Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثامن

Share

البارت الثامن

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-20 13:19:19

مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.

في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج. لم تخرج من غرفتها، لكن نبرة الجدل وصلت إليها واضحة. صوت والدها غاضب، وصوت امرأة تعرفه جيدًا، حادًّا ومسيطرًا. لم تميّز الكلمات، لكنها شعرت بأن الحديث عنها، وبأنها محور هذا الصراع.

هدأت الأصوات فجأة، وبعدها بدقائق دخلت ليلى الغرفة. كان وجهها جادًا على غير عادته. قالت دون مقدمات

- بابا عاوزك بره.

لم تنتظر ردًّا، وغادرت، تاركة ندى وحدها مع حيرتها. جلست لحظة، تستجمع أنفاسها، ثم نهضت ببطء. كانت تعرف أن المواجهة آتية، مهما حاولت تأجيلها.

ما إن خرجت حتى فوجئت بفاطمة تقف أمامها مبتسمة. تقدّمت منها بسرعة، وفتحت ذراعيها واحتضنتها، كأن شيئًا لم يكن.

- أنا زعلانة منك يا ندى.

تصلّبت ندى في مكانها، لم تبادلها العناق، ولم تفهم هذا التحول المفاجئ.

تابعت فاطمة بنبرة عتاب مصطنعة

- مش أنا أمك؟ هو لما تزعلى شوية مع أيمن تسيبي البيت كده؟ طب ما كنتي تيجي تنزلي لي، وتشوفي كنت هعملك إيه.

نظرت ندى إليها في ذهول، كأن الحديث موجّه لشخص آخر غيرها. لم تنبس بكلمة

استدارت فاطمة نحو والد ندى، وكملت حديثها بثقة

- والله يا حاج محمد، أيمن زعلان من نفسه قوي. ده كان بيقول لي: يا أما أنا نفسي أجيب لها حتة من السما. وعلى ما نزل ياخد مني فلوس عشان يكشف عليها، يرجع يلاقيها سابت البيت.

كان والد ندى يعلم أنها لا تقول الحقيقة، لكنه آثر مجاراتها. قال بهدوء حذر

- ما كان معاه يا أم أيمن، كان بعتها نكشف عليها، مش يضربها.

ضحكت فاطمة ضحكة قصيرة، وحاولت أن تظهر طيبة لا تشبهها

- يضربها إيه بس يا حاج؟ ده دلع عرسان. وبعدين يالا يا ندى، والله البيت وحش من غيرك. إحنا برضه ما نقدرش نستغنى عنك.

شعرت ندى بالارتباك، وكأن الأرض تميد بها. قالت بصوت واهن

- أنا لسه تعبانة… سيبيني شوية.

قاطعتها فاطمة فورًا، دون أن تترك لها مساحة

- تعالى وأنا أخدمك بنفسي. ده حتى اللي في بطنك ده ابننا، وإحنا أولى بيه. قومي بقى، بلاش دلع.

رفعت ندى عينيها إلى والدها، تنتظر كلمة تُنقذها، إشارة واحدة تفهمها أنه معها. لكنه قال بنبرة حاسمة

- قومي يا ندى مع حماتك، ملكيش بركة إلا جوزك.

سقطت الكلمات على قلبها سقوط الحكم النهائي. لم تجادل، لم تبكِ. نهضت على مضض، تشعر أنها تُساق لا تُختار، وأن الباب الذي فُتح لها مؤقتًا قد أُغلق من جديد.

خرجت مع فاطمة، وهي تدرك في صمتٍ موجع أنها لا تعود إلى بيت زوجها، بل تعود إلى سجنٍ تعرف جدرانه جيدًا، بعد أن لمست للحظة قصيرة طعم النجاة.

✨✨✨✨✨✨✨

وقفت ليلى عند باب الغرفة، لم تخرج معهم، ولم تدخل. اكتفت بأن تراقب المشهد من مكانها، كأنها تخشى أن تُحسب شاهدة زور لو تقدّمت خطوة واحدة.

رأت أختها تمشي خلف فاطمة. لم تكن ندى تمشي بجانبها، بل خلفها بخطوة، رأسها منخفض، وكتفاها منحنيتان. لم تحمل حقيبة، لم تلتفت، ولم تودّع أحدًا. كانت تتحرك كما تتحرك الأشياء حين تُعاد إلى مكانها الأصلي.

شدّت ليلى أصابعها في طرف الباب. حاولت أن تتذكر آخر مرة رأت فيها ندى تبتسم بصدق. لم تجد. كل الصور التي مرت أمامها كانت لندى المتعبة، الصامتة، التي تعتذر حتى عن أنفاسها.

سمعت فاطمة تقول شيئًا عن «البيت» و«الستر» و«العِشرة»، ولم تفهم ليلى المعاني، لكنها فهمت النبرة. نبرة لا تترك مجالًا للرفض. نبرة تشبه الأمر أكثر من الرجاء.

