Partager

الفصل 3

Auteur: رونق
ما إن عضضت قضمة من الزلابية حتى شعرت بشيءٍ حاد يجرح فمي.

كان حشوها مليئًا بشظايا الزجاج.

ومع كل لقمة أبتلعها، كنتُ أشعر وكأن آلاف الإبر تمزق حلقي.

تحاملت على الألم، وبصقت ما في فمي، ثم التفت إلى سلمى وصرخت:

"هل هذه هي طريقتكِ في الاعتذار؟ تضعين شظايا زجاج داخل الزلابية؟"

نظر سليم إلى وجهي المتلوّي من الألم، ثم التفت إلى سلمى باستغراب.

وفي اللحظة التالية، انهمرت دموعها.

ارتمت بين ذراعيه بجسد واهن، وقالت بصوت مرتجف: "أنا... لم أفعل شيئًا."

"سليم كان يراقبني بنفسه وأنا أعد الزلابية، فكيف يمكن أن يكون بداخلها زجاج؟"

"نور... لقد جئت لأعتذر لكِ بصدق، فلماذا تختلقين هذه الكذبة السخيفة لتتهميني؟ هل لن تسامحيني إلا إذا متّ أنا وطفلي؟"

بضع كلمات منها كانت كافية ليحكم عليّ سليم بالإدانة.

نظر إليّ بخيبةٍ واضحة، وقال: "نور... لقد خيبتِ ظني كثيرًا."

"اليوم... يجب أن تعتذري لسلمى."

عندها، انسابت بي الذكريات إلى سنواتٍ مضت.

بعد زواجنا بفترة قصيرة، ذهبت إلى شركته لزيارته، فاتهمتني إحدى السكرتيرات عمدًا بأنني أفسدت بعض ملفاتها.

وقفتُ عاجزةً عن الدفاع عن نفسي.

لكن سليم ظهر في تلك اللحظة، وأمام جميع الموظفين طرد السكرتيرة من عملها دون تردد.

ثم قال لي يومها: "سأصدق زوجتي دون قيد أو شرط."

أما الآن...

فالشخص الذي يصدقه دون قيد أو شرط، لم أعد أنا.

رفعتُ رأسي رغم الألم وقلت: "لستُ المخطئة... فلماذا أعتذر؟"

بدا أن كلماتي أشعلت غضبه.

فأمسك بالعلبة، وراح يحشو الزلابية في فمي بعنف، كأنه فقد صوابه.

ولم يتوقف...

إلا عندما بصقتُ دفعةً من الدم.

تجمد في مكانه، وارتجف صوته وهو يهتف: "نور... ماذا بكِ؟"

لكنني لم أعد أملك أي قوة للإجابة.

وقبل أن يغيب وعيي تمامًا، سمعتُ صوته يصرخ بفزع: "اتصلوا بالإسعاف... بسرعة!"

عندما فتحت عينيّ مجددًا، كان أول ما رأيته وجه سليم المليء بالقلق.

لكن ما إن نطق، حتى كانت كلماته أشد قسوةً من أي سكين.

قال ببرود: "أعرف أنكِ غاضبة مني ومن سلمى... لكن لا ينبغي أن تؤذي نفسكِ فقط لتلفقي لها تهمة."

حاولتُ أن أتكلم، لكن لم يخرج من فمي أي صوت.

حاولتُ مرةً أخرى، بلا جدوى.

ربما مزقت شظايا الزجاج أحبالي الصوتية...

أو ربما كان السبب شيئًا آخر.

كل ما أدركته في تلك اللحظة أنني فقدتُ صوتي.

وما إن لاحظ سليم ذلك، حتى أسرع خارج الغرفة يبحث عن الطبيب.

وما إن أغلق الباب خلفه، حتى اقتربت مني سلمى، وانحنت بجوار أذني وهمست بابتسامةٍ خبيثة:

"أتعرفين لماذا فقدتِ صوتكِ؟"

"لأنني وضعتُ دواءً داخل الزلابية."

"لكن حتى لو حاولتِ إخبار سليم بالحقيقة... فلن يصدقكِ."

ثم أطلقت ضحكةً ساخرة، وأضافت: "نور... أنتِ تشبهين أمكِ تمامًا."

"ولدتِ بحياةٍ رخيصة، وستبقين كذلك إلى الأبد."

لم أعد أحتمل سماع كلمة أخرى.

استجمعتُ آخر ما تبقى لديّ من قوة، ثم دفعتها بكل ما أوتيت من قوة.

