LOGINكان الملازم "عبد الرحمن" يقف في منتصف غرفة الاستراحة كمن أصابته صاعقة. اتسعت حدقتاه وهو ينظر للأوراق المبعثرة على الأرض، ثم رفع عينيه بنظرة مليئة بالشك والذهول نحو تلك الفتاة الجالسة بكل هدوء.
«كيف... كيف عرفتِ كل هذه التفاصيل؟!» قالها بصوت يرتجف انفعالاً، متناساً كل قواعد البروتوكول الشرطي: «المسرح كان معزولاً، ولم يُرفع منه أي أثر بعد! هل تمازحينني يا دكتورة؟ أم أنكِ تعرفين القاتل؟!» لم ترف لها عين، ولم تتبدل نبرتها الرقيقة. رفعت فنجان شاي صغير بين يديها الناعمتين، وأخذت منه رشفة هادئة، ثم أمالت رأسها بزاوية طفولية تُبرز بياض عنقها وشعرها المنساب: «الموتى يتحدثون يا سيادة الملازم... لكنهم لا يحبون الصراخ. كل ما في الأمر أنني أجيد الاستماع.» كان كلامها يقع على مسامعه كألغاز مجنونة، لكن الحقيقة الفنية المذهلة أجبرته على التحرك. أشار لمساعده وهو يبتلع لعابه بصعوبة: «اتصل بفريق البصلمات فوراً... خذهم للزاوية الخشبية للطاولة الشقة. افحصوا العرق، ودققوا في رفع البصمات لخبير أعسر.» خرج المساعد يركض وكأنه يهرب من تعويذة سحرية، بينما ظلت هي تجلس بمفردها مع الملازم. ارتدت قفازاتها المطاطية ذات اللون الأبيض الناصع، وخطت بثبات نحو غرفة التشريح الرئيسية حيث ترقد الجثة الآن تحت الضوء الأبيض الساطع. كانت رائحة الموت لا تزال نفاذة، لكنها بالنسبة لها كانت أشبه برائحة المسرح قبل بدء العرض. سحب الملازم كرسياً وجلس بالقرب من الباب، مصراً على مراقبتها. كان يراقب أصابعها الصغيرة وهي تمسك بمشرط التشريح الثقيل. لم تكن يدها ترتجف أبداً؛ بل كانت تتحرك بدقة وجرأة تفوق خبير أورام محترف. «أتعلم يا سيادة الملازم؟» همست وهي تنحني برفق فوق الصدر المشقوق للجثة، والابتسامة ذاتها تعلو وجهها كدمية رخامية لا تدرك الفظاعة التي تفعلها: «صاحبنا هذا لم يَمُت بسبب نزيف الأمعاء كما ظننتم في البداية... ينبغي دائماً النظر للعمق.» انحنت أكثر، واقتربت بأذنها تقريباً من الجثة، وكأنها تستمع لنبض غائب: «لقد قُتل أولاً بسمّ هادئ، جعل أطرافه تتخدر قبل أن يشرع القاتل في تقطيعه وهو حي... القاتل كان ينتقم، وكان يتلذذ.» شعر الملازم بقشعريرة تسرق دفء جسده. كان المشهد أمامه مريباً لأقصى حد: فتاة بريئة كالملائكة، ترتدي معطفاً أبيض، تمسك بأحشاء جثة مفرومة وتتحدث عنها بنبرة شغوفة تشبه طفلة تشرح تفاصيل لعبتها المفضلة! وفجأة... قطعت هذا الهدوء صرخة مكتومة من أحد الفنيين بالخارج، تلاها صوت خطوات متسارعة تكاد تقتحم الغرفة. دخل الفني أنفاسه متقطعة وهو يحمل تقريراً أولياً من مسرح الجريمة: «سيادة الملازم! نتائج فحص مسرح الجريمة... وجدنا قطرة عرق متجلطة على الزاوية الخشبية بالفعل! والبصمات المرفوعة تؤكد أن الضارب كان يستخدم يده اليسرى!» ساد صمت مطبق في الغرفة. توقف الملازم عن التنفس للحظات، ودار ببطء ليتأمل تلك "الدمية" الواقفة بجانب طاولة التشريح. كانت قد انتهت للتو من قطع نسيج آخر بالمشرط، ثم رفعت رأسها نحو الملازم، وارتسمت على شفتيها أرق وأعذب «بسمة مشرحة» قد يراها إنسان في حياته... ابتسامة تفيض بالبراءة، وتخفي خلفها ظلاماً لا يعلم حدوده إلا الله. «ألم أقل لك؟» همست برقة: «الموتى لا يكذبون أبداً... والآن، هل ننتقل للجثة التالية؟» ساد