Beranda / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثانى والعشرون

Share

البارت الثانى والعشرون

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-26 15:00:24

جلست ليلى على حافة الانتظار الحادة، مصلوبةً في مسافة برزخية معتمة؛ فلا هي مطمئنة بما يكفي لتستكين، ولا هي قادرة على الهروب بعد أن أحرقت وراءها كل المراكب، كأن عقارب الزمن قد تيبّست عند هذه اللحظة بالذات، وتركتها معلّقة في الهشيم بين ماضٍ يرفض أن يمضي، ومستقبلٍ يزحف نحوها كشبحٍ غامض. لم يكن قرارها بالموافقة سهلًا أو عابرًا كما خُيّل للآخرين الذين رأوا فيه صفقة شروطٍ باردة، ولم تكن صلبة أو شجاعة كما ظنّ والدها ونادر؛ كانت فقط مُنهكة، منهكة إلى حدّ التيبس، حدّ الذي يجعلك تختار الطريق الأقل وجعًا لعائلتك ولروح أختك الراحلة… أو هكذا على الأقل أقنعت نفسها لتسوّغ انتحارها الاختياري.

كان الخوف هو أول الحاضرين في خلوتها، خوفًا رصاصيًا هادئًا لا يصرخ ولا يولول، بل يتسلل في عتمة الليل ليجلس بكامل ثقله الجاثم فوق قفصها الصدري. خافت من القادم المجهول، من تفاصيل حياة لا تملك ملامحها، ومن رجلٍ لم تمنحه نبضة واحدة من قلبها لكنها سلمته بمحض إرادتها زمام مصيرها وسنوات شبابها الغض. خافت ذعرًا من تلك اللحظة التي تستيقظ فيها ذات صباح، لتجد نفسها كائنًا غريبًا في بيتٍ يحمل اسمها على لافتته، تؤدي فيه دور الزوجة بآلية ميتة، بينما هي في الحقيقة لا تزال طفلة تحاول فهم دورها في مسرحية الحياة. خافت أن ينقلب قرارها الذي ظنته درعًا لحماية ابن أختها، فيتحول إلى قيدٍ أبدي يطوق عنقها، لا طوق نجاة.

وفي كفة الميزان الأخرى المقابلة لهذا الخوف، كان هناك انتظار طويل، لزج ومرهق؛ انتظار لا يمت للأمل بصلة، بقدر ما يشبه ترقّب السجين لجلاده. كانت تنتظر بشغفٍ يائس أن يمرّ الوقت سريعًا، أن تطوى هذه المرحلة الهلامية المعلّقة، وأن يتحول هذا الغموض الكثيف إلى واقعٍ ملموس مهما بلغت قسوته ومرارته؛ فالواقع، حتى وإن كان جحيمًا، يبقى أهون على نفسها من تآكل الانتظار. لم يكن الانتظار بالنسبة لها ترقبًا لفرحٍ مؤجل أو فستان زفاف، بل كان فترة تدريب قاسية على الصبر والتجلد، كأنها تهيئ عظام كتفيها النحيلتين لحمْلٍ أسطوري ثقيل قبل أن يُلقى بكامله فوق عاتقها.

في غمرة هذا الشتات، كانت تفكر في ندى أكثر مما تفكر في نجاة نفسها؛ تفكر في ذلك الوعد الصامت والعهد الغليظ الذي قطعته لروحها في المطبخ دون أن تنطق به الحنجرة، وفي طفلٍ رضيع سيكبر يومًا ويشتد عوده وهو لا يعرف كم كان الثمن باهظًا لتكون هي بالذات أمه البديلة دون غيرها من نساء الأرض. هذا الإحساس الطاغي بالواجب والمسؤولية كان يمنحها قوة زائفة، مساحيق صلابة مؤقتة تجعلها تبدو ثابتة، شامخة، ومستقرة أمام نظرات الناس في الخارج، لكنها ما إن كانت تختلي بنفسها وتغلق عليها باب غرفتها، حتى تتلاشى تلك القلاع وتتحول إلى فتاة هشة، تشعر بنخاع عظامها يرتجف وهي تمشي نحو حتفها بقدمين مرتعشتين.

