登入أغلق باب شقتي الفاخرة خلفي، نقرة جافة ترن في صمت الرواق. الرائحة المألوفة تستقبلني كتذكير باليومي، مزيج خفي من الخشب الملمع، والفانيليا الناعمة، وذلك العطر الخفيف الذي تحب أن تضعه، أثر منعش، شبه مثلج، ينتشر في الهواء كتوقيع غير مرئي.
أضع معطفي على العلّاقة الخشبية المصقولة، ثم ترن مفاتيحي وهي تسقط في فراغ الوعاء الموضوع على الكونسول. كل حركة تبدو لي آلية، بعيدة. أنا هنا، لكن غائب.
الصالون مغمور بضوء المصابيح المصممة الخافت، الذي يمنح الأثاث انعكاسات دافئة، شبه مطمئنة. هي هناك، بلا حراك، على الأريكة، ساقاها متقاطعتان برشاقة فطرية. تنظر إليّ، تلك الابتسامة الهادئة على شفتيها، تلك التي أسرتني منذ النظرة الأولى، تلك التي جعلتني أصدق أن لا شيء يمكن أن يفرقنا.
هي جميلة. دائماً. جمال يتجاوز الموضة والزمن. الجمال المضيء لعارضة أزياء، نحيلة، ممشوقة، حيث كل حركة تصبح رقصة طبيعية، بلا مجهود، رشاقة فطرية. شعرها الأشقر شبه البلاتيني ينساب كشلال على كتفيها الضيقين، يؤطر وجهاً منحوتاً، رقيقاً، بوجنتين عاليتين وشفتين ممتلئتين، مطرزتين دائماً بلون وردي طبيعي خفيف. عيناها، ذات الزرقة الفاتحة كبحر هادئ، تبدوان كأنهما تقرآن في داخلي دون مجهود، تخترقان هذا القناع الذي أحاول إظهاره.
ترتدي رداءً أسود بسيطاً، أنيقاً، يعانق منحنياتها دون تكلف. صورة ظلية بلا إفراط، متناسقة، متحكم بها، مثالية، كما يمكن القول، لأغلفة المجلات، للسهرات المضاءة بالأضواء الكاشفة.
أشعر بنظرتها تستقر عليّ بينما أقترب، مزيج من الانتظار والنعومة في تعبيرها.
— لقد تأخرت، تقول بهدوء، دون إدانة. كنت قد بدأت أتساءل أين كنت.
أحكم فكي، ثقل هذا اليوم يسحقني. ليس هذا وقت الكلام. ليس الآن. ليس معها.
— آتٍ من العيادة، تمتمت، الصوت أجش.
تومئ برأسها، كما لو كانت قد توقعت هذا الجواب مسبقاً. تعرف صمتي، غياباتي، مزاجي المظلم أحياناً. تعرف الألم الذي أخفيه، الحزن الذي ينهشني.
— تعرف أنني لم أرغب أبداً في أطفال، أليس كذلك؟ تقول بنبرة تريدها شبه منفصلة، لكنها تخون قاعاً من العاطفة المكبوتة.
أنظر إليها، عيناي تلتقيان بعينيها. ليس عتاباً. إنها حقيقة تحملها منذ الأبد، قناعة راسخة. تحب حريتها، مسيرتها المهنية، حياتنا الثنائية دون تعقيدات. تحدثنا عنها ألف مرة، حتى قبل أن نتزوج.
— أعرف، أجبت، شبه آلي، لكني كنت أرغب فيهم، والحلق مشدود.
تبتسم، ابتسامة ناعمة لكن حزينة قليلاً، كما لو كانت تحزر أنني أخفي شيئاً أثقل، سراً لا أستطيع قوله لها. لكنها لا تسأل شيئاً. تحترم هذا الصمت، هذا الحاجز غير المرئي الذي أبنيه بيننا.
أجلس على الأريكة، الكتفان مثقلان، الرأس مليء بأفكار دوّامة. اللقاء على السطح مع كلارا لا يتوقف عن مطاردتي. تلك الفتاة المجهولة، خوفها، ألمها. سرها المدفون.