الذهول لثوانٍ معدودة داخل الغرفة المعقمة. الملازم "عبد الرحمن" لم يعُد يرى الفتاة التي أمامه مجرد طبيبة ذكية أو محققة عبقرية؛ بل كان ينظر إليها كشخص يحمل سراً مظلماً وخطيراً يهدد المنطق الذي تربى عليه في أروقة الشرطة. قطع الملازم صمته، واندفع نحوها بخطوات غاضبة محاولاً استعادة سيطرته وموقعه كضابط مسؤول، فصاح بنبرة حادة وتهديد صريح: «توقفي عن هذه الألاعيب فوراً يا دكتورة! أنتِ إما شريكة في هذه الجريمة أو تخفين شيئاً خطيراً عن النيابة! لا يمكن لأي عقل بشري أن يعرف مكان "قطرة عرق" أو طبيعة جرح دون أن يكون حاضراً في مسرح الجريمة وقت وقوعها! سأتحفظ عليكِ فوراً للتحقيق!» امتدت يده بقسوة ليمسك بمعصمها الصغير ويرغمها على التوقف. وفي تلك اللحظة بالذات... حدث التغير. انطفت البراءة الطفولية في عينيها في كسر من الثانية، كأنما خبت شمعة في مهب الريح. تلاشى اللمعان الرقيق، واستحالت عيناها البورسلينيتان إلى ثقبين أسودين يفيضان ببرود مميت. الملامح التي كانت منذ لحظات تشبه وجه عروسة رخامية أليفة، انقبضت لتتحول إلى جمود مرعب، وانبعثت منها هالة قتل ثقيلة وخانقة جعلت الهواء في الغرفة يبدو متجمداً ومسموماً. توقفت يد الملازم على بُعد سنتيمترات من جسدها... لم يستطع لمسها. شعر بجسده يرتجف رغماً عنه، وقشعريرة تسري في عموده الفقري كأن أحداً أفرغ عليه دلواً من الماء المثلج. كان يتراجع لخلف خطوة دون إرادة منه، ينظر إلى وجهها المتبدل بذهول مكتوم؛ كانت تلك الهالة أثقل وأشد رعباً من منظر الجثة المفرومة على الطاولة. أمالت رأسها ببطء شديد، وجاء صوتها هذه المرة خافتاً، بارداً، وخالياً تماماً من أي أنوثة أو رقة: «لا تضع يدك عليّ... ولا تتهم عازفة بما لا تفهمه.» كانت كلماتها كشفرة مسنونة تقطع أنفاس الجميع. الفني الواقف عند الباب سقطت منه الأوراق مرة أخرى من شدة الذعر، بينما ابتلع الملازم أحمد لعابه بصعوبة وهو يشعر بقلبه يخفق في حنجرته، عاجزاً عن النطق أو الحركة أمام هذا الكائن المخيف الذي يستتر خلف جسد طفلة. ثوانٍ قليلة مرت كأنها دهور... ثم، وبنفس السرعة المفاجئة، أغمضت عينيها لثانية واحدة. وعندما فتحتهما... عادت الشمس لتشرق في عينيها من جديد! تلاشت هالة الرعب تماماً، وعادت ملامحها الناعمة الطفولية، وارتسمت على شفتيها أرق وأعذب «بسمة مشرحة» وكأن شيئاً لم يكن! أخذت نفساً عميقاً، وقالت بنبرتها الغنائية العذبة وهي تعود لتمسك بمشرطها برقة: «المهم يا سيادة الملازم... بما أنكم عرفتم وصف القاتل، فالأفضل أن تسرعوا بالقبض عليه قبل أن يمحو الأثر التالي، أليس كذلك؟ أما أنا... فلديّ مقطوعة موسيقية جديدة يجب أن أنهيها على هذه الطاولة.»مرت ثلاثة أيام على إغلاق ملف "قصر الشمع". ألقي القبض على صاحب وشم السيف المكسور في إحدى مخابئ السحر السفلي بفضل إرشاداتها الدقيقة، لكن الملازم "عبد الرحمن" لم يزده ذلك إلا تحفزاً وشكاً. بالنسبة لعقليته الشرطية، كانت دقتها المطلقة أشبه بخيطٍ مرئي يربطها بشرور هذا العالم، حتى لو ارتدت زياء الأطباء الناصعة.في أروقة هيئة مكافحة السحر، كان عبد الرحمن يجلس في مكتبه، يراجع تقارير القضايا السابقة ويمرر أبهامه على التحليلات التقنية التي قدمها "أحمد".