Home / خارق / عازفة الجثامين / ظلال الأرتياب

Share

ظلال الأرتياب

last update publish date: 2026-08-14 10:50:06

​مرت ثلاثة أيام على حادثة مسرح الجريمة، ثلاثة أيام لم يذق فيها الملازم "عبد الرحمن" طعم النوم. كان منظر تلك الفتاة الرخامية ذات الابتسامة الملائكية وهي تتحول في لحظة عين إلى شفرة قاتلة يتكرر في مخيلته كلما أغمض عينيه. أضف إلى ذلك تلك النبوءة الدقيقة كالساعة التي ألقطتها عن صفات القاتل ومكانه، والتي أدت بالفعل إلى القبض على المتهم الرئيسي وهو يحاول الفرار عبر الحدود، تماماً كما وصفت: رجل أعسر، يحمل شامة أسفل عينه اليسرى، وآثار الـ DNA تطابقت بنسبة مئة بالمئة.

​كيف لإنسان طبيعي أن يعرف كل هذا؟ لا توجد أجهزة ولا تحليلات مخبرية في العالم تستطيع استخراج هذه البيانات في ثوانٍ معدودة من مجرد إلقاء نظرة على جثة مفرومة!

​في مكتبه المظلم برئاسة الشرطة، كان عبد الرحمن يجلس وأمامه ملف القضية المفتوح، وإلى جواره تقرير طبي شرعي مكتوب بخط يد ناعم وجميل للغاية ينتهي بتوقيع: د. (بسمه) - طبيبة شرعية.

​«سحر... لا يمكن أن يكون هذا سوى سحر أسود أو قوى شيطانية!» همس عبد الرحمن لنفسه وهو يمرر أبهامه على الطاولة المكتظة بالأوراق.

​استقر رأيه أخيراً. لم يكتب تقريره للنيابة العامة فقط، بل صاغ بلاغاً سرياً للغاية، موجهاً بعلامة "عاجل وشديد الخصوصية"، ووجهه مباشرة إلى «هيئة مكافحة السحر والأعمال غير المشروعة»، وهي جهة سيادية متخصصة في تتبع الجرائم التي تتداخل فيها الظواهر الخارقة، الشعوذة، أو القدرات غير المفسرة علمياً.

​كتب في بلاغه بالتفصيل: "المبلغ عنها تتصرف بطريقة تتنافى مع العقل والمنطق الطبيعي، تعافت من الصدمة في مسرح جريمة مروع خلال ثوان، واستخرجت تفاصيل دقيقة عن الجاني دون أدنى فحص مخبري، فضلاً عن امتلاكها طاقة نفسية/هالة غير طبيعية ترعب كل من يحاول الاقتراب منها..."

​في صباح اليوم التالي، كانت الشمس تشرق هادئة على مبنى مصلحة الطب الشرعي.

​كانت هي تجلس في مكتبها الصغير، ترتدي ثوباً زاهياً باللون الأرجواني الفاتح يغطيه معطفها الأبيض الناصع. كانت تضع أمامها كوباً من الحليب الدافئ، وتمسك بفرشاة صغيرة تنظف بها حواف عدسة كاميرتها الجنائية، وهي تدندن بصوت رقيق ونقي:

​«...وأنا كالقمر... أدور حولكِ...»

​وفجأة، انفتح باب المكتب ببطء شديد. لم يكن الطارق الملازم عبد الرحمن هذه المرة، بل دخل ثلاثة رجال يرتدون أزياء رسمية داكنة للغاية، تعلو وجوههم الصرامة والوقار، وعلى صدورهم شارات مذهبة تحمل شعار هيئة مكافحة السحر والرذيلة.

​توقف الثلاثة عند العتبة. كانت أعينهم تتفحص الغرفة بحذر شديد، وكأنهم يدخلون عرين كائن مفترس.

​توقفت الدندنة. رفعت رأسها ببطء، وفتحت عينيها البورسلينيتين الواسعتين. أمالت رأسها قليلاً كعادتها، وارتسمت على شفتيها أرق وأعذب «بسمة مشرحة» قد يراها بشر، وقالت بنبرة طفولية دافئة:

​«صباح الخير يا سادة! هل ضللتم الطريق إلى قسم الأحياء المائية؟ أم أن لديكم جثة غريبة تحبون أن أعزف لها القليل من الموسيقى؟»

​تقدم القائد، وهو رجل في الخمسين من عمره يدعى "العميد فاروق"، يمتلك عينين ثاقبتين وشعراً خالطه الشيب. لم تخدعه البراءة الظاهرة على وجهها، فقد قرأ التقرير السري ثلاث مرات قبل مجيئه.