أود التحدث إليها، أن أفهم. مع ذلك، أنا محاصر في حياتي الخاصة، في هذا الزواج بدون أطفال، في هذه الواجهة الهادئة التي تخفي عاصفة داخلية لم أعد أعرف كيف أعبر عنها.
أقف، أمشي ببطء نحو النافذة. المدينة تتمدد تحت الليل، محيط من الأضواء الباهتة، شبه غير حقيقية. أغمض عينيّ للحظة، أتنفس بعمق، أحاول تهدئة هذه الفوضى التي تمزق صدري.
تقترب، تضع يداً ناعمة على كتفي، حركة بسيطة، مشحونة بالحنان والانتظار.
— تريد التحدث عن ذلك؟
أهز رأسي، عاجز عن صياغة الكلمات، سجين صمتي. عندها تكتفي بالبقاء هناك، صامتة، مرساة في انجرافي، الحضور المطمئن الذي يمسكني.
في اضطراب ذهني، فكرة مجنونة تنبت: رؤية كلارا مجدداً.
ربما في نظرتها، في غموضها، سأجد معنى لهذه الفوضى التي تمزقني.
لكن حالياً، أبقى سجين هذا الصمت المشترك، بين روحين لم تعودا تعرفان كيف تتحدثان، زوجان مبنيان على الحب لكن ينخرهما ما لا يُقال.
أبتعد عنها برقة، أعبر الغرفة. الشقة تبدو شاسعة جداً هذه الليلة، فارغة جداً رغم غنى ديكورها المقتصد، أعمالها الفنية المختارة بعناية.
أترك نفسي أسقط في مقعد، أغمض عينيّ. الليل طويل.
---
إليزالصباح يتمدد في بطء غريب.الدقائق تتعلق ببعضها، ثقيلة ومترددة.الوجوه من حولي تبدو ضبابية، كما في حلم لا أستطيع الخروج منه.في كل مرة يمر في الممر، أشعر بجسدي يتصلب.حتى دون أن أنظر إليه، أعرف.أتعرف الطريقة التي ينزلق بها ظله على الزجاج، إيقاع خطواته، ذلك الحفيف الخفيف للقماش عندما يدور.الشائعات، هي، تسير على قدم وساق.همسات، ابتسامات مكتومة نصفًا.يتحدثون بصوت منخفض، لكن ليس كافيًا.اسم يهمس، ضحكة تقطع بسرعة، جملة معلقة.كل هذا ينسج شبكة حولي.أبقي رأسي منخفضًا، مركزة على أرقام لم تعد لها أي معنى.لكن في الداخل، كل شيء لا يزال يحترق.الليل، البحر، الريح — كل شيء عاد.—عند الظهر، بينما يستعد الآخرون للخروج، رسالة تظهر على شاشتنا:من: الإدارةهل يمكنكِ المرور لرؤيتي قبل تناول الغداء؟قلبي ينقبض.أنظر إلى الباب الزجاجي لمكتبه: مغلق.أقوم، ببطء، محاولة أن أبدو هادئة.عندما أدخل، إنه وحده.ضوء الظهيرة يغمر الغرفة، قاسٍ، ساطع، بلا ظل.على الطاولة المنخفضة، طبقا طعام ينتظران، لا يزالان دافئين.ينظر إليَّ بهذا التعبير الذي لم أعد قادرة على فك شفرته.مزيج من التعب، والتحفظ، وشيء آخر —
