Masukالساعة تشير إلى 5:12 فجراً...المطر الغزير ما زال يضرب زجاج نوافذ شقة "البنتهاوس" الفاخرة في الطابق الخمسين بقسوة متواصلة، محولاً أضواء المدينة الخارجيّة إلى بقع ضبابية متلاطمة. كان كل شيء داخل الصالة المترامية الأطراف غارقاً في ظلام دامس وسكون شتوي حاد، إلا من التوهج الأزرق البارد الصادر عن شاشة التلفاز التفاعلية المعلقة على الجدار الرئيسي.ينساب صوت مذيع الأخبار الاقتصادية بنبرة رسمية ومكتومة:"...وفي تطور دراماتيكي مفاجئ شهدته أسواق المال قبيل بزوغ الفجر، نجحت مجموعة 'أورورا' الاستثمارية في التصدي لأكبر وأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة الحديثة، وذلك تحت القيادة المباشرة للرئيسة التنفيذية ياسمين الهاشمي. ومصادرنا التكنولوجية تؤكد أن الهجوم العنيف تم احتواؤه وتفكيك شفراته بالكامل خلال 13 دقيقة فقط..."ضغطة حادة وصوت ارتطام جاف!تحطم جهاز التحكم عن بُعد على الحائط المرمري وتناثر إلى شظايا بلاستيكية صغيرة.يقف لؤي المنشاوي في منتصف الصالة كالشبح المظلم. قميصه الأبيض العريض مبلل بالكامل بماء المطر، قطرات الماء تقطر من أطراف شعره الأسود وتتساقط على السجاد الثمين، وعيناه... لأول مرة في
الساعة تشير إلى 2:47 فجراً...مكتب مجموعة "أورورا" غارق في ظلام الليل الدامس، لا يقطعه سوى التوهج الأرقش الصادر من الشاشات الزجاجية التفاعلية. تجلس ياسمين خلف مكتبها، مستندة بظهرها، لم تذق طعم النوم منذ الأمس. منذ تلك اللحظة التي اختفت فيها سيارة لؤي المنشاوي في الشارع، وحدسها الاستثماري يطلق إنذارات مكتومة بأن شيئاً كارثياً على وشك الحدوث. ذلك الحدس التجاري والذكاء الفطري الذي بنت به إمبراطوريتها لا يخطئ أبداً.يقف دانيال بجانب الطاولة القريبة، يرتشف القهوة السوداء الشديدة السواد من كوبه الفخاري، وعيناه لا تفارقان جدران الحماية الرقمية للسيرفرات الرئيسية. يلقي نظرة حانية على وجهها المجهد، ثم يقول بصوت هادئ وممتلئ بالحرص:— "اذهبي إلى المنزل يا ياسمين... ارتادي فراشكِ وخذي قسطاً من الراحة. أنا هنا، وسأتولى مراقبة النظم والأنشطة المالية بنفسي."تضحك ياسمين بمرارة خفيفة دون أن ترفع عينيها الحادتين عن شاشة العرض:— "المنزل؟... المنزل يا دانيال كان معناه وسقفه مع ذلك الرجل قديماً. والآن، لم يعد هناك منزل ولا مأوى، بل توجد عرش وإمبراطورية عليّ حمايتها."وفي تلك اللحظة بالذات... يشتعل المكا
لم تكد سيارة ياسمين تختفي بين أمواج الزحام المتلاطمة في الشارع الرئيسي حتى يغمر لؤي المنشاوي إحساس جارف بأن شيئاً ما في أعماقه قد تحطم للابد."تحت قدمي..."تتردد الجملة في ذهنه كأنها صدى جرس جنائزي. ثلاث سنوات كاملة قضاها في الغربة والبحث، يأكله الندم وتطحنه محاولات كفارة ذنب لم ينتهِ، محاولاً التكفير عما أفسدته عائلته ورعونة ماضيه... وها هي تختزل كل تلك السنوات في جملة واحدة باردة، كأنها نصبت مقصلة لكبرياء المنشاوي في منتصف الشارع.يضرب لؤي بقبضته الحديدية على مقود السيارة الرياضية بقوة وهستيرية، فيرتج الزجاج الأمامي وتتأوه المحركات تحت قدمه. الغضب يغلي في عروقه كالبركان، لكن ما يحرقه ويأكل أحشاءه حقاً هو تلك الصورة الصامتة التي حُفرت في ذاكرته قبل دقائق: دانيال وهو يقف بثبات أمامها، كأنه الحارس الأمين والدرع الصلب الذي فشل لؤي دائماً في أن يكونه لياسمين يوم كانت تحتاجه.يهتز الهاتف في جيبه دون توقف، مكرراً نغمة الإشعار الحادة. يلمح الاسم على الشاشة: "هادي العزام". يتجاهله ببرود قاتل. في هذه اللحظة، تتهاوى أمامه كل الحسابات؛ لا تهمه تهديدات هادي، ولا ابتزاز البورصة، ولا انهيار أسهم ا