​قال بصوت هادئ ولكن يحمل نبرة سلطوية لا تقبل النقاش:

«دكتورة... نحن لسنا من قسم الشرطة. نحن من هيئة مكافحة السحر. وهناك بلاغ رسمي مقدم ضدكِ يتهمكِ باستخدام طرق غير مشروعة وقدرات مظلمة لكشف الجرائم. نطلب منكِ الحضور معنا للتحقيق المبدئي في مقر الهيئة.»

​في مقر الهيئة الرئيسي، كانت غرفة التحقيق تختلف تماماً عن مراكز الشرطة التقليدية.

​كانت الجدران مبطنة بمواد تمتص الطاقات والذبذبات، وعلى الطاولة الخشبية العتيقة وضعت أجهزة قياس الكهرومغناطيسية، وأوراق تسبيح، ورموز رصد خاصة تستخدم لتمشيط الطاقات الخارقة أو السحرية.

​جلست هي على الكرسي الخشبي. كانت تبدو صغيرة جداً مقارنة بحجم الغرفة المرعبة. أقدامها الصغيرة تكاد لا تلمس الأرض، ويداها مطويتان برقة فوق ركبتيها كطالبة مدرسة تنتظر أستاذها.

​جلس أمامه القائد فاروق، وإلى جواره خبير التحليل النفسي والخارقي بالهيئة "الدكتور سليم".

​بدأ سليم التحقيق وهو ينظر إلى شاشة جهاز القياس الموضوع أمامه:

«دكتورة... التقرير المقدم من الملازم عبد الرحمن يؤكد أنكِ عرفتِ صفات القاتل قبل أن ترفع البصمات. هل تستخدمين طقوساً معينة؟ استحضار أرواح؟ أم أنكِ تسخرين جاناً ليكشف لكِ الأسرار؟»

​ساد الصمت لثوان.

​تطلعت إليهما بعينيها الصافيتين، ثم خفقت بجفنيها الطويلين ببرود رقيق، وقالت بصوت ناعم كالحرير:

«سحر؟ جن؟ يا للروعة! هل أعجبكم هذا التفسير؟ أستاذ سليم... العلم لم يفسر بعد كل ما تراه الأرواح. الموتى ليسوا صامتين كما تظنون، هم فقط يتحدثون بلغة لا يفهمها من يخافهم.»

​انحنى العميد فاروق نحوها، وقال بنبرة حادة محاولاً الضغط عليها:

«لا تتصنعي البراءة يا فتاة! نحن نعلم أن هناك شيئاً غير طبيعي في هذه المصلحة منذ دخولكِ. الملازم أحمد أقسم أنكِ أظهرتِ هالة قتل مرعبة جعلت الدم يتجمد في عروقه! كيف تفسرين ذلك؟»

​وهنا... قررت أن تلعب معهم قليلاً.

​انخفضت درجة حرارة الغرفة فجأة بضع درجات. الجهاز الموضوع على الطاولة بدأ يصدر طنيناً خفيفاً وذبذبات غير منتظمة.

​أمالت رأسها، وتلاشت الابتسامة المشرقة من وجهها تدريجياً. انطفت البراءة في عينيها ليحل محلها ذلك الصمت الرخامي المرعب. نظر إليها العميد فاروق بذهول وهو يشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى أطرافه، ويهتز كوبه الموضوع على الطاولة بفعل هالة ثقيلة بدأت تنتشر في أرجاء الغرفة المغلقة.

​قالت بنبرة هادئة جداً، ولكنها خالية من أي حس إنساني:

«إذا كنتُ أستخدم السحر... فكيف لم تتمكن أجهزتكم اللطيفة هذه من كشفه حتى الآن؟ أم أنكم تخافون من الشغف فقط لمجرد أنكم لا تستطيعون تحمله؟»

​شعر الدكتور سليم برغبة عارمة في النهوض والهروب من الغرفة. كانت الهالة المحيطة بها ليست هالة شرير أو ساحر دجال... بل كانت هالة سلطة مطلقة فوق الموتى، كأنها تحكم عالماً لا يجرؤ أحد على مسه.

