ホーム / الرومانسية / ظل بارد / البارت السابع

共有

البارت السابع

作者: Faten Aly
last update 公開日: 2026-05-19 19:43:58

رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.

- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع

شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.

- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل

وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.

- وإحنا نعمل إيه يعني؟ تسيبي البيت؟

ردّت، وقد بدأت نبرتها تهتز

- أنا من ساعة ما حملت وأنا شغّالة أكتر من الأول، لا ارتحت ولا حد حس بيا.

قال بنفاد صبر

- إنتِ بتكبّري الموضوع على الفاضي، ده بيتك.

نظرت إليه نظرة مباشرة وقالت بمرارة

- لا... ده بيتهم، وأنا فيه خدامة.

كانت تلك الجملة كافية لإشعال غضبه. اقترب منها بعصبية، حاولت أن تتراجع خطوة، لكن جسدها لم يسعفها. ارتفعت يده دون تفكير، وصفعها صفعة واحدة، لكنها كانت كافية لتسقطها أرضًا.

جلست ندى للحظة على البلاط البارد، تشعر بطنين في أذنيها وحرقة في خدها. لم تبكِ، بل رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وتنفست بصعوبة. نظرت إليه بعينين ثابتتين، وقالت بصوت هادئ مخيف

- اضربني أنا... بس ما تضربش أم ابنك.

وقف أيمن في مكانه مرتبكًا، يحاول أن يقول شيئًا، لكنها لم تنتظر. نهضت بصعوبة، دخلت الغرفة المجاورة، وفتحت الدولاب. جمعت بعض ملابسها دون ترتيب، وضعتها في حقيبة صغيرة، وكل حركة كانت تؤلمها، لكنها واصلت دون توقف.

خرجت وهي تحمل الحقيبة، فبادرها بصوت متردد

- رايحة فين؟

استدارت نحوه، وملامحها خالية من أي رجاء.

- رايحة المكان الوحيد اللى لسه بيعتبرني بني آدمة مش خدامة وآله ملهاش حق حتى ترتاح

فتحت الباب وخرجت دون أن تلتفت خلفها. في الشارع، كان الهواء باردًا، لكنها شعرت لأول مرة منذ شهور أنها تتنفس. وضعت يدها على بطنها، ومشت ببطء، متجهة إلى بيت أبيها، وهي تعلم أن ما حدث لن يكون مجرد خلاف عابر، بل بداية طريق طويل لن تعود منه كما كانت.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

ما إن فتحت سعاد الباب حتى تجمّدت في مكانها.

وقفت ندى أمامها بملابس غير مرتّبة، شعرها مبعثر، وعيناها غارقتان في الدموع. كان وجهها شاحبًا على غير عادته، وتحت الإضاءة الخافتة ظهر أثر الصفعة واضحًا على وجنتها، علامة حمراء لم تُمحَ بعد.

اتسعت عينا سعاد بصدمة، واقتربت منها خطوة واحدة، وكأنها لا تصدّق ما ترى.

قالت بصوت مرتجف

- مالك يا ندى؟ إيه ده؟... إنتِ مضروبة؟

لم تستطع ندى الرد. كانت الكلمات أثقل من أن تخرج، والوجع أعمق من أن يُحكى. حاولت أن تخطو نحو والدتها، خطوتين فقط، كأنها تبحث عن الأمان الذي فقدته، لكن جسدها خانها. اختلّ توازنها فجأة، وشعرت بالدنيا تدور من حولها، لتسقط بين ذراعي أمها مغشيًا عليها.

صرخت سعاد بفزع وهي تمسك بها قبل أن ترتطم بالأرض.

- ندى.... يا ندى

هرع الأب من الداخل على صوت الصراخ، ولحقت به ليلى التي ما إن رأت أختها حتى شهقت، ووضعت يدها على فمها، وعيناها تمتلئان بالدموع. حملها الأب بسرعة، ومدّها على الأريكة، بينما كانت سعاد تحاول إفاقتها، تمرر يدها على وجهها وتبكي في صمت متقطّع.

جلست ليلى على الأرض جوار الأريكة، تنظر إلى أثر الضرب على وجه أختها، وتشعر بشيء مظلم يتكوّن داخل صدرها. لم يكن حزنًا فقط، بل غضبًا حادًا، ساكنًا، يشبه النار قبل الاشتعال.