ابتسمت لي ابتسامة انتصار، ثم تعمدت السقوط أرضًا.

وسرعان ما بدأت الدماء تسيل من بين ساقيها.

وفي تلك اللحظة بالذات...

عاد سليم إلى الغرفة.

ما إن رأى المشهد، حتى اندفع نحوها، وحملها بين ذراعيه دون أن ينظر إليّ.

وقبل أن يغادر، التفت إليّ بعينين تمتلئان بالكراهية، وقال:

"إذا أصاب سلمى أو الطفل أي مكروه... فسأجعلكِ تدفعين الثمن."

أكد الأطباء أن سلمى أصيبت بنزيفٍ حاد نتيجة مضاعفات بعد الولادة.

ولم يتردد سليم لحظة في تحميلي المسؤولية كاملة.

نظر إليّ باشمئزاز، وقال: "كنتما أعز صديقتين... كيف وصلتِ إلى هذا القدر من الخبث؟"

ثم أشار إليّ بإصبعه، وهو يصرخ: "نور... أنتِ امرأة بلا رحمة."

في تلك اللحظة...

انطفأ آخر بصيص من الأمل بداخلي.

التقطتُ هاتفي بصعوبة، وأرسلتُ رسالة قصيرة:

"لقد اتخذت قراري... أرسلوا من يأتي لاصطحابي في أقرب وقت."

وما إن أرسلت الرسالة، حتى اندفع أحد الأطباء إلى الداخل، وهو يقول بقلق:

"بنك الدم في المستشفى أوشك على النفاد، والمريضة تحتاج إلى نقل دم عاجل."

لم يمنحهم سليم فرصةً للتفكير، وقال بحزم: "اسحبوا الدم منها."

في اللحظة التالية، غرزوا الإبرة في وريدي.

وشعرت بدمائي تغادر جسدي شيئًا فشيئًا.

رفعت بصري إليه بيأس...

لعلني أجد في عينيه شيئًا من الشفقة.

لكنه لم ينظر إليّ إلا ببرود، وقال: "كل هذا... دين عليكِ لسلمى."

لم أعد أعرف كم كيسًا من الدم سحبوا مني، لكن كل ما كنت أشعر به أن وعيي يتلاشى تدريجيًا، وأن الدنيا من حولي تغرق في الظلام.

وبعد انتهاء كل شيء، تركوني وحدي في غرفة المستشفى، كما لو كنتُ شيئًا لا قيمة له.

أخرجت هاتفي بيدٍ مرتجفة، وفتحت تقرير التشخيص الذي يثبت إصابة سليم بالعقم.

ثم، مستجمعة آخر ما تبقى لي من قوة، ضغطتُ زر الإرسال.

سليم...

هذه آخر هدية سأقدمها لك.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 8

    ظل سليم يحتجز سلمى في فيلا شمال المدينة.أما ذلك الطفل الذي كان يعدّه يومًا أغلى ما يملك، فقد أرسله إلى خارج البلاد.فالطفل لا ذنب له، أما سلمى فلا.كان يعذب سلمى كل يوم داخل الفيلا، ويوهمها بأن الطفل قد مات.في البداية، ظلت سلمى تتعلق بالأمل، منتظرة أن يعود ذلك المساعد لينقذها، لكن ما إن علمت أنه غير اسمه وهويته منذ زمن، واختفى دون أثر، حتى سقطت في اليأس تمامًا.ومع ما تعرضت له من عذاب جسدي ونفسي، انهارت قواها العقلية. رأيتها مجددًا. كانت قد هزلت حتى تبدلت ملامحها، وما إن أسقط سليم فنجان الشاي، حتى سارعت تزحف نحوه، وتلعق الشاي المسكوب على الأرض حتى نظفته تمامًا. ثم رفعت رأسها، وابتسمت لسليم:"سليم، انظر لقد نظفت الأرض جيدًا.""اسمح لي أن أرى الطفل مرة واحدة، وسأكون مطيعة."في تلك اللحظة، كدت لا أصدق ما تراه عيناي، ولم أستطع أن أتخيل أي عذاب لا إنساني تعرضت له. وخلال الأسبوع التالي، بدأ خالي يشن هجومًا بكل قوته على مجموعة السيوفي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح سليم مثل كلب شريد. وحين وصل أصحاب الديون إلى فيلا عائلة السيوفي، لم يجدوا هناك سوى سلمى، وقد فقدت ملامحها الإنسانية تمامًا.كا

