LOGINخرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.
وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة - أيوه يا سِتّي… آخر سنة بقى، وتحصّلي أختك وتتجوزي. توقفت ليلى فجأة، والتفتت إليها بدهشة صادقة - طب ما إنتِ آخر سنة برضه يا فالحة ضحكت منار، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحمل سرًّا ثقيلًا - آه آخر سنة… بس قدّامي اتنين لسه. سارتا بضع خطوات في صمت، قبل أن تميل منار برأسها قليلًا وتقول بنبرة خافتة - أقولك على سر؟ قالت ليلى بنفاد صبر مصطنع - قولي يا فالحة. ابتسمت منار، واقتربت منها أكثر - أنا شاكّة إن الواد أمجد، أخويا… عينه منك وعايز يتجوزك. توقفت ليلى مرة أخرى، واتسعت عيناها وهي تتأمل صديقتها كأنها تحاول قراءة ملامحها - إيه؟ إيه إيه؟ ثم هزّت رأسها سريعًا - لا يا سِتّي… إنتِ حربوءة زي سمر أخت أيمن. لوّحت منار بيدها باستخفاف - يا أختي إنتِ تطولي… ثم أضافت بجدية خفيفة - وبعدين إحنا عندنا مرات أخويا الكبير عملنا فيها إيه؟ أمي دايمًا بتقول مش عاوزة ولادها يشوفوا اللي هي شافته في العيلة. سارت ليلى بضع خطوات للأمام، خفّت ابتسامتها، وراحت عيناها تسرحان في الفراغ. مرّ طيف ندى أمامها، بوجهها الشاحب وصمتها الثقيل، وكأن الحياة سبقتها بخطواتٍ موجعة. قالت ليلى بشرود، بصوتٍ منخفض لا يخلو من حكمة مبكرة - كل واحد بياخد نصيبه… ثم التفتت إلى منار وأضافت بهدوء - ولسه بدري يا منار… بدري قوي على الكلام ده. واصلتا السير،لكن قلب ليلى لم يعد خفيفًا كما كان لحظة خروجها من المدرسة،فبعض الأحلام…حين تلمس واقعًا موجوعًا،تفقد بريقها قبل أن تكبر. ✨✨✨✨✨✨✨ جلست سمر قبالة والدتها، تراقب ملامحها المتجهمة، ذلك العبوس الثقيل الذي لا يزور وجه فاطمة إلا حين تختمر فكرة شريرة أو يُمسّ سلطانها داخل البيت. عقدت سمر حاجبيها متصنّعة الغيرة، وقالت بنبرة مشحونة - مالِك يا أُمّا؟ البِت اللي جوّه دي عملت لك حاجة؟ أدخل أجيبهالك من شعرها لو حابة لم تجبها فاطمة فورًا، بل حدّقت نحو باب المطبخ كأنها ترى ندى تقف هناك، صامتة، منهكة، فاشتعل صدرها بغيظٍ مكتوم. قالت أخيرًا بصوت خافت، لكنه مسموم - البت راحت عند أمّها امبارح… ورجعت بالليل بشنطتين ثم أضافت بتهكم - ولا حتى عدّت عليّا، ولا أعرف جابت إيه ولا ودّت إيه. سكتت سمر لحظة، تدور بعينيها في المكان، عقلها يعمل بسرعة لا تخلو من خبث. وفجأة ارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية، كأن الفكرة سقطت في حجرها جاهزة - سهلة يا أُمّا. رفعت فاطمة رأسها تنظر إليها بترقّب. - اقفلي المدخل قالتها سمر بثقة المنتصر، ثم تابعت - وبكده دخولها وطلوعها هيبقى من عندك… من تحت عينك. لا تروح ولا تيجي إلا لما تعرفي. بدت الكلمات كالموسيقى في أذن فاطمة. انفرجت ملامحها أخيرًا، وأسندت ظهرها