كان أحمد حاضراً دائماً؛ شاب يفيض بالخدمات والود، لا يترك فرصة إلا ويظهر فيها التفهم المطلق للدكتورة الصغيرة. يجهز لها أدوات المعاينة، يحضر لها المشروبات الدافئة، ويدافع عن "عبقريتها الفريدة" كلما أبدى عبد الرحمن تحفظاً إجرائياً.«عبد الرحمن، أنت تقسو عليها دون داعٍ،» قال أحمد بنبرة خفيضة ومشفقة وهو يضع ملفاً جديداً على طاولة عبد الرحمن، مكملاً بابتسامة دافئة: «الفتاة تمتلك هبة استثنائية، وواجبنا أن نحمي رقتها لا أن نتعامل معها كمتهمة في كل مشهد.»رفع عبد الرحمن عينيه الحادتين نحو أحمد، ورده ببرودٍ جاف:«أنا لا أقسو على أحد يا سيد أحمد... أنا
ارتسمت على شفتي "أحمد" ابتسامةٌ تتفاضل رقةً ووداعة، وهو يضع حقيبته المعدنية البراقة على إحدى الطاولات القريبة. كان مظهرُه ومهندَمُه يبعثان بالارتياح السريع؛ ثيابه منسقة بعناية، وعيناه الواسعتان تنضحان بلطفٍ يجعله يحوز ثقةَ مَن حوله دون عناء.ألقى أحمد نظرةً خاطفة على الجثة الشمعية، ثم التفت نحوها بابتسامةٍ أشدَّ اتساعاً، متسائلاً بصوتٍ دافئ:«هل أخذتِ العينات الأساسية يا دكتورة، أم ترغبين في أن يتكفل جيلي الجديد من الأجهزة الجنائية بتوفير عناء التشريح المبدئي عليكِ؟»نظرت إليه بعينيها الشفافتين كقطعتي بورسلين. أمالت رأسها قليلاً إلى اليمين، وسرى أثرُ «بسمة المشرحة» الرقيقة على وجهها البارد، وقالت بنبرتها الناعمة الخالية من أي انفعال:«المشرط لا يُعبه بالأجهزة يا أستاذ أحمد... والأصابع التي تعزف بين الأحشاء تُدرك ما لا تراه الشاشات.»في المقابل، لم يستحسن الملازم "عبد الرحمن" هذا التدفق الفجائي من الود. كان عبد الرحمن يقف مشدود القامة، يقطع المسافة بين أحمد وبينها بنظراتٍ حادة حذرة. بالنسبة لضابطٍ يقتفي المنطق، كان دخُول خبيرٍ جديد يفيض باللطف في مسرح جريمة تعمُّه أشباحُ السحر أمرا
ساد صمتٌ ثقيل في أروقة "هيئة مكافحة السحر"، صمتٌ لم تقطعه إلا الهمسات الخافتة للضباط وهم يراقبون الفتاة الرخامية وهي تخطو خارج غرفة التحقيق. كانت خطواتها خفيفة كالفراشة، يكاد لا يُسمع لها أثر، ومعطفها الأبيض الناصع يتهادى حول جسدها الضئيل كبجعة تعبر بحيرة من ظلال. كان الجميع يتهامسون عن تلك الابتسامة المشرقة التي لا تفارق شفتيها وسط برك الدماء، يراها البعض جنوناً، ويراها آخرون تسترًا على سرّ مظلم، لكن أحداً لم يجرؤ على سؤالها. عند مخرج المبنى، كان الملازم "عبد الرحمن" يقف متكئاً على السيارة الرسمية، يفرك سبابته بنظرات حادة ومفكرة. عبد الرحمن لم يكن ضابطاً عادياً؛ رجل أبيض الملامح،ذو اعين واسعه ونظره ميريه ولكن عندما تفر منه ابتسامه تظهر غمازتان على خديه وتبرز اسنانه المثاليه كاشفه عن ابتسامه جذابه وبراقة و هو شخص يعتمد على المنطق البحت. بالنسبة له، هذه الفتاة ليست سوى "لغز محفوف بالخطر". كيف لطبيبة حديثة التخرج أن تدرك تفاصيل جثث مفرومة دون فحص مخبري؟ الشك كان يملأ رأسه، وقراره واضح: سيرقب كل حركة تقوم بها. حين اقتربت منه، لم يبتسم ولم يلطف الجو. قدم لها ملف القضية الجديدة بنب