وحين فتحت ندى عينيها ببطء، كان أول ما رأته هو سقف بيت أبيها، وأول ما شعرت به هو يد أمها تمسح على شعرها. أغمضت عينيها مرة أخرى، وتركت دمعة ساخنة تنزلق بصمت، كأنها تسلّم نفسها أخيرًا لمكانٍ لا يُطلب فيه الصبر بالقوة.

في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن ما حدث لم يكن شجارًا عابرًا، وأن عودة ندى إلى بيت أبيها لم تكن زيارة، بل استغاثة متأخرة.

✨✨✨✨✨✨✨✨

دخل الطبيب الغرفة بخطوات سريعة، يتفحّص التقارير في يده، ثم يرفع بصره إلى ندى الممدّدة على الفراش. لم يحتج إلى كثير من الوقت؛ شحوب وجهها، هزال جسدها، وارتجاف يديها كانت كافية لتقول كل شيء. اقترب منها، ضغط بخفة على معصمها، ثم نظر إلى والدتها نظرة حادة.

قال بانفعال واضح

- ازاى تسيبوها توصل للحالة دي؟

ساد صمت ثقيل، فقط صوت أنفاس ندى المتقطعة يملأ المكان.

أكمل وهو يشير بيده نحوها

- إزاي واحدة حامل مهملة بالشكل ده؟ دي محتاجة مقويات ومحاليل فورًا، غير حالة القيء المستعصي وسوء التغذية، وأنيميا واضحة.

تراجع خطوة وجلس على مقعده بعصبية، وأسند ظهره، ثم قال بصوت أقل حدة لكنه أشد وقعًا

- إنتوا كده بتموتوها بالبطء.

كانت الكلمات كالسكاكين. حاولت ندى أن ترفع رأسها، فجلست بصعوبة على الفراش، تضم ذراعيها حول نفسها، كأنها تحاول جمع ما تبقى منها. دمعة ساخنة شقّت وجنتها ببطء، ليست دمعة ألم فقط، بل دمعة ندم على حلم صدّقته، وعلى بيت ظنّته أمانًا فكان فخًا.

في المقابل، نهضت سعاد بسرعة، صوتها يحمل خوفًا صادقًا هذه المرة

- طب قول يا دكتور… قول المطلوب وإحنا نعمله، المهم بنتي تبقى كويسة.

لم يردّ الطبيب، بل أمسك بالقلم وبدأ يكتب الأدوية بعجلة، ثم أنهى الكتابة وضرب الجرس الموضوع على مكتبه. بعد لحظات دخلت الممرضة.

قال لها بنبرة حاسمة

- خديها جوه، علّقي لها محلول، وحطي معاه الحاجات دي.

ثم أضاف وهو ينظر إلى سعاد:

- ومتحاسبوهاش عليه.

أومأت الممرضة باحترام، وتقدّمت نحو ندى. شكرتها سعاد بعينين دامعتين، وأسندت ابنتها لتقف، بينما كانت ندى تمشي بخطوات بطيئة خلف الممرضة، رأسها منخفض، ويدها تستقر فوق بطنها في صمت.

في الممر الطويل، كانت خطواتها ثقيلة، لكنها شعرت للمرة الأولى أن أحدًا رآها كما هي، لا كخادمة، ولا كعبء، بل كإنسانة مهددة بالكسر.

وكان ذلك الاعتراف… متأخرًا، لكنه أنقذ ما تبقّى منها.

كانت ندى مستلقية على الفراش الأبيض، ذراعها ممدودة، والمحلول يتسلل ببطء إلى عروقها. كانت تتابع قطراته الشفافة وهي تنساب داخل الأنبوب، نقطة بعد أخرى، كأنها تعدّ الزمن المتبقي لها لتستعيد شيئًا من نفسها.

الغرفة هادئة على غير عادتها، لا أوامر، لا أصوات، لا مناداة باسمها لتقوم أو لتخدم. فقط صمتٌ خفيف، وصوت جهاز صغير يعلن أن قلبها ما زال يقاوم.