إلى الأريكة براحة، وقد عاد لها إحساس السيطرة الذي تحبه. ابتسمت ابتسامة خبيثة، وقالت بنبرة رضا - تصدقي يا بت… طلعتي بتعرفي تفكّري. ثم استقامت قليلًا وأضافت بأمرٍ لا يقبل نقاشًا - قومي هاتي المفتاح… لما أقفل بوابة المدخل دي. وفي تلك اللحظة،لم تكن بوابة تُغلق فقط…بل كان يُضيَّق الخناق أكثر على روح ندى،خطوة جديدة في حصارٍ لم تبدأه،ولم تُعطَ حقّ الاختيار فيه. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ كانت الأيام التالية تمرّ ببطءٍ ثقيل، متشابهة كأنها نسخٌ باهتة من بعضها؛ مللٌ ورتابة تدور فيهما ندى داخل طاحونة لا تتوقف. ضاق الخناق حولها أكثر، حتى بات منفذها الوحيد هو بيت حماتها… ذلك المنفذ الذي تحوّل إلى نقطة تفتيش، تُقاس فيه أنفاسها عند الدخول والخروج، وتُحصى خطواتها وكأنها غريبة في بيتٍ يُفترض أنه بيتها. أما زوجها، فكان بعيدًا كل البعد عن كل ذلك. لا يرى، أو يتغافل. يقف متفرجًا على زهرةٍ كانت يومًا يانعة، وها هي تذبل ببطءٍ أمام عينيه، تنحلّ، تخفت، دون أن ينبس بكلمة. وفي ذلك اليوم، وكبقية الأيام، كانت ندى واقفة في المطبخ تعدّ الطعام. وحدها. خارجًا، كانوا مجتمعين، ضحكاتهم تعلو، تكاد تشق الجدران. صوت زوجها بينهم، ضاحكًا، غير مكترث بغيابها، كأن وجودها في الداخل أمرٌ مفروغٌ منه، كأنها جزء من الأثاث. دخل ابن سمر فجأة، صوته حاد ومتطلب - ماما أنا جعان. تأففت سمر دون أن تنظر إليه - ما أنا قلتلك افطر حلو. ثم لوّحت بيدها بكسل — لا جري عالشارع ولا حاجة… مرات خالك لسه مخلّصتش الغدا. ادخل لندى جوّه تعملك سندوتش. ركض الطفل نحو المطبخ، وقف أمام ندى يردد بعناد طفولي - عاوز ساندوتش… وساندوتش كانت ندى تحاول التماسك، تقاوم الإعياء والغثيان الذي ينهش معدتها منذ الصباح. لكن ما إن سمعته حتى انهارت آخر مقاومة. لم تستطع كتم الأمر أكثر. اندفعت إلى الحوض تفرغ ما في معدتها، ثم سقطت جالسة على الأرض، جسدها يرتجف، تشعر بالبرد والحرارة يتناوبان عليها، كأن جسدها لم يعد ملكها. هرب الطفل للخارج متأففًا، يصيح - ندى بترجّع… ووقعت في الأرض نهض أيمن فزعًا، أسرع نحو المطبخ. تبادلت فاطمة وسمر نظرة سريعة، قبل أن تقول سمر بسخرية مكتومة - ماله؟ هيموت عليها كده وقفت فاطمة بدورها، تمتمت - قلبه خفيف. قومي نشوف مالها. دخلوا ليجدوها تتصبب عرقًا، وجهها شاحب، وأيمن يسندها محاولًا أن يخفف عنها. وما إن رآهم حتى قال بقلق - تعالي يا سمر ساعديني نغير لها، ونوديها لدكتور. قاطعتهم فاطمة فورًا، بنبرة حاسمة وكأنه إقترف ذنبا بطلبه - دكتور ليه؟ كفانا الله الشر. ثم التفتت إلى ندى، تحدّق فيها بنظرة فاحصة - البتاعة متأخرة؟ أجابت ندى بوهن، بالكاد يخرج صوتها - ما جتش من يوم الفرح. اتسعت ابتسامة فاطمة فجأة، ابتسامة رضا وانتصار - بس كده....... مبروك… هتبقى أب يا واد يا أيمن. ثم أمرت بلا مبالاة - شيلها دخلها على سريرك، وأختك تعملها كوباية ميه بلمون… هتفوق وتبقى حلوة..... يا ألف نهار أبيض واستدارت خارجة من المطبخ، تردد باستهجان وهي تهز رأسها - حبلنا وولدنا من غير دكاترة… بنات آخر الزمن! وبقيت ندى،محمولة على أكتاف غيرها،بين فرحةٍ لم تُستأذن،ووجعٍ لم يُسمع له صوت. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ مرت الأيام التالية بطيئة وثقيلة، لم تحمل لندى أي اختلاف يُذكر بعد خبر حملها. كانت تستيقظ مع أول خيط ضوء، قبل أن يستيقظ البيت، وتبدأ يومها كما اعتادت؛ تنظيف، طهي، غسيل، وخدمة لا تنتهي. لم يكن هناك تخفيف في الأعمال، ولا نظرة شفقة، بل على العكس، بدا وكأن الحمل أضاف عبئًا جديدًا إلى قائمة واجباتها، وكأن جسدها مطالب بأن يكون أقوى، لا أضعف. كانت تقف في المطبخ لساعات طويلة، تشعر بالغثيان يتصاعد فجأة، فتترك ما بيدها لتركض إلى الحمام، ثم تعود بعد دقائق، تغسل وجهها بالماء البارد وتكمل عملها بصمت. لم يكن أحد يسألها إن كانت بخير، ولم يكن أحد يلاحظ شحوب وجهها أو ارتجاف يديها وهي تحمل الأواني الثقيلة. كانت فاطمة تراقبها بعين لا تعرف الرحمة، وكلما لاحظت تباطؤها علّقت ببرود أن الحمل ليس مرضًا، وأن النساء في زمانها كن يلدن ويعدن للعمل في اليوم نفسه. أما سمر، فكانت تتعامل مع وجود ندى كأمر مسلم به، ترسل أطفالها إليها في أي وقت، وتلقي بطلباتها دون أدنى اكتراث بتعبها أو حالتها. ومع مرور الوقت، بدأ جسد ندى يعلن رفضه. صار الدوار ملازمًا لها، وأصبحت قدماها بالكاد تحملانها مع نهاية اليوم. في إحدى الليالي، جلست على طرف الفراش بعد أن أنهت أعمالها، تشعر بصداع حاد وضيق في صدرها، وتضع يدها على بطنها كأنها تحاول أن تطمئن نفسها أكثر مما تطمئن جنينها. دخل أيمن الغرفة، بدا عليه الإرهاق من يومه، لكنه لم يلحظ حالتها. خلع ملابسه ووضعها جانبًا، ثم جلس دون أن يسألها عن شيء. ترددت ندى قليلًا قبل أن تتكلم، وكأنها تخشى أن يكون طلبها عبئًا جديدًا. قالت بصوت منخفض - أيمن… أنا تعبانة قوي. نظر إليها سريعًا، ثم عاد ينشغل بما بيده. - تعبانة من إيه؟ اقتربت منه خطوة، محاولة أن تشرح ما تشعر به. - بيدوّخ، وبرجّع كتير، وحاسة إن جسمي مش مستحمل. تنهد بضيق واضح وقال - ما كل الستات بتعدي بكده، الحمل طبيعي. ترددت للحظة، ثم قالت بحزم حاولت أن تستجمعه - أنا عاوزة أروح لدكتور.رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.- وإحنا نعمل إيه يعني؟ تسيبي البيت؟ردّت، وقد بدأت نبرتها تهتز- أنا من ساعة ما حملت وأنا شغّالة أكتر من الأول، لا ارتحت ولا حد حس بيا.قال بنفاد صبر- إنتِ بتكبّري الموضوع على الفاضي، ده بيتك.نظرت إليه نظرة مباشرة وقالت بمرارة- لا... ده بيتهم، وأنا فيه خدامة.