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 7

    قبل ثلاثة أشهر فقط، كان قد وجّه إليّ صدمات متتالية، بل وكاد يتسبب في موتي، فكيف يمكنني أن أسامحه بهذه السهولة؟لذلك أغلقت الباب في وجهه دون أي تردد، ولم أنطق له بكلمة واحدة.وبقي سليم واقفًا عند الباب، إلى أن رآه خالي وهو عائد إلى المنزل بعد انتهاء عمله.وما إن وقعت عيناه على وجه سليم، حتى اندفع نحوه ولكمه بقوة.سقط سليم أرضًا، وسال الدم من زاوية فمه، لكنه ظلّ يعاند:"خالي، ما دامت نور ستسامحني، فحتى لو ضربتني حتى الموت، فسأتقبل ذلك!""الأيام التي عشتها بعيدًا عن نور، كانت أسوأ من الموت...""أرجوك صدقني، أنا أحب نور حقًا."لكن خالي لم يستمع إليه، وأمر رجاله بطرده إلى الخارج.خلال الأيام التالية، كان سليم يتردد على باب المنزل باستمرار، بل حاول أن يؤثر فيّ بذكريات الماضي.وكلما خرجت من المنزل، كان يندفع نحوي، ويحدثني عن الماضي، حتى إنه ذكر مشهد ذلك اليوم على شاطئ البحر، يوم زفافنا.فتوقفت خطواتي للحظة، وأنا على وشك أن أتابع طريقي.ظن سليم أن كلماته قد أتت بمفعولها، فتقدم نحوي مرة أخرى، وأخذ يذكرني بالوعد الذي قطعناه معًا."سليم..."نظرت إليه، وقلت كلمة كلمة:"في ذلك العام، على شاطئ البحر

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 6

    كان يشتاق بشدة إلى شرب الحساء، ويشتاق إليها هي أيضًا.ظل المنزل كما كان قبل ثلاثة أشهر، حتى علبة الزلابية التي لم تُؤكل بالكامل كانت لا تزال موضوعة هناك.بعد مرور ثلاثة أشهر، لم يعد بالإمكان رؤية شكل الزلابية بوضوح من شدة ما أصابها، لكنها بقيت منتفخة كما هي.وبدافع غريب لا إرادي، تقدم وأمسك بإحدى قطع الزلابية.وفجأة شعر بوخزة حادة في أطراف أصابعه، فعندها فقط رأى بوضوح أن ما كان مختلطًا بالطعام الفاسد لم يكن سوى كومة من شظايا الزجاج.اتضح أن نور لم تكن تكذب عليه يومها، فقد كان في حشوة الزلابية شظايا زجاج حقًا.لكن ما الذي فعله هو؟وفي لحظة شرود، خُيل إليه أنه رأى نور واقفة أمامه، تبتسم له قائلة:"سليم، تعالَ واشرب الحساء..."تقدم نحوها، لكنه لم يمسك سوى بالفراغ.فجأة شعر بحكة خفيفة على وجهه، وحين رفع يده ليلمسه وجده مبتلًا بالكامل. عندها أدرك أن الدموع كانت قد غمرت وجهه منذ وقت طويل.وجد الطبيب الذي أجرى له الفحص في ذلك الوقت، وبدا أن الطبيب كان قد توقع قدومه منذ وقت طويل."بعد ظهور نتائج الفحص حينها، كانت زوجتك تخشى أن تتألم، لذلك طلبت مني أن أقول إن المشكلة كانت فيها هي.""احتمال شفائ

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 5

    طوال الطريق، كان يفكر في الطريقة التي سيواجه بها نور.لكن في اللحظة التي دفع فيها باب الفيلا، تجمد في مكانه.استقبلته رائحة غبار كثيف، وكانت الفيلا خالية تمامًا، وكل شيء فيها ما يزال كما تركه ذلك اليوم قبل ثلاثة أشهر، حتى بقع الدم على الأرض كانت لا تزال موجودة.نور ليست هنا؟إذًا إلى أين ذهبت؟لا عجب أن مساعده كان يطلعه باستمرار على أحوال نور، لكنه لم يرسل له صورة واحدة لها قط.شعر سليم وكأنه وقع وسط ضباب كثيف.أخرج هاتفه، واتصل بمساعده:"الآن، حالًا، وفورًا، تعال إلى فيلا جنوب المدينة."كان الطرف الآخر قد وافق بالكلام فقط، لكن سليم انتظر في الفيلا من الظهيرة حتى حلّ الليل، ولم يظهر له أي أثر.وحين حاول الاتصال به مجددًا، كان الخط مشغولًا.أمر على الفور بالتحقق من خط سير مساعده، ليكتشف أنه كان قد استقل طائرة متجهة إلى خارج البلاد قبل نصف ساعة.عندها فقط أدرك أنه كان يتم التلاعب به، فحجز أقرب موعد لإجراء فحص طبي.وما إن ظهرت نتائج الفحص، حتى أصابه الذهول، فقد كان التقرير واضحًا لا لبس فيه، ويؤكد أنه يعاني من انعدام شديد في الحيوانات المنوية.رفض تصديق الأمر، فتنقل بين مستشفى وآخر، لكن ا