إليزفي اليوم التالي، يبدو المكتب أكثر برودة من المعتاد.ليس بردًا حقيقيًا، ليس ذاك الذي نشعر به على الجلد، بل ذاك الذي يأتي من الداخل.كما لو أن الأمس قد ترك عليَّ طبقة غير مرئية، حجابًا من الملح والصمت.ربما أنا التي تغيرت.أو ربما الضوء.هذا الضوء الأبيض، الذي لا يرحم، الذي ينزلق على الزجاج ويتسلل إلى كل مكان.لا يدفئ شيئًا. إنه يكشف.أعبر الممر في صمت.كل خطوة تتردد بقوة كبيرة بعض الشيء.المحادثات تنقطع نصفًا، الضحكات تُخنق.أو ربما أتخيل.ربما كل شيء يأتي مني.أبتسم، ألقي التحية، أجلس.لكن جسدي لم يعد يسمع لي.حركاتي آلية، أجوف، كما لو كنت لا أزال أمثل دور شخص آخر.لوحة المفاتيح تدق تحت أصابعي دون أن أرى الكلمات حقًا.عندما يدخل، لست بحاجة لرفع عيني.أشعر به.رعشة تعبر الهواء، ضئيلة، كهربائية.همس الأصوات يخفض نغمة.خطواته، البطيئة، المنتظمة، تقترب.يمر بجانبي، دون كلمة.رائحة معطفه — تلك الخاصة بالريح، التبغ، الملح — تلامس وجهي.إنها نفس تلك التي لا تزال نائمة في حقيبتي، مطوية بين ملفين، كسر لا يمكن الاحتفاظ به ولا رده.نظراتنا تتقاطع لثانية.واحدة فقط.لكن هذه الثانية تدوم طويل
إليزالوجبة مرت في هدوء مخملي.أمي كانت تتحدث بجمل صغيرة، كما لو كانت لملء الفراغات.جدتي، هي، كانت تراقب، منتبهة، وكأنها تقرأ فيّ ما لا أجرؤ على قوله.كنت أتناول قضمات من صحني دون أن آكل حقًا. الطعم لم يعد يدخل.ولا الكلمات أيضًا.عندما أنهض لرفع الطاولة، يصدر صوت جاف: ثلاث طرقات على الباب.أمي تفزع.— في هذه الساعة؟ تهمس.أذهب لأفتح.وأبقى متجمدة.هناك، على الهبوط، في الضوء الشاحب للممر، يقف مديري.معطفه الداكن مبلل، عيناه تلمعان بتوتر لم أرَه من قبل.— مساء الخير، إليز. اعذريني على المجيء متأخرًا جدًا…صوته منخفض، مكبوح.أتأتأ:— كل شيء على ما يرام؟— أود التحدث معك. على انفراد، إذا أمكن.خلفي، أمي تتقدم، محرجة.— أهو مديركِ؟أومئ برأسي، ثم أقول:— سأعود حالاً، ماما.لا تصر.تعلم أن بعض الأشياء لا تُسأل.—في الخارج، الهواء منعش، رطب، محمّل بالملح.إنه ينتظرني بجانب سيارته، يداه في جيوبه.المحرك يدور بالفعل.أركب دون كلمة.الرحلة تمر في صمت.المدينة تمر، أعمدة الإنارة ترسم ظلالاً منزلقة على الزجاج الأمامي.أشعر باضطرابه، شبه ملموس.أصابعه تضغط على عجلة القيادة كما لو كان يريد حبس ش
إليزفي اليوم التالي، الجميع يعرف.أو يتظاهرون بأنهم لا يعرفون.وهذا نفس الشيء.الوجوه تغيرت في إضاءتها.قليلاً.ظل في النظرة، ابتسامة مكبوتة، صمت طويل جدًا.أشعر بذلك بمجرد أن أدخل.أصوات الصباح — لوحات المفاتيح، الضحكات، التحيات — تبدو وكأنها تناغمت على نفس النغمة الخاطئة.كل شيء يبدو أجوف.كل شيء يبدو ضدي.أضع حقيبتي، أشغل جهاز الكمبيوتر.الحركات آلية، لكن يديّ ترتجفان قليلاً.القهوة تبرد بجانبي، منسية.بجانب آلة القهوة، زميلتان تهمسان.أقترب: تتوقفان فجأة.لحظة معلقة.ثم ابتسامة، سريعة جدًا، مهذبة جدًا.— تبدين متعبة، إليز. كل شيء على ما يرام؟— نعم، شكرًا.صوتهما يعود عندما أدير ظهري.ضحكة مكتومة.كلمة لا ألتقطها — أو أفضل عدم التقاطها.أتنفس ببطء.الأسوأ ليس الحقد.إنه الفضول.تلك الطريقة التي يقترب بها الناس من الكارثة دون رغبة في لمسها.—عند الظهر، أبقى في المكتب.الآخرون ينزلون معًا، مصطفين كفوج منسق جيدًا.صوت أصواتهم يبتعد في الممر، ثم يعود الصمت.صمت جديد، لا يرحم.أخرج شطيرتي، بدون شهية.ورق الألمنيوم يصدر أزيزًا في الغرفة الفارغة.يبدو الصوت عاليًا جدًا، شبه فاحش.آكل ب