​ولكن قبل أن يتطور الأمر، أغمضت عينيها، وأخذت نفساً عميقاً.

​وفي لحظة عين، اختفت تلك الهالة الخانقة تماماً! عادت الأجهزة لعملها الطبيعي، واستقرت درجة حرارة الغرفة. فتحت عينيها الواسعتين، وابتسمت «بسمة المشرحة» الدافئة مجدداً، وقالت برقة:

​«عفواً... يبدو أن التكييف هنا بارد قليلاً!»

​استند العميد فاروق إلى ظهره، وتنفس الصعداء بصعوبة وهو يتبادل نظرة ذهول مع سليم. لم يكن في عينيه غضب... بل شعلة من الإعجاب الشديد الممزوج بالخوف.

​تبادل الرجلان الهمس لثوانٍ، ثم التفت العميد فاروق إليها، واستعدل في جلسته وقال بنبرة مختلفة تماماً:

​«دكتورة... البلاغ المقدم ضدكِ سيتم حفظه. أنتِ لا تستخدمين السحر ولا الرذيلة، وما تملكينه ليس جُرماً... بل هو هبة كاشفة لا مثيل لها.»

​صمت لبرهة ثم أكمل بجدية:

«التحقيق انتهى... ولكن لدينا عرض آخر لكِ. نحن في هيئة مكافحة السحر نواجه جرائم وقضايا غامضة يعجز القانون والعلم التقليدي عن حلها. قضايا تتداخل فيها الأرواح والدماء والطقوس المظلمة. نحن لا نريد معاقبتكِ... بل نريد منكِ أن تنضمي إلينا كخبير رئيسي ومحقق خاص للهيئة.»

​اتسعت ابتسامة الفتاة البورسلينية، وفتحت عينيها بشغف طفولي حقيقي، وأمالت رأسها وهي تسأل برقة:

​«وهل سأحصل على جثث أكثر تعقيداً للتشريح؟»

​ابتسم العميد فاروق بصعوبة وقال:

«ستحصلين على أبشع وأعقد الجرائم التي لم يرَها بشر من قبل.»

​صفقت بيديها الصغيرتين ببهجة طفولية ناعمة وقالت:

«أنا موافقة جداً! متى نبدأ العزف؟»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عازفة الجثامين    أوتار على وشك الإذاء

    ​مرت ثلاثة أيام على إغلاق ملف "قصر الشمع". ألقي القبض على صاحب وشم السيف المكسور في إحدى مخابئ السحر السفلي بفضل إرشاداتها الدقيقة، لكن الملازم "عبد الرحمن" لم يزده ذلك إلا تحفزاً وشكاً. بالنسبة لعقليته الشرطية، كانت دقتها المطلقة أشبه بخيطٍ مرئي يربطها بشرور هذا العالم، حتى لو ارتدت زياء الأطباء الناصعة.​في أروقة هيئة مكافحة السحر، كان عبد الرحمن يجلس في مكتبه، يراجع تقارير القضايا السابقة ويمرر أبهامه على التحليلات التقنية التي قدمها "أحمد".​كان أحمد حاضراً دائماً؛ شاب يفيض بالخدمات والود، لا يترك فرصة إلا ويظهر فيها التفهم المطلق للدكتورة الصغيرة. يجهز لها أدوات المعاينة، يحضر لها المشروبات الدافئة، ويدافع عن "عبقريتها الفريدة" كلما أبدى عبد الرحمن تحفظاً إجرائياً.​«عبد الرحمن، أنت تقسو عليها دون داعٍ،» قال أحمد بنبرة خفيضة ومشفقة وهو يضع ملفاً جديداً على طاولة عبد الرحمن، مكملاً بابتسامة دافئة: «الفتاة تمتلك هبة استثنائية، وواجبنا أن نحمي رقتها لا أن نتعامل معها كمتهمة في كل مشهد.»​رفع عبد الرحمن عينيه الحادتين نحو أحمد، ورده ببرودٍ جاف:«أنا لا أقسو على أحد يا سيد أحمد... أنا

