًا، خاليًا من أي تردّد - جرى إيه يا أم ندى؟بكرة تقومي بالسلامة. وبعدين ندى في عنينا، أخدمها أنا وسمر بعنينا. وليلى كفاية عليها البيت وأبوها وأخوها. تعلقت سعاد بالكلمات، كأنها طوق نجاة.... نظرت إلى فاطمة محاولة أن تطمئن نفسها - ربنا يخلّيكي يا أم أيمن…ويكرمك. ما انتي برضه زي أمها. اقتربت ليلى من ندى بخطوات سريعة.... تمعّنت في وجهها الشاحب، عينيها القلقتين - ندى…إنتِ حاسة بحاجة؟شكلك تعبانة. في اللحظة نفسها، نهض والدها من مكانه، صوته خرج مثقلًا بالخوف - تعالي يا بنتي.... ننزل بيكي الاستقبال نطمن عليك. التفتت ندى تلقائيًا نحو فاطمة.... انتظرت اعتراضًا. انتظرت تضجّرًا.انتظرت حتى نظرة عدم رضا. لكنها لم تجد سوى برود كامل. قالت فاطمة بنبرة عادية، وكأن الأمر لا يعنيها - قومي يا ندى مع أبوكي.... وأنا هخلي بالي من أمك لما ترجعي. نهضت ندى ببطء شديد.وضعت يدها على أسفل ظهرها. استندت إلى والدها، وخطت خطوات متثاقلة نحو الباب. لم تكن تعلم أن هذا الألم…ليس تعبًا عابرًا. ولا وعكة مؤقتة.... كانت بداية انكسار جديد،يُضاف إلى سلسلة لم تنتهِ بعد. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ هبطت ندى درجات السلم المؤدي إلى الاستقبال وهي تتشبث بذراع والدها بكل ما تبقى لديها من قوة، وكل خطوة كانت تمر بثقل على جسدها المتعب، والألم في بطنها أصبح لا يُطاق، طعنات حادة تتسلسل من الداخل، تتجاوز حدود الصبر، فتقطع أنفاسها وتجعلها تكاد تسقط في كل لحظة. ما إن وصلت إلى باب الاستقبال حتى انحنت فجأة، شهقة حادة خرجت من صدرها تبعتها صرخة مكتومة لم تستطع كبحها، فصدم الجميع من شدتها. صرخ والدها على الفور محاولًا دعمها، واستدعى الممرضات بسرعة لتلحق بهن الممرضة المخصصة للطوارئ، ومعها طبيب يبدو على وجهه القلق قبل أن يلمس بطنها. وُضعت ندى على السرير المتحرك بسرعة، بينما الأضواء البيضاء تتلألأ فوقها في تتابع سريع يجعل كل شيء يبدو غير واقعي، كأن العالم كله يضغط على صدرها في لحظة واحدة. اقترب الطبيب بسرعة، يضغط على بطنها بعناية، ثم التفت إلى شاشة الفحص بعينين مليئتين بالقلق. تغيرت ملامحه فجأة، صار صوته حادًا وحاسمًا، كأنه يتحدث عن حياة معلقة على شفا الخطر. - من إمتى الألم ده؟ سألها محاولًا تهدئتها، لكنها لم تستطع الإجابة، أنفاسها متقطعة ووجهها شاحب كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة. أعاد الطبيب الفحص بسرعة، ثم التفت إلى الممرضة بصوت حاسم ومرتفع - دخلوها فورًا عمليات. جمد الجميع من وقع الكلمات، لم يستوعب والدها صعوبة الموقف، حاول أن يسأل، لكن الطبيب لم يرفع عينيه عنه وقال بصوت قاطع - الميه حوالين الجنين شبه جفت، الأم والجنين في خطر. تجمّدت ليلى في مكانها، دموعها تتساقط وهي تمسك بثوب والدتها، صوته يتلعثم في حلقها - ندى… ندى هتروح فين؟ بينما هرعت الممرضات يدفعن السرير بقوة نحو غرفة العمليات، الأبواب تُفتح وتُغلق بعنف، صوت عجلات السرير يصدح في الممر، خطوات سريعة تتلاحق في كل الاتجاهات، والوجوه تتحرك حولها بلا ملامح واضحة، كل شيء يتحول إلى ضباب، شعور بالبرد يزحف إلى أطرافها، وبطنها مشدود كوتر على وشك الانقطاع. حاولت ندى أن تتلفت، أن تنطق باسم أيمن، لكن صوتها ضاع في حلقها، استسلمت للألم الذي يلتف حولها كما لو كان قوة لا يمكن مقاومتها. وصل السرير إلى باب غرفة العمليات، الطبيب أمسكت يده بيد والدها وأمره بالثبات - ادعولها… إحنا هنعمل اللي نقدر عليه أُغلِق الباب خلفها بعنف، وترك الجميع في الخارج، قلوب معلقة بين الحياة والموت، ينتظرون خلف ذلك الباب المعدني البارد، كل لحظة تمر وكأنها أبدية، وكل نفس يتوقف عند حد الصبر.كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق
دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا
وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس