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 4

    قبل أن أفقد وعيي بلحظة، وقع بصري على شخص لم أره منذ سنوات طويلة.كان يضمّني إلى صدره بقوة، وكأن قلبه يتمزق ألمًا من أجلي، ثم حملني بين ذراعيه وغادر بي غرفة المستشفى.وبعد صباح كامل من الفوضى، خرجت سلمى أخيرًا من دائرة الخطر.عندها فقط، تذكر سليم نور التي تركها وحيدة في غرفة المرضى.مرر يده على جبينه بإرهاق، وأطلق زفيرًا طويلًا.كان يظن في الأصل أن نور ستتقبل وجود الطفل.فهي لا تستطيع الإنجاب، وسلمى كانت أقرب صديقاتها.والأهم من ذلك، أن مثل هذه الأمور لم تكن غريبة في محيطهم.فالرجال، في نظره، لا يسلمون من الإغراء.ثم إنه لم يفكر يومًا في أن يطلقها، بل ظن أنه توصل إلى الحل الأمثل؛ تعيش إحداهما في الجنوب، والأخرى في الشمال، وبذلك يبقى كل شيء على ما يرام.لكنه لم يتوقع أن ترفض نور الأمر رفضًا قاطعًا، بل وتطلب الطلاق.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال: "ما هذا الهراء الذي كانت تقوله؟"هو لم يتوقف عن حبها، ولم يفكر يومًا في التخلي عنها.كل ما في الأمر أنه أصبح أبًا لطفل.في النهاية، أقنع نفسه بأن يتركها تهدأ قليلًا، ثم يعود ليراضيها عندما تنتهي هذه الفوضى.صحيح أن طباعها أصبحت أكثر حدة مؤ

  • عامًا بعد عام... لا نلتقي   الفصل 3

    ما إن عضضت قضمة من الزلابية حتى شعرت بشيءٍ حاد يجرح فمي.كان حشوها مليئًا بشظايا الزجاج.ومع كل لقمة أبتلعها، كنتُ أشعر وكأن آلاف الإبر تمزق حلقي.تحاملت على الألم، وبصقت ما في فمي، ثم التفت إلى سلمى وصرخت:"هل هذه هي طريقتكِ في الاعتذار؟ تضعين شظايا زجاج داخل الزلابية؟"نظر سليم إلى وجهي المتلوّي من الألم، ثم التفت إلى سلمى باستغراب.وفي اللحظة التالية، انهمرت دموعها.ارتمت بين ذراعيه بجسد واهن، وقالت بصوت مرتجف: "أنا... لم أفعل شيئًا.""سليم كان يراقبني بنفسه وأنا أعد الزلابية، فكيف يمكن أن يكون بداخلها زجاج؟""نور... لقد جئت لأعتذر لكِ بصدق، فلماذا تختلقين هذه الكذبة السخيفة لتتهميني؟ هل لن تسامحيني إلا إذا متّ أنا وطفلي؟"بضع كلمات منها كانت كافية ليحكم عليّ سليم بالإدانة.نظر إليّ بخيبةٍ واضحة، وقال: "نور... لقد خيبتِ ظني كثيرًا.""اليوم... يجب أن تعتذري لسلمى."عندها، انسابت بي الذكريات إلى سنواتٍ مضت.بعد زواجنا بفترة قصيرة، ذهبت إلى شركته لزيارته، فاتهمتني إحدى السكرتيرات عمدًا بأنني أفسدت بعض ملفاتها.وقفتُ عاجزةً عن الدفاع عن نفسي.لكن سليم ظهر في تلك اللحظة، وأمام جميع الموظ

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status