كانت تلك الجملة كافية لإشعال غضبه. اقترب منها بعصبية، حاولت أن تتراجع خطوة، لكن جسدها لم يسعفها. ارتفعت يده دون تفكير، وصفعها صفعة واحدة، لكنها كانت كافية لتسقطها أرضًا.جلست ندى للحظة على البلاط البارد، تشعر بطنين في أذنيها وحرقة في خدها. لم تبكِ، بل رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وتنفست بصعوبة. نظرت إليه بعينين ثابتتين، وقالت بصوت هادئ مخيف- اضربني أنا... بس ما تضربش أم ابنك.وقف أيمن في مكانه مرتبكًا، يحاول أن يقول شيئًا، لكنها لم تنت
خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِتّي… آخر سنة بقى، وتحصّلي أختك وتتجوزي.توقفت ليلى فجأة، والتفتت إليها بدهشة صادقة- طب ما إنتِ آخر سنة برضه يا فالحةضحكت منار، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحمل سرًّا ثقيلًا- آه آخر سنة… بس قدّامي اتنين لسه.سارتا بضع خطوات في صمت، قبل أن تميل منار برأسها قليلًا وتقول بنبرة خافتة- أقولك على سر؟قالت ليلى بنفاد صبر مصطنع- قولي يا فالحة.ابتسمت منار، واقتربت منها أكثر- أنا شاكّة إن الواد أمجد، أخويا… عينه منك وعايز يتجوزك.توقفت ليلى مرة أخرى، واتسعت عيناها وهي تتأمل صديقتها كأنها تحاول قراءة ملامحها- إيه؟ إيه إيه؟ثم هزّت رأسها سريعًا- لا يا سِتّي… إنتِ حربوءة زي سمر أخت أيمن.لوّحت منار بيدها باستخفاف- يا أختي إنتِ تطولي…ثم أضافت بجدية خفيفة- وبعدين إحنا عندنا مرات أخويا الك
كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من أن تُتهم بالكسل.في نهاية اليوم، حين صعدت إلى شقتها، كانت قد فقدت الإحساس بالزمن. لم تعد تشعر بقدميها، ولا بيديها، فقط ذلك الفراغ الذي يسكن الجسد حين يُستنزف حتى آخره. نظرت إلى المرآة، فلم ترَ العروس التي ابتسمت صباحًا، بل امرأة بعينين متعبتين، ووجهٍ شاحب، وحلمٍ بدأ يفقد بريقه.كان ذلك أول يوم كامل…تعرفت فيه ندى على معنى التعب بلا تقدير،والعطاء بلا مقابل،والحب… حين يُترَك وحيدًا في مواجهة القسوة.أغلقت ندى باب شقتها خلفها بهدوء، ذلك الهدوء الذي يشبه الفراغ. لم تستند إلى الباب كما تفعل الشخصيات في الحكايات، لم تبكِ فورًا، ولم تتنهد. فقط وقفت لثوانٍ، تحدّق في المساحة أمامها، كأنها دخلت مكانًا لا تعرفه.خلعت حذاءها ببطء، وضعته جانبًا، ثم سارت نحو غرفة النوم بخطوات ثقيلة. جلست على طرف الفراش، و
تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟ في إيه؟تمددت ندى مكانها من جديد، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية- مش عارفة… أختك جت دلوقتي وبتقول إنها عاوزاك.لم ينتظر أيمن أكثر. نهض من على الفراش سريعًا، وهو يرتدي ملابسه على عجل، ثم قال وهو يهمّ بالخروج- طيب… قومي حضّري الفطار على ما أنزل أشوفها عاوزة إيه.