تقف ياسمين أمام الشاشة الزجاجية التفاعلية في مكتبها الفخم، تُتابع بقلق حركة المؤشرات المالية. برغم النجاح الباهر في قطع عقود التوريد عن مجموعة "فانغارد" وإلغاء الشراكة مع عائلة الهاشمي بسلام، إلا أن حدسها الاستثماري يخبرها بأن الهدوء الحالي ليس سوى العاصفة التي تسبق الانفجار.ينفتح الباب ببطء، ويدخل دانيال حاملاً جهازه المحمول. يضع الجهاز على الطاولة ويقول بنبرة حذرة:— "ياسمين، هناك تحركات غير عادية في أسواق الأسهم الأوروبية منذ الصباح. مجموعة 'فانغارد' لا تتراجع كما توقعنا بعد انسحابنا... بل على العكس، إنهم يضخون سيولة ضخمة ومجهولة المصدر لتثبيت أسهم مشروع المرفأ."تضيّق ياسمين عينيها اللوزيتين باهتمام، وتقترب من الشاشة قائلة:— "سيولة ضخمة؟ من أين لـ 'آدم' بهذه المبالغ وهو يواجه تجميداً جزئياً في أصوله؟ إلا إذا كان هناك طرف آخر يموله من الخلف..."يهز دانيال رأسه ويضيف بصوت خفيض:— "أو أن هناك من يبتزه ويدفعه إلى الزاوية. أياً كان السبب، لؤي لن يستسلم بسهولة، وهو يراقب كل تحركاتكِ. عليكِ الحذر يا ياسمين، الغضب والهوس عندما يجتمعان في رجل مثل لؤي المنشاوي يخلقان وحشاً لا يسعى للربح،
تندفع سيارة دانيال السوداء عبر الشوارع الماطرة بتناغم صامت، يقطع هدوءها فقط صوت قطرات المطر التي تضرب الزجاج الجانبي بانتظام. تجلس ياسمين في المقعد المجاور له، تسند رأسها على الزجاج البارد وتغلق عينيها بتعب شديد، بينما تتزاحم في ذهنها صور المواجهة الأخيرة وركام الماضي الذي يرفض أن يندثر.يلقي دانيال نظرة خاطفة عليها عبر المرآة، ثم يقلل من سرعة السيارة ويهز رأسه بأسى نافذ، قبل أن يكسر الصمت بصوته الدافئ المحمل بنبرة عتاب لا تخفى:— "ياسمين... ألم نتفق في المصحة الإيطالية أن تلك النظرة المكسورة لن تعود إلى عينيكِ أبداً؟ ألم نعد أنفسنا بتجاوز كل هذا الجحيم يوم أعدنا بناء حياتكِ من الصفر؟"تفتح ياسمين عينيها ببطء، وتنظر إلى كفيها الشاحبتين اللتين تشدان على حزام الأمان. تعود بها الذاكرة لسنوات خلت؛ إلى اللحظة التي التقت فيها بـ دانيال وهي مجرد جسد منهك تحاصره السمنة المرضية والانهيار النفسي الكامل. تفتكر كيف صمم لها برنامج العلاج البيولوجي المتقدم المدمج بالذكاء الاصطناعي، وكيف وقف معها خطوة بخطوة حتى ولدت من جديد بهذه الهيئة الرشيقة والصلابة الاستثمارية التي يخشاها الجميع.تنطق ياسمين بصو
تخرج ياسمين من قاعة الاجتماعات الزجاجية بخطوات متسارعة وواهنة، وكأن جدران المكان تضيق على أنفاسها وتكتم الهواء في رئتيها. تضغط بأسنانها على شفتيها لتمنع شهقات البكاء، بينما يسري في رأسها صدى الكلمات المسربة في الوثيقة: (والدة لؤي المنشاوي هي من قامت بتمويل وتسهيل عملية تنمر واضطهاد ياسمين الهاشمي...).في نهاية الممر الفسيح، يقف دانيال بانتظارها حاملاً بعض الملفات. ما إن يراها تخرج بتلك الحالة والشحوب يكسو وجهها، حتى يلقي الملفات جانباً ويسارع إليها بقلق بالغة:— "ياسمين! ما الذي يحدث بالداخل؟ هل أنتِ بخير؟"لا تستطيع ياسمين الإجابة، بل يهتز جسدها بالكامل وتمسك بذراعه لتسند نفسها قبل أن تتهاوى على الأرض. يسحبها دانيال برفق نحو المقاعد الجانبية البعيدة عن أعين الموظفين، ويقول بنبرة دافئة وصارمة:— "خذي نفساً عميقاً... لا شيء في هذا العالم يستحق أن يكسر روحكِ مجدداً بعد كل ما تجاوزتِه. أنا معكِ، ولن أسمح لأي أحد بأن يؤذيكِ."تمسح ياسمين دمعة خائنة تهرب من عينها، وتقول بصوت خفيض ومكسور:— "دانيال... انتهى كل شيء. لا أستطيع الاستمرار في أي شراكة أو وجود في هذا المكان اللعين. أريد إغلاق ملف