نظرت إلى أبيها. كان واقفًا في مكانه، لا يتحرك. عيناه مثبتتان في الأرض، كأن البلاط صار أكثر أمانًا من النظر إلى وجه ابنته. انتظرت ليلى أن يقول شيئًا آخر، أن يستدعي ندى، أن يؤجل، أن يتراجع. لكنه لم يفعل.

عندما وصلت ندى إلى الباب، توقفت لحظة قصيرة. التفتت نصف التفاتة، كأنها تبحث عن شيء نسيته. تقابلت عيناها بعيني ليلى. لم تطلب المساعدة، ولم تبتسم. كان في النظرة شيء يشبه الاعتذار، وشيء آخر يشبه الوصية.

شعرت ليلى بانقباض في صدرها. أرادت أن تجري، أن تمسك يد أختها، أن تقول إنها مريضة، إنها حامل، إنها لا يجب أن تعود. لكن قدميها ظلتا ثابتتين في مكانهما، ثقيلتين، عاجزتين.

خرجت ندى. أُغلق الباب خلفها. لم يُغلق بعنف، لكنه أغلق بما يكفي ليجعل الصوت عالقًا في أذن ليلى.

ظلت واقفة بعدها دقائق، تحدّق في الباب المغلق. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط فهمت، للمرة الأولى، أن بعض الناس لا يُؤخذون، بل يُساقون، وأن الصمت أحيانًا لا يكون خوفًا… بل تسليمًا.

✨✨✨✨✨✨✨

مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.

في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج. لم تخرج من غرفتها، لكن نبرة الجدل وصلت إليها واضحة. صوت والدها غاضب، وصوت امرأة تعرفه جيدًا، حادًّا ومسيطرًا. لم تميّز الكلمات، لكنها شعرت بأن الحديث عنها، وبأنها محور هذا الصراع.

هدأت الأصوات فجأة، وبعدها بدقائق دخلت ليلى الغرفة. كان وجهها جادًا على غير عادته. قالت دون مقدمات

- بابا عاوزك بره.

لم تنتظر ردًّا، وغادرت، تاركة ندى وحدها مع حيرتها. جلست لحظة، تستجمع أنفاسها، ثم نهضت ببطء. كانت تعرف أن المواجهة آتية، مهما حاولت تأجيلها.

.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

دخلت ندى الشقة مع حماتها. لم يكن في المكان شيء يوحي بعودتها؛ لا ترحيب، لا سؤال، ولا حتى نظرة فاحصة. بدا البيت وكأنه لم يفتقدها أصلًا.

اتجهت إلى الغرفة لتبدّل ملابسها. فتحت الدولاب. توقفت يدها في الهواء. بعض الفساتين لم تكن في مكانها، الرف العلوي ناقص، وعلاقة كانت تميل بلا ثقل. مرّرت أصابعها بين الملابس، تعدّها دون وعي، ثم أغلقت الباب بهدوء.

خرجت لتجد سمر في الصالة، تقف أمام حقيبة مفتوحة. كانت تطوي قطعة من ملابس ندى وتضعها داخل الحقيبة دون أن ترفع رأسها.

قالت ندى بصوت خافت

-  ده فستاني.

لم تلتفت سمر، اكتفت بالرد وهي تواصل الطي

-  هلبسه يومين وأرجعه، إنتي مش محتاجاه دلوقتي.الحمل محتاج لبس واسع

لم تنتظر ردًا. أغلقت الحقيبة وسحبتها خلفها، كأن الأمر مُتّفق عليه منذ زمن.

دخلت ندى المطبخ. وجدت رفوفًا ناقصة، أواني لم تعد في أماكنها. بعد قليل ظهرت فاطمة من غرفة ندى القديمة، تحمل كرتونة.

- نزلت شوية اطباق من عندك يا ندى بدال اللى متكسرة من تحت

وضعتها على الأرض دون أن تسأل. مسحت يديها في عباءتها، ثم تابعت

- متتأخريش بقى يا ندى عشان هنعمل محشى النهاردة

هزّت ندى رأسها بإجابة

مرّ أيمن بجوارهما، تناول كوب ماء، شربه، وغادر دون أن ينظر إليها. مروره كان عابرًا، سريعًا، كأنه يتجاوز قطعة أثاث.

جلست ندى على طرف الأريكة. لم تتكلم. لم تعترض. لم تسأل عن حقها، ولا عن حاجتها، ولا عن حملها. كانت تراقب البيت وهو يُعاد ترتيبه دونها، كأن وجودها مجرد فراغ يُملأ ويُفرغ حسب الحاجة.

عندما انتهى الجميع من حركتهم، ساد صمت قصير. صمت لم يكن احتجاجًا، بل إقرارًا. رفعت ندى رأسها قليلًا، نظرت حولها نظرة واحدة، ثم خفضته من جديد.

الصمت هذه المرة لم يكن ضعفًا…كان اعترافًا بأن الكلام لن يغيّر شيئًا

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status