تساءلت كثيرًا في سرّها، وسؤالها ينخر عقلها بلا هوادة: هل ستنجح في هذه اللعبة الخطرة؟ هل ستعتاد العيش مع رجل شارك في قتل أختها بالإهمال؟ وهل يمكن لنبتة الطمأنينة والسلام أن تولد وتنمو من فوق تربة قرارٍ عقيم لم يولد أصلًا من رحم الحب؟ أسئلة سوداء بقيت معلقة في سقف الغرفة بلا إجابات تشفي غليلها، تتراكم وتتكثف داخل صدرها مثل غيومٍ خريفية ثقيلة، لا هي تملك القدرة على أن تمطر لتستريح، ولا هي تنقشع لتسمح لنور الشمس بالعبور.

ومع كل هذا التمزق الداخلي الشامل، لم تلتفت ليلى وراءها، ولم تفكر للحظة في التراجع. ليس لأنها تملك شجاعة الأبطال، بل لأنها أدركت، بيقين ميت، أنها لم تعد تملك في جعبتها رفاهية الرجوع أو التراجع؛ فالخطوة إلى الخلف تعني انهيار كل شيء، تعني ضياع يزن وانكسار والدها تحت وطأة الديون. كانت ليلى تعرف، وهي تخطو نحو عتبة بيت أيمن، أن ما هي مقبلة عليه ليس حلمًا ورديًا لعذراء، بل هو اختبار دموي، وأن هذا الانتظار المأساوي الذي تعيش تفاصيله الآن ما هو إلا الهدوء الأخير والساكن الذي يسبق عاصفة حياة جديدة؛ حياة ستتطلب منها إما أن تكون أقوى وأقسى من كل ما كانت عليه، أو أن تنكسر وتتفتت بصمتٍ جاف… دون أن يلاحظ انكسارها أحد.

✨✨✨✨✨✨

جاء اليوم المتفق عليه باردًا، واجمًا، وهادئًا على غير ما توقعت ليلى؛ بلا صخب الزغاريد المعتادة، وبلا دموعٍ معلنة تتساقط أمام الأشهاد، كأن القدر تعمّد أن يمرّ فوق جراحهم بخفةٍ جارحة لا تترك أثرًا سوى النزيف الداخلي.

تم عقد القِران سريعًا في زاوية صامتة من صالة بيتها القديم. كانت كلمات المأذون الرتيبة تتردد في أذن ليلى كأنها أصداء آتية من مسافة بعيدة، من عالمٍ آخر لا تنتمي إليه. وحين طُلِب منها التوقيع، أمست أصابعها تتحرك بآلية غريبة؛ بدا لها خطّ اسمها على الورق الرسمي أشبه بتوقيعٍ أخير على صك تنازلٍ عن شبابها، أو كتابة سطر البداية في مصيرٍ معتم لا تعرف ملامحه بعد. وحين انقضت المراسم وجُففت المحابر، وجدت يد أيمن تمتد إليها تلقائيًا في حركة حذرة، بينما حمل طفله يزن باليد الأخرى؛ مشهدٌ بدا في ظاهره مكتملًا ووداعًا عائليًا دافئًا، لكنه في عمقه كان مثقلاً بأسئلة لا تنتهي، ونوايا يغلفها الترقب.

وقفت ليلى تودّع أمها سعاد، فارتجفت الأوصال حين احتضنتها طويلًا، غارزةً وجهها في عنقها وكأنها تستمد من رائحة صدرها آخر ما تبقى لها من أمان الطفولة قبل الرحيل إلى المجهول. قبّلت يد أبيها محمد بصمتٍ مطبق، صمتٍ يفيض بما عجز لسانها عن قوله من لومٍ وعتبٍ ومحبة، ثم انحنت على أخيها الأصغر نادر، تضمّه بقوةٍ موجعة كادت تكسر ضلوعه النحيلة، وكأنها تخشى أن تنقطع هذه الخيوط العائلية فجأة وتتركها وحيدة. لم تبكِ ليلى؛ لجمت دموعها بقسوة انتحارية، فقط كانت عيناها المتسعتان تلمعان بنظرةٍ متماسكة، جامدة، كادت تخونها وتنفجر في اللحظة الأخيرة، لكنها تملكت نفسها.