  • عازفة الجثامين    النجده لا تأتي إلا من دواخلك

    ​ارتسمت على شفتي "أحمد" ابتسامةٌ تتفاضل رقةً ووداعة، وهو يضع حقيبته المعدنية البراقة على إحدى الطاولات القريبة. كان مظهرُه ومهندَمُه يبعثان بالارتياح السريع؛ ثيابه منسقة بعناية، وعيناه الواسعتان تنضحان بلطفٍ يجعله يحوز ثقةَ مَن حوله دون عناء.​ألقى أحمد نظرةً خاطفة على الجثة الشمعية، ثم التفت نحوها بابتسامةٍ أشدَّ اتساعاً، متسائلاً بصوتٍ دافئ:«هل أخذتِ العينات الأساسية يا دكتورة، أم ترغبين في أن يتكفل جيلي الجديد من الأجهزة الجنائية بتوفير عناء التشريح المبدئي عليكِ؟»​نظرت إليه بعينيها الشفافتين كقطعتي بورسلين. أمالت رأسها قليلاً إلى اليمين، وسرى أثرُ «بسمة المشرحة» الرقيقة على وجهها البارد، وقالت بنبرتها الناعمة الخالية من أي انفعال:«المشرط لا يُعبه بالأجهزة يا أستاذ أحمد... والأصابع التي تعزف بين الأحشاء تُدرك ما لا تراه الشاشات.»​في المقابل، لم يستحسن الملازم "عبد الرحمن" هذا التدفق الفجائي من الود. كان عبد الرحمن يقف مشدود القامة، يقطع المسافة بين أحمد وبينها بنظراتٍ حادة حذرة. بالنسبة لضابطٍ يقتفي المنطق، كان دخُول خبيرٍ جديد يفيض باللطف في مسرح جريمة تعمُّه أشباحُ السحر أمرا

  • عازفة الجثامين    مصيده

    ساد صمتٌ ثقيل في أروقة "هيئة مكافحة السحر"، صمتٌ لم تقطعه إلا الهمسات الخافتة للضباط وهم يراقبون الفتاة الرخامية وهي تخطو خارج غرفة التحقيق. كانت خطواتها خفيفة كالفراشة، يكاد لا يُسمع لها أثر، ومعطفها الأبيض الناصع يتهادى حول جسدها الضئيل كبجعة تعبر بحيرة من ظلال. ​كان الجميع يتهامسون عن تلك الابتسامة المشرقة التي لا تفارق شفتيها وسط برك الدماء، يراها البعض جنوناً، ويراها آخرون تسترًا على سرّ مظلم، لكن أحداً لم يجرؤ على سؤالها. ​عند مخرج المبنى، كان الملازم "عبد الرحمن" يقف متكئاً على السيارة الرسمية، يفرك سبابته بنظرات حادة ومفكرة. ​عبد الرحمن لم يكن ضابطاً عادياً؛ رجل أبيض الملامح،ذو اعين واسعه ونظره ميريه ولكن عندما تفر منه ابتسامه تظهر غمازتان على خديه وتبرز اسنانه المثاليه كاشفه عن ابتسامه جذابه وبراقة و هو شخص يعتمد على المنطق البحت. بالنسبة له، هذه الفتاة ليست سوى "لغز محفوف بالخطر". كيف لطبيبة حديثة التخرج أن تدرك تفاصيل جثث مفرومة دون فحص مخبري؟ الشك كان يملأ رأسه، وقراره واضح: سيرقب كل حركة تقوم بها. ​حين اقتربت منه، لم يبتسم ولم يلطف الجو. قدم لها ملف القضية الجديدة بنب

  • عازفة الجثامين    ظلال الأرتياب

    ​مرت ثلاثة أيام على حادثة مسرح الجريمة، ثلاثة أيام لم يذق فيها الملازم "عبد الرحمن" طعم النوم. كان منظر تلك الفتاة الرخامية ذات الابتسامة الملائكية وهي تتحول في لحظة عين إلى شفرة قاتلة يتكرر في مخيلته كلما أغمض عينيه. أضف إلى ذلك تلك النبوءة الدقيقة كالساعة التي ألقطتها عن صفات القاتل ومكانه، والتي أدت بالفعل إلى القبض على المتهم الرئيسي وهو يحاول الفرار عبر الحدود، تماماً كما وصفت: رجل أعسر، يحمل شامة أسفل عينه اليسرى، وآثار الـ DNA تطابقت بنسبة مئة بالمئة. ​كيف لإنسان طبيعي أن يعرف كل هذا؟ لا توجد أجهزة ولا تحليلات مخبرية في العالم تستطيع استخراج هذه البيانات في ثوانٍ معدودة من مجرد إلقاء نظرة على جثة مفرومة! ​في مكتبه المظلم برئاسة الشرطة، كان عبد الرحمن يجلس وأمامه ملف القضية المفتوح، وإلى جواره تقرير طبي شرعي مكتوب بخط يد ناعم وجميل للغاية ينتهي بتوقيع: د. (بسمه) - طبيبة شرعية. ​«سحر... لا يمكن أن يكون هذا سوى سحر أسود أو قوى شيطانية!» همس عبد الرحمن لنفسه وهو يمرر أبهامه على الطاولة المكتظة بالأوراق. ​استقر رأيه أخيراً. لم يكتب تقريره للنيابة العامة فقط، بل صاغ بلاغاً سرياً