أغمضت عينيها قليلًا، وشعرت لأول مرة منذ شهور أن جسدها مستلقٍ لا واقف، وأن ظهرها ليس مطالبًا بحمل شيء. لم تكن الراحة كاملة، لكنها كانت كافية لتكشف لها كم كانت منهكة. تساءلت في سرها: متى صرت أستأذن لأتعب؟ ومتى صار طلبي للراحة ترفًا لا يليق بي؟

تذكرت بيتها الجديد، المطبخ الذي لم تغادره إلا لتعود إليه، والوجوه التي اعتادت أن تراها من أعلى، لا لتطمئن عليها، بل لتراقبها. تذكرت أيمن، كلماته التي كانت في البداية وعدًا، ثم صارت مبررًا، ثم تحولت إلى صمتٍ جارح. شعرت بوخزة خفيفة في صدرها، لا من الإبرة، بل من خيبة أمل لم تعترف بها يومًا.

مدّت يدها الحرة إلى بطنها، لمستها برفق، كأنها تعتذر. همست في داخلها بأنها لم تقصّر عن قصد، وأنها حاولت قدر ما استطاعت، لكن الجسد له حدود، والروح أيضًا. أدركت فجأة أن الأمومة لا تبدأ بالتحمل الأعمى، بل بالنجاة أولًا، وأن الطفل الذي بداخلها لا يحتاج أمًا مكسورة، بل أمًا باقية.

فتحت عينيها وحدّقت في السقف. لم تفكر في الغد، ولا في المواجهات القادمة، ولا في البيت الذي تركته خلفها. فكرت فقط في هذه اللحظة؛ لحظة اعتراف صامت بأنها كانت تُهمل، وأن ذلك لم يكن ذنبها. شعرت بالدفء ينتشر ببطء في جسدها مع سريان المحلول، وسمحت لنفسها لأول مرة أن تستسلم، لا للضعف، بل للهدوء.

وفي ذلك الهدوء، اتخذت قرارًا لم تصغه كلمات بعد، لكنها شعرت به واضحًا في قلبها لن تعود كما كانت، ولن تقبل أن تُدفن حيّة مرة أخرى، لا هي… ولا الجنين الذي يتشبث بالحياة داخلها.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード
コメント (1)
goodnovel comment avatar
Lola
الأحداث شيقه انتظر الباقي
すべてのコメントを表示

最新チャプター

  • ظل بارد    البارت الثالث والتسعون والأخير

    أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تغزل خيوطًا من نورٍ خالص لتزفّ للكون عهدًا جديدًا. كان هواء المساء يحمل أنفاس الفرح الموعود، والقاعة الكبرى قد تزيّنت بالورود البيضاء والشموع الدافئة، لتبدو كجنةٍ صغيرة تليق بليلةٍ انتظرها الجميع طويلاً. في وسط القاعة، كان يزن يقف بثوب زفافه الأسود الأنيق، شامخًا كالنخل، يافعًا، يفيض رجولةً وجاذبية. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل خطوة تقترب بها عروسه نحو المنصة، وعيناه تلتمعان ببريقٍ جارف من السعادة والانتصار. لم يكن فرحه الليلة مجرد فرحة عريسٍ بنصفه الآخر، بل كان إعلانًا لنجاته، وتتويجًا لرحلة شابٍ شبّ عزيزًا، مكرمًا، محاطًا بحصنٍ من الحب بدّد من أمامه أشباح اليتم والوحشة. التفت حوله المهنئون، لكن عينيه كانت تفتشان في الوجوه عن ذوي الفضل، عن أمانه الحقيقي. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف كملكةٍ حانية، ترتدي ثوبًا مخمليًا رائعًا يبرز حسنها الفاتن الذي لم تزدْه السنون إلا نضجًا وبهاءً. كانت عيناها العسليتان تسبحان في بحرٍ من دموع الفرح الدافئة، وهي تنظر إلى يزن... طفل أختها الذي ضمته إلى صدرها يوماً خشية الضياع، تراه الآن رجلاً يشار إليه بالبنان، يؤسس بيتاً

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت الثامن

    مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج.

  • ظل بارد    البارت السادس

    خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِت

  • ظل بارد    البارت الخامس

    كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من

  • ظل بارد    البارت الرابع

    تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status