نزلت الدرج الحجري إلى جوار أيمن، كانت خطواتها بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كأنها تعدّ ما تبقى لها من أنفاس الحرية. وقفت أمام البناية للحظة واحدة، والتفتت تنظر إلى نوافذ بيتها نظرةً غامضة، طويلة، تحمل في طياتها وداعًا أبديًا لا يُقال، وتاريخًا من الذكريات يُطوى دون رجعة. شعرت في تلك الثانية الباردة وكأنها تترك جزءًا من روحها هناك؛ مستلقيًا على السلم، خلف الأبواب المغلقة، في زوايا الصبا والنجاة المؤقتة التي عاشتها قبل فاجعة ندى. ثم تحركت مجددًا، تسير مع زوجها؛ لم تكن تمشي باختيارها، بل كانت تُساق كذبيحةٍ نحو مصيرٍ مجهول، بينما كانت فاطمة تسير خلفهما بخطوات

متهادية، لا تحاول حتى إخفاء أمارات سعادتها، وعيناها اللامعتان تبرقان بانتصارٍ صامت كقائدٍ حسم معركة طال أمدها.

وصلوا إلى شقة الزوجية، فوقفت فاطمة أسفل البناية، تلوّح بعباءتها وتتحدث بنبرةٍ مصطنعة اللطف، لزجة كعادتها

- اطلعوا انتوا بقى يا ضنايا، ربنا يهنيكوا ويسعد أيامكوا… ولو عاوزين الواد يفضل معايا في شقتي النهارده أنا هشيله عنكم، عشان تاخدوا راحتكم.

رفعت ليلى رأسها ببطء شديد، واستدارت نحو الحية العجوز، نافضةً عن ملامحها كل أثر للضعف. نظرت إليها نظرة ثابتة، حادة كالشفرة، تحمل تحديًا هادئًا لا صراخ فيه ولا مهادنة، ثم قالت بصوت رخيم ومستقر

- لا يا طنط.. شكرًا، خليه معايا.. من النهارده يزن مش هينام غير في حضني.

كانت كلماتها قصيرة ومبتورة، لكنها حملت في طياتها قرارًا سياديًا لا رجعة فيه، وإعلان حرب صامتة. مدت ذراعيها، وتلقفت الرضيع من بين يدي أيمن بحنانٍ حازم، متشبثة به كأنها تعلن رسمياً امتلاكها الكامل للمسؤولية التي اختارتها بكامل وعيها وعقلها.

صعدت الدرج بخطى ثابتة لا ترتعش، وخلفها أيمن، مذهولاً، صامتًا، يراقب حركة جسدها وشموخ كتفيها وكأنه يكتشف المرأة التي تزوّجها للمرة الأولى في حياته.

وفي الأسفل، بقيت فاطمة تتابع أثر صعود ليلى حتى غابت عن ناظريها، فتقلصت ملامحها فجأة، واستحالت ابتسامتها إلى غيظٍ مكتوم نضح به وجهها، وراحت تتمتم بمرارة بين أسنانها الصفراء

- ماشي يا بنت سعاد… ادلّعي وافردي ريشك يومين تلاتة، بُكره همشّيكي عالعجين ومتلخبّطهوش، وهتشوفي مين هي فاطمة

لكن ليلى لم تسمع، ولم يعد يعنيها فحيح الأفاعي في الأسفل؛ كانت قد عبرت بالفعل العتبة الأولى، ووطأت قدمها أرض حياتها الجديدة. دخلت الشقة وهي تحمل طفلاً لا ذنب له في خطايا الكبار، وقلبًا ممزقًا مشدودًا بين خوفٍ دفين ينهش صدرها، وإصرارٍ صامت صلب كالفولاذ.. لا تعرف إن كان هذا البيت سيغدو لها وطنًا وملاذًا، أم أنه مجرد ساحة اختبارٍ جديدة وقاسية لصبرها وكبريائها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status