مرت ثلاثة أيام على حادثة مسرح الجريمة، ثلاثة أيام لم يذق فيها الملازم "عبد الرحمن" طعم النوم. كان منظر تلك الفتاة الرخامية ذات الابتسامة الملائكية وهي تتحول في لحظة عين إلى شفرة قاتلة يتكرر في مخيلته كلما أغمض عينيه. أضف إلى ذلك تلك النبوءة الدقيقة كالساعة التي ألقطتها عن صفات القاتل ومكانه، والتي أدت بالفعل إلى القبض على المتهم الرئيسي وهو يحاول الفرار عبر الحدود، تماماً كما وصفت: رجل أعسر، يحمل شامة أسفل عينه اليسرى، وآثار الـ DNA تطابقت بنسبة مئة بالمئة. كيف لإنسان طبيعي أن يعرف كل هذا؟ لا توجد أجهزة ولا تحليلات مخبرية في العالم تستطيع استخراج هذه البيانات في ثوانٍ معدودة من مجرد إلقاء نظرة على جثة مفرومة! في مكتبه المظلم برئاسة الشرطة، كان عبد الرحمن يجلس وأمامه ملف القضية المفتوح، وإلى جواره تقرير طبي شرعي مكتوب بخط يد ناعم وجميل للغاية ينتهي بتوقيع: د. (بسمه) - طبيبة شرعية. «سحر... لا يمكن أن يكون هذا سوى سحر أسود أو قوى شيطانية!» همس عبد الرحمن لنفسه وهو يمرر أبهامه على الطاولة المكتظة بالأوراق. استقر رأيه أخيراً. لم يكتب تقريره للنيابة العامة فقط، بل صاغ بلاغاً سرياً
كان الملازم "عبد الرحمن" يقف في منتصف غرفة الاستراحة كمن أصابته صاعقة. اتسعت حدقتاه وهو ينظر للأوراق المبعثرة على الأرض، ثم رفع عينيه بنظرة مليئة بالشك والذهول نحو تلك الفتاة الجالسة بكل هدوء. «كيف... كيف عرفتِ كل هذه التفاصيل؟!» قالها بصوت يرتجف انفعالاً، متناساً كل قواعد البروتوكول الشرطي: «المسرح كان معزولاً، ولم يُرفع منه أي أثر بعد! هل تمازحينني يا دكتورة؟ أم أنكِ تعرفين القاتل؟!» لم ترف لها عين، ولم تتبدل نبرتها الرقيقة. رفعت فنجان شاي صغير بين يديها الناعمتين، وأخذت منه رشفة هادئة، ثم أمالت رأسها بزاوية طفولية تُبرز بياض عنقها وشعرها المنساب: «الموتى يتحدثون يا سيادة الملازم... لكنهم لا يحبون الصراخ. كل ما في الأمر أنني أجيد الاستماع.» كان كلامها يقع على مسامعه كألغاز مجنونة، لكن الحقيقة الفنية المذهلة أجبرته على التحرك. أشار لمساعده وهو يبتلع لعابه بصعوبة: «اتصل بفريق البصلمات فوراً... خذهم للزاوية الخشبية للطاولة الشقة. افحصوا العرق، ودققوا في رفع البصمات لخبير أعسر.» خرج المساعد يركض وكأنه يهرب من تعويذة سحرية، بينما ظلت هي تجلس بمفردها مع الملازم. ارتدت قفازاتها
منذ اليوم الأول لاستلامها العمل في هيئة الطب الشرعي، كانت الهمسات لا تتوقف في الممرات.كان رئيس القسم ينظر إلى ملفها الوظيفي ثم يرفع عينيه ليتأمل تلك الفتاة الجالسة أمامه، فيخال له أنه أمام طالبة في المرحلة الأعداديه أخطأت طريقها وضلت إلى مبنى المصلحة البارد. ملامحها الرخامية، بشرتها الناصعة كبشرة دمية بورسلين لم تلمسها شمس قط، وعيناها الواسعان المليئتان ببراءة طفولية عذبة... كل شيء فيها كان يصرخ بالرقة الناعمة التي لا تمت لعالم الموتى وأحشاء الجثث بأي صلة. كان الجميع يتهامسون: "كيف لتلك الدمية الرقيقة أن تتحمل رؤية قطرة دم واحدة؟ ستستقيل قبل أن ينتهي اليوم الأول!"لكن لم يكن أحد يعلم ما يكمن خلف تلك العيون الشفافة.وفي أسبوعها الأول، جاء الاختبار الأول والأنكأ.بلغٌ عن جريمة قتل بشعة في شقة مهجورة بأطراف المدينة. حين وصل طاقم الأدلة الجنائية والشرطة، كانت الرائحة وحدها كفيلة بإسقاط أعتى الضباط أرضاً؛ رائحة تعفن ممتزجة بحديد الدم الساخن.داخل الغرفة المغلقة، لم تكن هناك جثة بالمعنى المفهوم... بل كانت هناك أشلاء مأساوية. الجسد تم تمزيقه وتهتيك أحشائه بعنف بربري، الأمعاء كانت متناث