LOGINلم يكن البرد في تلك الليلة قادمًا من الشتاء، بل من ظلٍّ طويلٍ التصق بروحها، ظلٍّ لا يترك أثر أقدام، ولا يصدر صوتًا، لكنه حين يمرّ... يُطفئ الدفء في كل ما يلمسه. كانت تسير في حياتها كما يسير المرء في ممرٍّ ضيّق، جدرانه من الذكريات، وسقفه من أسئلةٍ لم تجد لها إجابة. كلما حاولت الالتفات للخلف، شعرت بذلك الظلّ يسبقها بخطوة، كأن الماضي لا يُلاحَق... بل يُطارد. تعلمت مبكرًا أن بعض الخسارات لا تُرى، وأن أخطر ما يمكن أن يربك القلب ليس الوجع، بل البرود الذي يأتي بعده
View Moreرفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.- وإحنا نعمل إيه يعني؟ تسيبي البيت؟ردّت، وقد بدأت نبرتها تهتز- أنا من ساعة ما حملت وأنا شغّالة أكتر من الأول، لا ارتحت ولا حد حس بيا.قال بنفاد صبر- إنتِ بتكبّري الموضوع على الفاضي، ده بيتك.نظرت إليه نظرة مباشرة وقالت بمرارة- لا... ده بيتهم، وأنا فيه خدامة.كانت تلك الجملة كافية لإشعال غضبه. اقترب منها بعصبية، حاولت أن تتراجع خطوة، لكن جسدها لم يسعفها. ارتفعت يده دون تفكير، وصفعها صفعة واحدة، لكنها كانت كافية لتسقطها أرضًا.جلست ندى للحظة على البلاط البارد، تشعر بطنين في أذنيها وحرقة في خدها. لم تبكِ، بل رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وتنفست بصعوبة. نظرت إليه بعينين ثابتتين، وقالت بصوت هادئ مخيف- اضربني أنا... بس ما تضربش أم ابنك.وقف أيمن في مكانه مرتبكًا، يحاول أن يقول شيئًا، لكنها لم تنت
خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِتّي… آخر سنة بقى، وتحصّلي أختك وتتجوزي.توقفت ليلى فجأة، والتفتت إليها بدهشة صادقة- طب ما إنتِ آخر سنة برضه يا فالحةضحكت منار، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحمل سرًّا ثقيلًا- آه آخر سنة… بس قدّامي اتنين لسه.سارتا بضع خطوات في صمت، قبل أن تميل منار برأسها قليلًا وتقول بنبرة خافتة- أقولك على سر؟قالت ليلى بنفاد صبر مصطنع- قولي يا فالحة.ابتسمت منار، واقتربت منها أكثر- أنا شاكّة إن الواد أمجد، أخويا… عينه منك وعايز يتجوزك.توقفت ليلى مرة أخرى، واتسعت عيناها وهي تتأمل صديقتها كأنها تحاول قراءة ملامحها- إيه؟ إيه إيه؟ثم هزّت رأسها سريعًا- لا يا سِتّي… إنتِ حربوءة زي سمر أخت أيمن.لوّحت منار بيدها باستخفاف- يا أختي إنتِ تطولي…ثم أضافت بجدية خفيفة- وبعدين إحنا عندنا مرات أخويا الك
كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من أن تُتهم بالكسل.في نهاية اليوم، حين صعدت إلى شقتها، كانت قد فقدت الإحساس بالزمن. لم تعد تشعر بقدميها، ولا بيديها، فقط ذلك الفراغ الذي يسكن الجسد حين يُستنزف حتى آخره. نظرت إلى المرآة، فلم ترَ العروس التي ابتسمت صباحًا، بل امرأة بعينين متعبتين، ووجهٍ شاحب، وحلمٍ بدأ يفقد بريقه.كان ذلك أول يوم كامل…تعرفت فيه ندى على معنى التعب بلا تقدير،والعطاء بلا مقابل،والحب… حين يُترَك وحيدًا في مواجهة القسوة.أغلقت ندى باب شقتها خلفها بهدوء، ذلك الهدوء الذي يشبه الفراغ. لم تستند إلى الباب كما تفعل الشخصيات في الحكايات، لم تبكِ فورًا، ولم تتنهد. فقط وقفت لثوانٍ، تحدّق في المساحة أمامها، كأنها دخلت مكانًا لا تعرفه.خلعت حذاءها ببطء، وضعته جانبًا، ثم سارت نحو غرفة النوم بخطوات ثقيلة. جلست على طرف الفراش، و
تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟ في إيه؟تمددت ندى مكانها من جديد، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية- مش عارفة… أختك جت دلوقتي وبتقول إنها عاوزاك.لم ينتظر أيمن أكثر. نهض من على الفراش سريعًا، وهو يرتدي ملابسه على عجل، ثم قال وهو يهمّ بالخروج- طيب… قومي حضّري الفطار على ما أنزل أشوفها عاوزة إيه.بقيت ندى مكانها للحظة، تحدّق في الفراغ، تشعر بأن شيئًا ما تبدّل دون مقدمات. لم تكن هذه الطرقات كغيرها، ولم يكن هذا الصباح كالأيام السابقة. كان في الهواء إحساس غريب، كأن الجنة التي عاشت فيها أربعة أيام فقط… بدأت تتشقّق بصمت.نزل أيمن مهرولًا إلى الطابق السفلي، خطواته سريعة لكنها مترددة، كأن قدميه تسبقانه بينما قلبه يحاول التراجع. وجد والدته تجلس على مقعدها المعتاد، ظهرها مستقيم، وملامحها مشدودة، وعيناها متأهبتان كمن كان في انتظار