  • عازفة الجثامين    الأموات لا يكذبون

    كان الملازم "عبد الرحمن" يقف في منتصف غرفة الاستراحة كمن أصابته صاعقة. اتسعت حدقتاه وهو ينظر للأوراق المبعثرة على الأرض، ثم رفع عينيه بنظرة مليئة بالشك والذهول نحو تلك الفتاة الجالسة بكل هدوء. ​«كيف... كيف عرفتِ كل هذه التفاصيل؟!» قالها بصوت يرتجف انفعالاً، متناساً كل قواعد البروتوكول الشرطي: «المسرح كان معزولاً، ولم يُرفع منه أي أثر بعد! هل تمازحينني يا دكتورة؟ أم أنكِ تعرفين القاتل؟!» ​لم ترف لها عين، ولم تتبدل نبرتها الرقيقة. رفعت فنجان شاي صغير بين يديها الناعمتين، وأخذت منه رشفة هادئة، ثم أمالت رأسها بزاوية طفولية تُبرز بياض عنقها وشعرها المنساب: ​«الموتى يتحدثون يا سيادة الملازم... لكنهم لا يحبون الصراخ. كل ما في الأمر أنني أجيد الاستماع.» ​كان كلامها يقع على مسامعه كألغاز مجنونة، لكن الحقيقة الفنية المذهلة أجبرته على التحرك. أشار لمساعده وهو يبتلع لعابه بصعوبة: «اتصل بفريق البصلمات فوراً... خذهم للزاوية الخشبية للطاولة الشقة. افحصوا العرق، ودققوا في رفع البصمات لخبير أعسر.» ​خرج المساعد يركض وكأنه يهرب من تعويذة سحرية، بينما ظلت هي تجلس بمفردها مع الملازم. ​ارتدت قفازاتها

  • عازفة الجثامين    النوته الأولى

    منذ اليوم الأول لاستلامها العمل في هيئة الطب الشرعي، كانت الهمسات لا تتوقف في الممرات.​كان رئيس القسم ينظر إلى ملفها الوظيفي ثم يرفع عينيه ليتأمل تلك الفتاة الجالسة أمامه، فيخال له أنه أمام طالبة في المرحلة الأعداديه أخطأت طريقها وضلت إلى مبنى المصلحة البارد. ملامحها الرخامية، بشرتها الناصعة كبشرة دمية بورسلين لم تلمسها شمس قط، وعيناها الواسعان المليئتان ببراءة طفولية عذبة... كل شيء فيها كان يصرخ بالرقة الناعمة التي لا تمت لعالم الموتى وأحشاء الجثث بأي صلة. كان الجميع يتهامسون: "كيف لتلك الدمية الرقيقة أن تتحمل رؤية قطرة دم واحدة؟ ستستقيل قبل أن ينتهي اليوم الأول!"​لكن لم يكن أحد يعلم ما يكمن خلف تلك العيون الشفافة.​وفي أسبوعها الأول، جاء الاختبار الأول والأنكأ.​بلغٌ عن جريمة قتل بشعة في شقة مهجورة بأطراف المدينة. حين وصل طاقم الأدلة الجنائية والشرطة، كانت الرائحة وحدها كفيلة بإسقاط أعتى الضباط أرضاً؛ رائحة تعفن ممتزجة بحديد الدم الساخن.​داخل الغرفة المغلقة، لم تكن هناك جثة بالمعنى المفهوم... بل كانت هناك أشلاء مأساوية. الجسد تم تمزيقه وتهتيك أحشائه بعنف بربري، الأمعاء كانت متناث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status