إليزالقهوة لها طعم الرماد.لكنني أشربها على أي حال.فقط لأشعر بشيء يمر.أمي تتحدث بصوت منخفض مع جدتي. لا أميز الكلمات.أعرف فقط أنه لا يزال موضوع «أدلة»، «حقيقة»، وما يجب «إظهاره» أو «كتمه».لم أعد أستمع.أجبر نفسي على الأكل. قضمة. اثنتان.الخبز جاف، المربى حلوة جدًا.أمضغ ببطء، كما لو كان ذلك يمكن أن يؤخر اللحظة التي سأضطر فيها للخروج.مواجهة الخارج.النظرات.العمل.أغتسل، أرتدي ملابسي، أمشط شعري على قدر المستطاع.المرآة تعيد إليَّ ذلك الوجه المتعب، لكني أكتشف فيه أثر إرادة، ضئيل.أتنفس بعمق.ثم أخرج.—الطريق إلى المكتب يمر في ضباب من الصور: المارة الضبابيون، ضجيج السيارات، طنين العالم.أمشي بسرعة.كلما اقتربت من المبنى، كلما انقبض صدري أكثر.في الاستقبال، ترمقني موظفة الاستقبال بنظرة مندهشة.— إليز؟ كل شيء على ما يرام؟— نعم. مجرد عائق.أمر دون توقف.بطاقتي تومض باللون الأخضر.رائحة الممر، صوت لوحات المفاتيح، الأضواء البيضاء جدًا... كل شيء يبدو غريبًا، كما لو أنني عدت إلى مكان غادرته منذ سنوات.عندما أدخل إلى مكتبي، إنه هناك: مديري.جالسًا في مكانه، أكمامه مرفوعة، ملف في يده.يرفع
إليزالساعة على المنبه تجاوزت العاشرة.الضوء بالكاد يدخل، مرشحًا عبر الستائر المسدلة.صفاء شاحب، رمادي تقريبًا.لابد أنني نمتُ دون أن أدرك.أو بالأحرى، انهرتُ.رأسي يدور.طنين خافت يهتز في صدغيَّ.فمي جاف، شفتاي ملتصقتان.كل نبضة من قلبي تبدو تتردد بقوة كبيرة، وكأنها لم تعد تنتمي تمامًا إلى جسدي.أبقى لحظة ثابتة، عيناي مفتوحتان على السقف.صمت المنزل غريب — ممتلئ جدًا، ساكن جدًا.يبدو وكأنه صمت يراقب.على طاولة السرير، صندوق الموسيقى لا يزال هناك.الغطاء الصغير المغلق يبدو وكأنه ينتظرني.صوت الطقطقة من الأمس لا يزال يتردد في رأسي، جاف ونهائي.كل ما حاولتُ الهروب منه ربما نائم هناك، محبوس بين جدران الخشب هذه.رائحة قهوة باردة تطفو في الهواء.وفي الأسفل، صوت خطوات: بطيئة، متقنة، يمكن التعرف عليها.جدتي.ثم صوت آخر، أكثر عصبية، أكثر سرعة: أمي.أنهض ببطء.عضلاتي تشدني، ساقاي ترتجفان.هواء الصباح يلتصق بجلدي.يهتز هاتفي فجأة على الطاولة.أفزع.الشاشة تضيء: ست مكالمات فائتة. كلها من نفس الرقم.قلبي يتخطى نبضة.العمل.لقد نسيت.تمامًا.أقف وثبة.السجادة تعترض قدمي، أكاد أسقط.أتكئ على الحائط.