بقيت ندى مكانها للحظة، تحدّق في الفراغ، تشعر بأن شيئًا ما تبدّل دون مقدمات. لم تكن هذه الطرقات كغيرها، ولم يكن هذا الصباح كالأيام السابقة. كان في الهواء إحساس غريب، كأن الجنة التي عاشت فيها أربعة أيام فقط… بدأت تتشقّق بصمت.نزل أيمن مهرولًا إلى الطابق السفلي، خطواته سريعة لكنها مترددة، كأن قدميه تسبقانه بينما قلبه يحاول التراجع. وجد والدته تجلس على مقعدها المعتاد، ظهرها مستقيم، وملامحها مشدودة، وعيناها متأهبتان كمن كان في انتظار
وقف أيمن لثوانٍ أمام الباب، كأن الطرقات لا تضرب الخشب فقط، بل تضرب صدره هو. نظر إلى ندى نظرة سريعة، فيها اعتذار غير منطوق، ثم مد يده وفتح الباب. كانت فاطمة تقف في الخارج. لم تكن وحدها. سمر إلى جوارها، نصف ابتسامة على شفتيها، وعيناها تجولان في الشقة بفضولٍ وقح، كأن الباب فُتح لهما منذ زمن، لا منذ لحظة. قالت فاطمة بنبرة هادئة، لكنها حاسمة كحد السكين - قلنا نطمن عليكوا… ونشوف العروسة. تراجعت ندى خطوة إلى الخلف دون وعي، شدّت طرف روبها بين أصابعها، شعور مفاجئ بالانكشاف تسلل إليها. لم تكن مستعدة لعيونٍ أخرى في تلك اللحظة، ولا لوجودٍ يقتحم دفئها الوليد. فتح أيمن الباب أكثر وقال بتردد خفيف - ادخلوا يا أما..... ادخلى يا سمر … دخلتا. بدخولهما، تبدل الهواء. كأن الشقة فقدت دفئها فجأة، كأن الجدران انكمشت، وكأن المساحة التي حلمت بها ندى كملاذ آمن تقلصت إلى زاوية ضيقة. نظرت فاطمة حولها نظرة فاحصة، عيناها تمسحان المكان بدقة، لا تترك تفصيلة دون تعليق داخلي. اقتربت خطوة من ندى، حدّقت فيها من أعلى لأسفل، ثم قالت بنبرة بدت كمدح لكنها حملت وخزًا خفيًا - ألف مبروك يا عروسة…... انا قولت نيجى
انتهت الخطبة بعد ساعاتٍ ثقيلة، لم يكن الجميع يتحدث عنها بوصفها مناسبة فرح خالصة، بل بوصفها أول مشهدٍ كاشف لسطوة تلك السيدة، فاطمة، وحضور ابنتها الطاغي، حيث بدا لمن يراقب عن قرب أن القرار لم يكن يومًا بيد العريس وحده، وأن نبرة التحكم كانت أعلى من الزغاريد.ما إن غادر آخر الضيوف، حتى سكن البيت فجأة، كأن الجدران أطلقت زفرة ارتياحٍ طويلة بعد صخبٍ مرهق. خفتت الأصوات، وبقيت رائحة العطور مختلطة برائحة الشاي وبقايا الفرح المعلّق.جلست ندى أمام المرآة، تخلع زينتها ببطء، تمرر قطعة القطن على وجهها وكأنها تزيل أثر يومٍ كامل، لا مجرد مساحيق. كانت ملامحها هادئة، مبتسمة، لكن عينيها لمحتا انعكاس ليلى خلفها، جالسةً في صمتٍ غير معتاد، شاردة كأنها غائبة عن الغرفة كلها.التفتت ندى قليلًا وقالت بنبرة خفيفة، تحاول كسر الصمت- مالك يا ليلى؟ سرحانة كده ليه؟ أوعى تكوني زعلانة إني همشي… ولا إيه؟ تكوني عاوزة تتجوزي إنتِ كمان؟لم تبتسم ليلى. تحركت وجلست متربعة على طرف الفراش، ورفعت عينيها نحو أختها بنظرة مترددة، قبل أن تسأل بصوت خافت لكنه محمّل بالقلق- إنتِ متأكدة إنك هتقدري تعيشي مع أم أيمن دي… ومع أخته؟توق







